مر بنا أن مالك بن عوف سبق إلى وادي حنين وفرق جيوشه في منعطفاته ومضايقه واستعدوا وتأهبوا وأحكموا خطتهم١.
وكان المسلمون لا يعلمون بذلك، وبينما هم ينحدرون في الوادي إذ انهالت عليهم هوازن بوابل من النبال والسهام، فانكشفت مقدمة المسلمين، وتبعها بقية
_________________
(١) ١ تقدم في مبحث (سبب هزيمة المسلمين ص١٤١) .
[ ١٦٩ ]
الجيش الإسلامي، ولم يبق مع رسول الله - ﷺ - إلا قلة من المسلمين، وهذا ما نريد الحديث عنه في هذا المبحث.
على أنه قد اختلفت الروايات في عدد الذين ثبتوا مع رسول الله - ﷺ -، وهي كالآتي:
أ- ورد في حديث أنس بن مالك عند البخاري ومسلم وغيرهما قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده" الحديث١.
قال ابن حجر: ويجمع بين قوله "حتى بقي وحده" وبين الأخبار الدالة على أنه بقي جماعة، بأن المراد: بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه، أو وحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان ابن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك٢.
ب- وأخرج ابن أبي شيبة والبزار من حديث بريدة بن الحصيب أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا رجل واحد يقال له زيد. وهذا سياق الحديث عند البزار:
٧٠- حدثنا معمر٣ بن سهل، وصفوان٤ بن المغلس قالا: ثنا عبيد٥ بن
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٤٠) . (فتح الباري ٨/٢٩، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . ٣ كذا وقع في السند "معمر"، ولعل الصواب: محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة التيمي، مولاهم، أبو بكر البخاري، نزيل بغداد، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٥١) /م ت س. فإنه يروي عن عبيد الله بن موسى. انظر: (تهذيب الكمال للمزي٥/٤٤٦و٧/٦٠٣،والتقريب٢/١٦٧، وتهذيب التهذيب ٩/٢٠٧ كلاهما لابن حجر، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٥/٣١٣) . ٤ لم أجد ترجمته. ٥ عبيد الله بن موسى بن أبي مختار، باذام - بموحدة وذال معجمة - العبسي الكوفي، أبو محمد ثقة، كان يتشيع، من التاسعة. قال أبو حاتم: "كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان الثوري" (ت٢١٣) على الصحيح. /ع. (التقريب ١/٥٣٩-٥٤٠، وتهذيب التهذيب ٧/٥٠-٥٣ كلاهما لابن حجر. والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/٣٣٤-٣٣٥) .
[ ١٧٠ ]
موسى، ثنا يوسف١ بن صهيب، عن عبد الله٢ بن بريدة، عن أبيه٣ قال:
"تفرق الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلم يبق إلا رجل يقال له زيد٤، وهو آخذ بعنان٥ بغلة رسول الله - ﷺ - الشهباء٦، فقال له رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) ١ يوسف بن صهيب الكندي، الكوفي، ثقة من السادسة/ د ت س. (التقريب ٢/٣٨١، وتهذيب التهذيب ١١/٤١٥) . ٢ عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضيها، ثقة، من الثالثة (ت ١٠٥، وقيل: ١١٥) . /ع. (المصدر السابق ١/٤٠٣- ٤٠٤، و٥/١٥٧) . ٣ هو: بريدة بن الحصيب - بمهملتين مصغرا - أبو سهل الأسلمي، صحابي، أسلم قبل بدر (ت٦٣) /ع. (التقريب١/٩٦،تهذيب التهذيب١/٤٣٢- ٤٣٣) . ٤ لعله زيد بن الأرقم الأنصاري الخزرجي، فقد جاء عند الطبراني في معجمه الكبير ٥/٢١٥ عن زيد بن أرقم قال: انهزم الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين فقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٢: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". ٥ العنان: ككتاب: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، جمعه أعنة وعنن. (القاموس المحيط ٤/٢٤٩) . وثبت في الأحاديث المستفيضة أن الذي كان ملازما لرسول الله - ﷺ - وآخذا بلجام البغلة وركابها هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان العباس هو الذي نادى المهاجرين والأنصار، ولعل هؤلاء الثلاثة كانوا يتناوبون ذلك أو أن كل واحد منهم آخذا من جهة. ٦ قوله: "على بغلة شهباء"، وكذا جاء في حديث عند الطبراني في الأوسط، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم، وفي حديث البراء عند أبي يعلى والروياني، وحديث العباس عند ابن سعد وأحمد والطبري والعسكري في الأمثال، وحديث عبد الرحمن مولى أم برثن عند الطبري. قال ابن حجر: وقع عند مسلم من حديث العباس "وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي"، وله من حديث سلمة بن الأكوع "وكان على بغلته الشهباء". ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنفوا في السيرة أنه كان على بغلته "دلدل" - بدالين مضمومتين- وفيه نظر، لأن "دلدل" أهداها له المقوقس. وقد ذكر القطب الحلبي: أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد، فقال له: كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة، وكنت حينئذ سيريا محضا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف، ثم قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلا فما في الصحيح أولى. ثم قال ابن حجر: وقد أغرب النووي فقال: وقع عند مسلم "على بغلته البيضاء"، وفي أخرى "الشهباء" وهي واحدة، ولا نعرف له بغلة غيرها، قال ابن حجر: وتعقب بـ: "دلدل" فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل: إن الاسمين لواحدة. وقال في حديث أنس بن مالك الذي فيه "أن ملك أيلة أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء"، قال: ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة، لأن ذلك كان في تبوك، وغزوة حنين كانت قبلها، وقد وقع في مسام من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة، وهذا هو الصحيح. وذكر أبو الحسين بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين "دلدل" وكانت شهباء أهداها له المقوقس، وأن التي أهداها له فروة يقال لها: فضة، ذكر ذلك ابن سعد، والصحيح ما في مسلم. إهـ. كلام ابن حجر. وقال الزرقاني: "وقع في رواية لأحمد وأبي داود وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن الفهري أنه - ﷺ - كان يومئذ على فرس. قال الشامي: وهي شاذة، والصحيح أنه كان على بغلة". ثم قال الزرقاني: "ويحتمل أنه عبر عنها بالفرس مجازا لشبهها به في الإقدام، بحيث كان العباس يكفها، ونزوله بعد انخفاضها به، وأخذه الحصى ورميهم به، فلا تنافي". (انظر: ابن حجر: فتح الباري ٦/٧٥ و٨/٣٠، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٠-٤٠١، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، والزرقاني شرح المواهب اللدنية ٣/٩- ١٠، ١٣- ١٤، والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢١٧) .
[ ١٧١ ]
"ويحك١ ادع الناس"، فنادى زيد: يا أيها الناس! هذا رسول الله - ﷺ - يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص الأوس والخزرج، فنادى: يا معشر الأوس والخزرج! هذا رسول الله - ﷺ - يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص المهاجرين فإن لي في أعناقهم بيعة، قال: فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون حتى أتوا رسول الله - ﷺ - فمشوا قدما حتى فتح الله عليهم".
قال البزار: لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا رواه عن عبد الله إلا يوسف بن صهيب، وهو كوفي مشهور.
وقال الهيثمي وابن حجر: "رجاله ثقات"٢.
ونسبه ابن كثير ليونس بن بكير فقال: وروى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب، عن٣ عبد الله: أنه لم يبق مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد٤.
؟- وعند أبي يعلى والطبراني من حديث أنس بن مالك: أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث، وهذا سياقه عند أبي يعلى قال:
_________________
(١) ١ "ويحك" قال ابن الأثير: ويح كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف. (النهاية ٥/٢٣٥) . (الهيثمي: كشف الأستار٢/٣٤٧-٣٤٨، ومجمع الزوائد٦/١٨١، وابن حجر: مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥٠-٢٥١،رقم (٨١٦)،والمطالب العالية ٤/٢٥٠) . وعلي المتقي الهندي: منتخب كنْز العمال ٤/١٦٧ مع "مسند أحمد". ٣ وقع في البداية والنهاية: "بن" وهو خطأ، والصواب "عن" كما تقدم في أول هذا الحديث. (البداية والنهاية ٤/٣٣٢) .
[ ١٧٢ ]
٧١- حدثنا محمد١ بن أبي بكر، ثنا عمرو٢ بن عاصم، ثنا أبو العوام، عن معمر٣، عن الزهري٤، عن أنس قال: "لما كان يوم حنين انهزم الناس عن رسول الله - ﷺ - إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث". الحديث٥.
قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح، غير عمران بن دوار٦ وهو أبو العوام، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره".
قلت: يشهد له حديث العباس، فقد أخرج الحاكم من طريق ابن أبي عمر٧:
٧٢- ثنا سفيان٨، عن الزهري، عن كثير٩ بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه١٠ قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو
_________________
(١) ١ محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدّم - بوزن محمد - المقدّمي - بالتشديد - أبو عبد الله الثقفي، مولاهم البصري ثقة من العاشرة (ت ٢٣٤) /خ م س. (التقريب٢/١٤٨، وتهذيب التهذيب٩/٢٧٩،والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٤) . ٢ عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي، القيسي أبو عثمان البصري، صدوق، في حفظه شيء، من صغار التاسعة (ت ٢١٣) /ع. (التقريب ٢/٧٢، وتهذيب التهذيب ٨/٥٨) . وفي هدي الساري ص٤٣١ قال: وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو داود: لا أنشط لحديثه. ثم عقب ابن حجر بقوله: قد احتج به أبو داود في السنن والباقون. ٣ معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت ١٥٤٩ /ع. (التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٣) . ٤ تقدمت ترجمة أنس والزهري في رقم (٢٢) و(٣٢) . ٥ أبو يعلى: (المسند ٣/٣٣٨ب رقم (٣٠٣) . والهيثمي (مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم (٧٧)، ومجمع الزوائد ٦/١٨٠- ١٨١) . ٦ قال عنه ابن حجر: همران بن دوار - بفتح الواو بعدها راء - أبو العوام القطان البصري، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، من السابعة (ت ١٦٠- ١٧٠) /خت عم. (التقريب ٢/٨٣، وتهذيب التهذيب٨/١٣٠) . ٧ هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق صنف المسند، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: "كانت فيه غفلة"، من العاشرة (ت٢٣٤) /م ت س ق. (التقريب ٢/٢١٨، وتهذيب التهذيب ٩/٥١٨) . ٨ سفيان: هو ابن عيينة، تقدمت ترجمته في حديث (٥١) . ٩ كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أبو تمام، صحابي صغير مات بالمدينة أيام عبد الملك. /خ م د س. (التقريب ٢/١٣٢، وتهذيب التهذيب ٧/٤٢٠- ٤٢١) . ١٠ عباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ، مشهور، (ت ٣٢) أو بعدها. /ع. (التقريب ١/٣٩٧- ٣٩٨، وتهذيب التهذيب ٥/١٢٢) .
[ ١٧٣ ]
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ - وهو راكبها وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين" ١ ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي.
د- وعند ابن ابي شيبة من مرسل الحكم٢ بن عتيبة قال:
٧٣- لما فر الناس يوم حنين جعل النبي - ﷺ - يقول:
"أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي، والعباس بين يديه، أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، قال: وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل٣" ٤.
؟- وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق ما يدل على أنه بقي مع رسول الله - ﷺ - عشرة، وهذا سياقه: قال:
لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف خطوط إنما ننحدر فيه انحدارا – قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين، ثم قال: أين أيها٥ الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله - ﷺ - نفر٦ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
_________________
(١) (المستدرك ٣/٢٥٥) . ٢ الحكم بن عتيبة - بفوقية ثم موحدة مصغرا - أبو محمد الكندي، الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة (ت ١١٣) أو بعدها. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٩٢) . ٣ قال الزرقاني: قوله "وليس يقبل نحوه أحد إلاّ قتل": أي بقتل الملائكة على المتبادر من أنه لم يبق إلاّ هؤلاء الأربعة، وبين ما انشغلوا به. وتقدم حديث عبد الرحمن فتلقانا عند صاحب البغلة رجال بيض الوجوه حسان. (شرح المواهب ٣/١٥، ١٨، وانظر حديث (٨٨) . ٤ ابن حجر: (فتح الباري ٨/٢٩، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٨) . ٥ خطاب للصحابة. ٦ النفر: اسم جمع بقع على الجماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. (ابن الأثير: النهاية ٥/٩٣) .
[ ١٧٤ ]
وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر، وعمر.
ومن أهل بيته: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث وابنه١، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد. الحديث٢.
والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي: الجميع من طريق ابن إسحاق، ولم يذكروا "ابن أبي سفيان:".
ووعند أحمد والبزار والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود أن الذين ثبتوا يوم حنين كانوا ثمانين، وهذا سياقه عند أحمد قال:
٧٤- ثنا عفان٣، ثنا عبد الواحد٤ بن زياد، ثنا الحارث٥ بن حصيرة، ثنا القاسم٦ بن عبد الرحمن، عن أبيه٧ قال: قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول
_________________
(١) ١ قال ابن هشام: اسم ابن أبي سفيان بن الحارث: "جعفر"، وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس، ولا يعد ابن أبي سفيان. (السيرة النبوية ٢/٤٤٣) . ٢ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٨) . ٣ عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار، البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، وربما وهم. وقال ابن معين: "أنكرناه في صفر سنة (٢١٩) " ومات بعدها بيسير. من كبار العاشرة. /ع. (التقريب ٢/٢٥، وتهذيب التهذيب ٧/٢٣٠) . ٤ عبد الواحد بن زياد، العبدي، مولاهم، البصري، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده فيه مقال، من الثامنة (ت١٧٦) /ع. (التقريب١/٥٢٦، وتهذيب التهذيب٦/٤٣٤) . ٥ الحارث بن حصيرة - بفتح المهملة وكسر المهملة بعدها - الأزدي، أبو نعمان الكوفي، صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، من السادسة، وله ذكر في مقدمة مسلم. /بخ س ص. (ابن حجر: التقريب ١/١٤٠، وتهذيب التهذيب ٢/١٤٠) . ووقع في البداية والنهاية لابن كثير٤/٣٣٢:"الحارث بن حصين" بالنون، وهو خطأ. ٦ القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي، ثقة عابد، من الرابعة (ت ١٢٠) أو بعدها /خ عم. (ابن حجر: التقريب ٢/١١٨، وتهذيب التهذيب ٨/٣٢١) . ٧ هو عبدا لرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، الكوفي، ثقة من صغار الثانية (ت٧٩) وقد سمع من أبيه، لكن شيئًا يسيرًا. /ع. (المصدر السابق١/٤٨٨،٦/٢١٥) . وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية خطأ في الرمز حيث رمز له بـ ق، والصواب "ع" كما في: (تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال ٢/٥٧٣. والخلاصة للخزرجي ٢/١٤١) .
[ ١٧٥ ]
الله - ﷺ - يوم حنين، قال: فولى١ عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا٢ على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله ﷿ عليهم السكينة٣، قال: ورسول الله - ﷺ - على بغلته يمضي قدما فحادت٤ به فمال عن السرج فقلت له: "ارتفع رفعك الله" الحديث٥.
والحديث رواه البزار والطبراني والحاكم: كلهم من طريق عفان ابن مسلم به٦.
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة٧.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: الحارث وعبد الواحد ذوا مناكير، وهذا منها، ثم فيه إرسال".
والحديث أعله الذهبي بأنه من مناكير عبد الواحد٨ والحارث، وبالإرسال.
وعبد الواحد الذي يقول فيه الذهبي إنه صاحب مناكير، قد وثقه أئمة هذا الشأن حيث نقل توثيقه عن يحيى بن معين، وأبي زرعة٩، وأبي حاتم١٠، وابن
_________________
(١) ١ وعند الطبراني والحاكم: "فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار". وعند البزار: "فتفرق الناس وبقيت في ثمانين". ٢ فنكصنا: النكوص: الرجوع على وراء وهو القهقرى. (ابن الأثير: النهاية٥/١١٦) . وعند الطبراني: "فتنكصنا"، وعند الحاكم: "فكنا". ٣ السكينة: الوقار والتاني في الحركة والسير، وقيل: السكون والرحمة، وقيل غير ذلك. (ابن الأثير: النهاية ٢/٣٨٥- ٣٨٦) . ٤ حاد عن شيء والطريق يحيد إذا عدل، إراد أن البغلة نفرت وتركت الجادة. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٦٦) . ٥ أحمد: (المسند ١/٤٥٣، وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٣٢ وقال: "تفرد به أحمد") . ٦ البزار: كما في (كشف الأستار ٢/٣٨٢) . و(الطبراني: المعجم الكبير ١٠/٢٠٩، والحاكم: المستدرك ٢/١١٧. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٤- ٤٥. والسيوطي: الدر المنثور ٣/٢٢٤) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٠ وفي ١٠/٤٠٣ قال: عن الحارث "وثق". ٨ وقع في حاشية المستدرك "عبد الله" وهو خطأ. ٩ هو: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة (ت ٢٦٤) /م ت س ق. (التقريب ١/٥٣٦، وتهذيب التهذيب ٧/٣٠) . ١٠ هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، أحد الحفاظ، من الحادية عشرة (ت ٢٧٧) /د س. (التقريب٢/١٤٣،وتهذيب التهذيب٩/٣١) .
[ ١٧٦ ]
سعد١، والنسائي، وأبي داود، والعجلي٢، والدارقطني، وابن حبان.
وقال ابن عبد البر: "لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت".
وقال ابن القطان الفاسي٣: "ثقة لم يعتل عليه بقادح، ولكن أشار يحيى"٤ القطان إلى لينه، فروى ابن المديني عنه أنه قال: ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا.
قال ابن حجر: "وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة"٥.
قلت: والذهبي نفسه أورد قول يحيى بن القطان في "سير أعلام النبلاء" وعقب عليه بقوله: قلت: قد كان عبد الواحد من علماء الحديث، وحديثه مخرج في الصحاح٦.
وفي "تذكرة الحفاظ" قال عنه: عبد الواحد بن زياد الإمام الفقيه.. وثقه أحمد وغيره، وأما ابن حبان فقال: ليس بشيء، ثم عقب على هذا بقوله: قلت: كان عالما صاحب حديث وله أوهام ولكن حديثه محتج به في الكتب. ا؟٧.
قلت: وأكثر ما نقموا عليه حديثه عن الأعمش، وحديث الباب ليس من حديثه عن الأعمش.
فعلى هذا فقول الذهبي بأن عبد الواحد صاحب مناكير وأن هذا الحديث منها فيه نظر.
_________________
(١) ١ محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، كاتب الواقدي، صدوق فاضل، من العاشرة (ت ٢٣٠) /د. (التقريب ٢/١٦٣، وتهذيب التهذيب ٩/١٨٢) . ٢ هو: الإمام الحافظ القدوة أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، نزيل طرابلس المغرب، حدّث عنه ولده صالح بمصنفه في الجرح والتعديل، وهو كتاب مفيد يدل على سعة حفظه، كانوا يعدونه مثل أحمد ويحيى بن معين (١٨٢-٢٦١) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٥٦٠- ٥٦١) . ٣ هو: أبو الحسن علي بن محمد - تقدمت ترجمته في حديث (٦٣) . ٤ يحيى بن سعيد بن فرّوخ - بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة - التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ، إمام قدوة من كبار التاسعة (ت ١٩٨) /ع. (التقريب ٢/٣٤٨، وتهذيب التهذيب ١١/٢١٦) . (ابن حجر: هدي الساري ص٤٢٢، وتهذيب التهذيب ٦/٤٣٤، وابن ابي حاتم: الجرح والتعديل ٦/٢٠) . (سير أعلام النبلاء ٩/٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٥٨) . (سير أعلام النبلاء ٩/٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٥٨) .
[ ١٧٧ ]
وأما الحارث فوثقه قوم وضعفه آخرون ورمي بالتشيع.
وحديث الباب ليس فيه ما يدعو على التشيع.
وقد توسط فيه ابن حجر فقال: "صدوق يخطئ ورمي بالرفض".
وأما الإرسال١: فقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن من أبيه، فمنهم من نفاه مطلقا، ومنهم من أثبته مطلقا، ومنهم من قال: سمع حديثا، ومنهم من قال: سمع حديثين، وقال ابن حجر: "سمع من أبيه لكن شيئا يسيرًا".
وذلك لأن عبد الرحمن عند وفاة أبيه كان عمره ست سنوات وهو وقت يمكن أن يسمع فيه بعض الأحاديث، ويصعب الجزم بأن حديث الباب من المسموع لأنهم لم ينصوا على ذلك، وإذا كان الحديث مرسلا فيكون ضعيفا لكن يشهد له حديث حارثة٢ بن النعمان وهو ما اورده ابن حجر في ترجمته فقال:
٧٥-وروى ابن شاهين٣ من طريق المسعودي٤، عن الحكم٥، عن القاسم٦،: أن حارثة أتى النبي - ﷺ - وهو يناجي رجلا ولم يسلّم، فقال جبرائيل: "أما
_________________
(١) ١ المراد بالإرسال هنا: الانقطاع بين عبد الرحمن وأبيه، لأن المرسل يطلق على كل ما لم يتصل إسناده عند بعض علماء الحديث، وهو المشهور عند الفقهاء والأصوليين. (تدريب الراوي للسيوطي ص١١٨) . ٢ حارثة بن النعمان بن رافع أو نفيع بن زيد بن عبد بن ثعلبة الأنصاري، أبو عبد الله المدني، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها ورأى جبريل يكلم النبي - ﷺ - فسلم عليهما وكان من الفضلاء، يقال توفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وقد ورد عند أحمد بإسناد صحيح، وهو عند الطبراني أيضا أن حارثة سلم على جبريل ورد جبريل - ﵇. (ابن حجر: الإصابة ١/٢٩٨- ٢٩٩. وأحمد: المسند: ٥/٤٣٣، والطبراني المعجم الكبير ٣/٢٥٧. وأبو نعيم: حلية الأولياء ١/٣٥٦) . ٣ هو: الحافظ الإمام المفيد المكثر محدث العراق، أبو حفص: عمر بن أحمد بن عثمان ابن أحمد البغدادي، الواعظ المعروف بابن شاهين، صاحب التصانيف منها: التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء، والتاريخ مائة وخمسون جزءا وغيرها. (٢٩٧-٣٨٥هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩٨٧- ٩٨٩) . ٤ هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، المسعودي صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. من السابعة (ت ١٦٠ وقيل: ١٦٥) /خت عم. (ابن حجر: التقريب ١/٤٨٧، وتهذيب التهذيب ٦/٢١٠٩. ٥ الحكم هو ابن عتيبة. ثقة ثبت، تقدم في حديث (٧٣) . ٦ القاسم: الظاهر أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فإنه شيخ المسعودي، والحكم بن عتيبة شيخ المسعودي، وعلى هذا فيحتمل أن المسعودي تارة رواه عن الحكم بن عتيبة عن القاسم وتارة رواه عن القاسم مباشرة، غير أن الحكم بن عتيبة شيخه القاسم بن مخيمرة، وهو من الثالثة، والقاسم بن عبد الرحمن من الرابعة، وكلاهما ثقة وقد قال ابن المديني: القاسم بن عبد الرحمن لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة. وقال ابن معين: "القاسم بن مخيمرة لم يصح أنه سمع من أحد من الصحابة، وعلى هذا فإن الحديث منقطع سواء أكان القاسم هو ابن عبد الرحمن أو ابن مخيمرة". (المزي: تهذيب الكمال ٤/٤٠٠، ٦/٥٥٦، ٥٥٩)
[ ١٧٨ ]
أنه لو سلم لرددنا عليه، فقال رسول الله - ﷺ - لجبرائيل: وهل تعرفه؟ فقال نعم، هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة" ١.
ورواه الحارث٢ من وجه آخر عن المسعودي، فقال: عن القاسم٣، عن الحارث بن النعمان كذا قال.
ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى٤، عن الحكم٥، عن مقسم٦، عن ابن عباس، فذكر نحوه٧.
قلت: الحديث المشار إليه عند الطبراني هذا سياقه:
٧٦- قال: حدثنا محمد٨ بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد٩ بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي١٠، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس
_________________
(١) ١ ابن حجر: الإصابة١/٢٩٩وعند الطبراني:"رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة". ٢ الحارث: هو الحارث بن محمد بن أبي أسامة، داهر الإمام أبومحمد التميمي، البغدادي، صاحب المسند (١٨٦-٢٨٢ هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦١٩-٦٢٠) . ٣ القاسم: هو ابن عبد الرحمن، وهو شيخ المسعودي، فيكون المسعودي تارة روى عنه مباشرة، وتارة عنه بواسطة (الحكم بن عتيبة) .كما تقدم ص:١٧٨ تعليقة (٦) . ٤ هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي، أبو عبد الرحمن صدوق، سيء الحفظ جدا، من السابعة (ت٢٤٨) عم. (ابن حجر: التقريب٢/١٨٤، والتهذيب ٩/٣٠١) . ٥ الحكم هو: ابن عتيبة. ٦ مقسم - بكسر أوله - ابن بجرة - بضم الموحدة وسكون الجيم - ويقال: نجدة - بفتح النون وبدال - أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس، للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة (ت ١٠١) وما له في البخاري سوى حديث واحد. /خ عم. (المصدر السابق ٢/٢٧٣، ١٠/٢٨٨) . ٧ ابن حجر: الإصابة ١/٢٩٩. ٨ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، الحافظ الكبير - مطَيَّن، محدث الكوفة، كان من أوعية العلم، حدث عنه الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي وغيرهم (٢٠٢- ٢٩٧هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢) . ٩ محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من العاشرة. / بخ ت. (ابن حجر: التقريب ٢/١٩٧، وتهذيب التهذيب ٩/٣٨١) . ١٠ عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مقبول، من الثامنة /ت ق. (المصدر السابق ٢/٨٤، ٨/١٣٧ وقال: ذكره ابن حبان في الثقات) .
[ ١٧٩ ]
قال: "مرّ حارثة بن النعمان على رسول الله - ﷺ - ومعه جبريل - ﵇ -، يناجيه، فلن يسلم، فقال جبريل - ﵇ -: "ما منعه أن يسلم، إنه لو سلم لرددت عليه، ثم قال: أما إنه من الثمانين"، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما الثمانون؟ ". قال: يفر الناس عنك غير ثمانين يصبرون معك، رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة، فلنا رجع حارثة سلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ألا سلمت حين مررت؟ ". قال: "رأيت معك إنسانا فكرهت أن أقطع حديثك، قال::فرأيته؟ " قال: نعم، قال: "ذاك جبريل - ﵇ -، وقد قال: فأخبره بما قال جبريل - ﵇ -" ١.
والحديث قال فيه الهيثمي: "رواه الطبراني والبزار بنحوه وإسناده حسن، رجالهم كلهم وثقوا وفي بعضهم خلاف"٢.
وعند البيهقي بطريق مرسل وفيه راو لم أجد ترجمته٣ عن حارثة بن النعمان: حزرت من بقي مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين فقلت: مائة واحدة٤.
وعند الواقدي: ويقال: أن رسول الله - ﷺ - لما انكشف الناس، قال لحارثة بن النعمان: "يا حارثة كم ترى الذين ثبتوا؟ قال: فلما التفت ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني وشمالي فحزرتهم مائة، فقلت يا رسول الله هم مائة! حتى كان يوم مررت على النبي - ﷺ - وهو يناجي جبريل ﵇ عند باب المسجد، فقال جبريل - ﵇ -: من هذا يا محمد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: حارثة بن النعمان، فقال جبريل - ﵇ -: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت - ﵇ -، فأخبره النبي - ﷺ -، فقال: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك ٥.
ز- وعند الترمذي: من حديث ابن عمر أن الثابتين يوم حنين نحو المائة، وهذا نصه:
_________________
(١) ١ الطبراني: المعجم الكبير ٣/٢٥٧، والواقدي: المغازي ٣/٩٠١. ٢ مجمع الزوائد ٩/٣١٤. ٣ هو محمد بن عمرو بن خالد أبو علاثة. (البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٥، وانظر: البلاذري: أنساب الأشراف ص: ٣٦٤- ٣٦٥، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣/٤٨٧- ٤٨٨) . (الواقدي: المغازي ٣/٩٠٠- ٩٠١) .
[ ١٨٠ ]
٧٧ حدثنا محمد١ بن عمر بن علي المقدمي، حدثني أبي٢، عن سفيان٣ بن حسين، عن عبيد الله٤ بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قالك "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل" ٥.
ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه ألا من هذا الوجه.
قال المباركفوري: قوله: "وإن الفئتين لموليتان"، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلا عن الترمذي وفيه: "وإن الناس لملون"٦ مكان "وإن الفئتين لموليتان"٧.
والحديث فيه عمر بن علي المقدمي وهو مدلس وقد عنعن.
وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلّسين، وهي المرتبة التي لا يحتج بشيء من حديث من أصحابها إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل٨.
والحديث حسنه الترمذي وابن حجر وجمع بينه وبين حديث ابن مسعود، وهذا
_________________
(١) ١ محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم - بوزن محمد - المقدمي - بالتشديد - البصري، صدوق من صغار العاشرة. /عم. (ابن حجر: التقريب ٢/١٩٤، والتهذيب ٩/٣٦١) . ٢ هو: عمر بن علي بن عطاء بن مقدم، كان يدلس شديدا، من الثامنة (ت ١٩٠) وقيل: بعدها. /ع. (المصدر السابق ٢/٦١، ٧/٤٨٥- ٤٨٦) . ٣ سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطي، ثقة، في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة (ت بالري مع المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد) /خت م عم. (المصدر السابق ١/٣١٠ و٤/١٠٧- ١٠٨) . ٤ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن المعين في القاسم عن عائشة، على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة (ت بضع وأربعين بعد المائة على الصحيح) /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٥٣٧، والتهذيب ٧/٣٨) . (الترمذي: السنن ٣/١١٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال. قال ابن حجر: وعند أبي نعيم: "تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار". (فتح الباري ٨/٢٩، الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١، ١٨) . وكذا عند الواقدي: (المغازي ٣/٩٠١) . ٦ في الفتح، وتحفة الأحوذي: "وإن الناس لمولين"، وعند الزرقاني في شرح المواهب ٣/١٨: "وإن الناس لمولون"، ثم قال: جملة في موضع نصب مفعول رأى الثاني. (تحفة الأحوذي ٥/٣٣٦) . ٨ ص٣٨.
[ ١٨١ ]
نص كلامه قال: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل".
ثم قال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين١.
ثم قال: وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ثم ساق الحديث وقال في نهايته: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين". ا؟٢.
وعلى هذا الجمع يكون حديث ابن عمر مؤيدا لحديث ابن مسعود.
والخلاصة: أن الأحاديث اختلفت في عدد الثابتين يوم حنين كما تقدم إيضاح ذلك، وعلى إثر ذلك اختلفت أقوال العلماء تبعا لهذه الآثار وخلاصة ما ورد في الآثار:
أ- أن الذين ثبتوا يوم حنين مع رسول الله - ﷺ - أربعة٣. كما ورد في حديث الحكم بن عتيبة.
ب- وفي بعضها: عشرة، كما في حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق.
ج_ أو اثنا عشر٤.
د- أو كانوا ثمانين، كما في حديث ابن مسعود وحارثة بن النعمان.
؟- أو أنهم نحو مائة وهو الوارد في حديث عبد الله بن عمر، وهو قريب من الوارد في حديث عبد الله بن مسعود وحارثة بن النعمان.
_________________
(١) ١ وقع في التعليق على جامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٥ يوم "أحد" وهو خطأ. (فتح الباري ٨/٢٩- ٣٠، وانظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٨- ١٩) . ٣ تقدم في حديث أنس بن مالك أن الصحابة أدبروا عن رسول الله - ﷺ - حتى بقي وحده. وفي حديث بريدة بن الحصيب أنه بقي رجل يقال له: زيد. انظر الحديث (٤٠ و٧٠) . ٤ قال الزرقاني: وبهذا قال النووي، وكأنه أخذه من قول ابن إسحاق الذي رواه عن جابر قال: ثبت معه: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، فهؤلاء عشرة، وتقدم في مرسل الحكم ذكر ابن مسعود، والثاني عشر يمكن تفسيره بعثمان بن عفان، فقد روى البزار عن أنس أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ضرب كل منهم بضعة عشر ضربة. (شرح المواهب اللدنية ٣/١٩، وانظر: حديث رقم (٥٣) .
[ ١٨٢ ]
وأو كانوا مائة، ورد ذلك في حديث حارثة بن النعمان أيضا، عند الواقدي والبيهقي١.
قال الزرقاني: وجمع شيخنا، بحمل الأربعة على من بقي معه آخذا بركابه، والاثنى عشر والعشرة على المتلاحقين بسرعة، فمن قال اثنا عشر عد من كان معه أولا فيهم، ومن قال عشرة أراد الأربعة وستة ممن أسرع، وحمل الثمانين على الذين نكصوا على أقدامهم ولم يولوا الدبر، والمائة عليهم وعلى من انضم إليهم حين تقدموا إليه ﵇. إ؟٢.
وذكر ابن حجر بعض هذه الأقوال ثم قال: ووقع في شعر العباس ابن عبد المطلب:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا٣ وافي الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع
ثم قال: ولعل هذا هو الثابت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم. ا؟٤.
قلت: لعل ما قاله ابن حجر هو الصواب، ويؤيده ما ورد عند ابن إسحاق من حديث العباس بن عبد المطلب بإسناد صحيح قال:
إني لمع رسول الله - ﷺ - آخذ بحكمة٥ بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله - ﷺ - يقول حين رأى ما رأى من الناس: "أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال العباس، اصرخ، يل معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، قال: فأجابوا لبيك٦ لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه،
_________________
(١) ١ انظر: شرح المواهب اللدنية ٣/١٩- ٢٠، والسيرة الحلبية ٣/٦٥. (شرح المواهب اللدنية ٣/١٩٢٠، والسيرة الحلبية ٣/٦٥) . ٣ هو: أيمن بن عبيد، وافى الحمام أي قتل شهيدا في المعركة. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٢٩-٣٠) . ٥ الحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه، وشجرتها بها: أي وضعتها في شجرها، أكفها بها والشجر: مفتح الفم، وقيل الذقن. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٢٠، ٢/٤٤٦) . ٦ لبيك: هو من التلبية وهي إجابة المنادي، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة بعد إجابة. (المصدر السابق ٤/٢٢٢) .
[ ١٨٣ ]
ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا". الحديث١.
فهذا يدل على ان بعضهم عاد بسرعة إلى المعركة فكأنه لم ينهزم، وممن صرح باسمه لأنه ثبت يوم حنين غير من تقدم٢:
قثم بن العباس، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الحجبي، وأبو دجانة – سماك بن خرشة الأنصاري – وأبو طلحة – زيد بن سهل الأنصاري – وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وأبو بشر المازني الأنصاري.
ومن النساء:
أم سليم - والدة أنس بن مالك -، وأم عمارة - يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية، والدة عبد الله بن زيد -، وأم الحارث - جدة عمارة بن غزية الأنصارية-، وأم سليط - والدة سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة.
هؤلاء الذين نص على أسمائهم بأنهم ثبتوا يوم حنين، وهم مفرقون في الأحاديث، ومنهم من نص عليه في ترجمته٣.
وقد تحقق لدي من خلال هذه الروايات الكثيرة المتباينة في ظاهرها حول رصد الذين ثبتوا يوم حنين من المسلمين، أن أولى الأقوال بالقبول هو قول (ابن حجر) ولا تنافي بين العشرة المذكورين في شعر العباس، وبين القول أنهم كانوا اثني عشر لتقارب العدد في ذلك، ولا شك أن هول الموقف وشدة الأزمة أديا إلى هذا الاختلاف في النظر إلى عدد الذين صمدوا مع رسول الله - ﷺ -، لكن المقبول قوله في ذلك هو العباس لأنه أعلم من غيره، حيث كان أبرز الثابتين يوم حنين مع رسول الله - ﷺ - وهو الذي طلب منه الرسول - ﷺ - أن ينادي في الناس، فكان قوله مقدما على غيره، ومن قال بأنهم ثمانون أو مائة يحمل على المسرعين في إجابة نداء العباس، وهذا ما أرجحه في هذه المسألة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٤٤- ٤٤٥. ٢ في الأحاديث الآنفة الذكر، وانظر: منتخب كنز العمال ٤/١٦٧ مع مسند أحمد، والمستدرك للحاكم ٣/٢٧٤. ٣ الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٩.
[ ١٨٤ ]