كانت إصابات المسلمين في هذه الغزوة طفيفة رغم خطورة المعركة وشدة وطأتها وضخامتها، وهذه الإصابات تتمثل في جراحات لحقت بعضهم واستشهاد أربعة منهم كما تدل على ذلك الأحاديث الآتية:
١١٣- ما رواه البخاري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل١ رأيت بيد بن أبي أوفى ضربة قال: "ضربتها مع النبي ﷺ يوم حنين".
قلت: "شهدت حنينا؟ "
قال: "قبل٢ ذلك٣.
والحديث رواه الحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وابن سعد كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد.
ولفظه عند الحميدي: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "اعتمرن مع رسول الله ﷺ، فكنا نستره حين طاف من صبيان أهل مكة لا يؤذونه".
قال سفيان٤: "أراه في عمرة القضاء".
_________________
(١) ١ إسماعيل: هو ابن أبي خالد الأحمسي مولاهم. وابن أبي أوفى: هو عبد الله بن أبي أوفى. ٢ قوله: (قبل ذلك) قال ابن حجر: مراده بما قبل ذلك من قبل حنين من المشاهد، وأول مشاهده الحديبية فيما ذكره من صنف في الرجال، ووقفت في كتاب الجهاد من البخاري مايدل على أنه شهد الخندق (فتح الباري٨/٢٨وتهذيب التهذيب٦/١٥٢) وحديث البخاري المشار إليه أخرجه البخاري في ٤/٣٥ كتاب الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ولفظه عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله ابن أبي أوفى يقول: "دعا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب على المشركين فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم أهزم الأحزاب اللهم أهزمهم وزلزلهم". ٣ الصحيح ٥/١٢٦ كتاب المغازي، باب ويم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم. ٤ هو ابن عيينة.
[ ٢٤٢ ]
قال إسماعيل: "وأرانا ابن أبي أوفى ضربة مع رسول الله ﷺ يوم حنين" ١.
ورواه أحمد وفيه زيادة دعاء الرسول ﷺ على الأحزاب وفيه قال إسماعيل: "ورأيت بيده ضربة على ساعده فقلت: ما هذه؟ "
قال: "ضربتها يوم حنين، فقلت له أشهدت معه حنينا؟ "
قال: "نعم وقبل ذلك" ٢.
١١٤- ما رواه الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٣ بن أزهر قال: جرح خالد٤ بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ "
فخرجت أسعى بين يدي رسول الله ﷺ وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟
حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة فجلس رسول الله ﷺ عنده، ودعا له، وأرى٥ فيه: نفث عليه ٦.
_________________
(١) ١ الحميدي: المسند ٢/٣١٤ وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩١ ب وابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/٣٠١. ٢ المسند ٤/٣٥٥. ولفظ الحديث عند أحمد: عن إسماعيل عن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر النبي ﷺ فطاف باليت وطفنا معه وصلى خلف المقام وصلينا معه، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة ونحن معه نستره من أهل مكة لا يرميه أحد أو يصيبه أحد بشيء، قال: فدعا على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". قال: ورأيت بيده ضربة على ساعده. الحديث. ٣ عبد الرحمن بن أزهر الزهري، أبو جبير، المدني، ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقيل غير ذلك، صحابي صغير، شهد حنينا. قال ابن سعد: "وهو نحو ابن عباس في السن"، مات قبل الحرة / د س. (التقريب ١/٤٧٢، تهذيب التهذيب ٦/١٣٥-١٣٦) . ٤ خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة ٢١أو٢٢ / خ م د س ت. (التقريب ١/٢١٩ وتهذيب التهذيب ٣/١٢٤) . ٥ أرى: بضم الهمزة أي أظن. ٦ والنفث: شبيه بالنفخنه وهو أقل من النفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. (ابن الأثير: النهاية ٥/٨٨) . مسند الحميدي ٢/٣٩٨.
[ ٢٤٣ ]
والحديث صحيح وقد رواه أيضا عبد الرزاق وأحمد وأبو عوانة كلهم من طريق الزهري انه سمع عبد الرحمن بن أزهر يسأل عن رحل خالد بن الوليد. الحديث١.
وفي حديث أنس بن مالك عند البزار في وصف المعركة وفيه: "وكان رسول الله ﷺ على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغَرْزها٢، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذ شخص قد أقبل، فقال: إليك من أنت؟ "
قال: "أنا أبو بكر فداك أبي وأمي وبه بضعة عشر ضربة، ثم إذا شخص أقبل وبه بضعة عشر ضربة، فقال: إليك من أنت؟ "
فقال علي بن أبي طالب: "فداك أبي وأمي". الحديث٣.
هذا ما توصلت إليه من الإصابات التي لحقت بالمسلمين وأما الذين استشهدوا في حنين فقد ذكر ابن إسحاق إمام أهل المغازي والسير أربعة٤.
١١٥- حيث قال: "وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين، من قريش ثم من بني هاشم":
١- أيمن٥ بن عبيد.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٨٨ و٣٥٠ - ٣٥١، ومصنف عبد الرزاق ٥/٣٨٠-٣٨١ ومسند أبي عوانة ٤/٢٠٣. ٢ الغرز: بفتح أوله وسكون ثانية ثم زاي، هو ركاب البعير. (ابن حجر: هدي الساري ص ١٦٢) . ٣ تقدم الحديث مع الحكم برقم (٥٣) وسياقه بتمامه في مبحث "خسائر المشركين في هذه المعركة" ص ٢٢٤. ٤ وزاد ابن حجر في الإصابة ١/١٣ آبي اللحم الغفاري بأنه شهد حنينا وقتل بها بلا خلاف. ٥ أيمن بن عبيد عمرو بن بلال بن أبي الجرباء بن قيس بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وهو ابن أم أيمن حاضنة النبي ﷺ. قال الزرقاني: كذا نسبه إلى الخزرج ابن سعد وابن مندة، وأما أبو عمر بن عبد البر، فقال: الحبشي، وقد فرق ابن أبي خيثمة بين الحبشي وبين ابن أم أيمن وهو الصواب. فإن أيمن بن عبيد الحبشي أحد من جاء مع جعفر بن أبي طالب، قاله في الإصابة، والخزرجي أحد الثابتين في حنين (انظر: الطبقات الكبرى: لابن سعد٢/١٥٢ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٨٨ مع الإصابة وأسد الغابة لابن الأثير ١/١٨٩ والإصابة لابن حجر ١/٩٢ و٤/٤٣٢ وشرح المواهب للزرقاني ٣/٢٤) .
[ ٢٤٤ ]
ومن بنى أسد بن عبد العزى:
٢- يزيد١ بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. جمح به فرس يقال له الجناح٢ فقتل.
ومن الأنصار:
٣- سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان٣.
ومن الأشعريين:
٤- أبو عامر٤ الأشعري٥.
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد، ومن طريقة أخرجه الطبري٦، وخليفة بن الخياط٧ إلا أنه قال: سراقة بن "الحباب"، بدل سراقة بن "الحارث"٨.
وذكر الواقدي ما ذكره ابن إسحاق إلا أنه جعل الثاني "رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان".
_________________
(١) ١ وانظز: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٤٧-٦٤٨ مع الإصابة. وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٨٨ والإصابة لابن حجر: ٣/٦٥٥-٦٥٦. ٢ الجناح: بلفظ جناح الطائر. (الزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٤) . ٣ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٢٩، والإصابة لابن حجر ٢/١٨. ٤ اسمه عبيد بن سليم بن حضار، وهو عم أبي موسى الأشعري، وقيل عبيد بن وهب. (انظر: الاستيعاب٢/٣٧١-و٤/١٣٥ مع الإصابة، وأسد الغابة ٣/٣٦٧ و٥٤١ و٦/١٨٦-١٨٨ واللباب ١/٦٤ كلاهما لابن الأثير، والإصابة لابن حجر ٢/٣٥٩ و٤/١٢٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٤/١٠٥و٣٥٧) وانظر حديث (١١٨)، (١١٩) . ٥ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٩ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٣ وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤١، مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٨٩-١٩٠. ٦ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨١. ٧ تاريخ خليفة بن خياط ص ٨٨-٨٩. ٨ قال ابن الأثير: جعل أبو عمر بن عبد البر سراقة بن الحارث، وسراقة بن الحباب ترجمتين وجعلهما قتلا يوم حنين. وأما ابن مندة وأبو نعيم فلم يذكرا إلا سراقة بن الحباب، والحق معهما فإنهما واحد. وإنما عبد الملك بن هشام روى عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق فيمن قتل بحنين، فقال: سراقة بن الحارث، وروى يونس بن بكير عن إسحاق فقال: "سراقة بن الحباب، فالحق مع ابن مندة وأبي نعيم، هما واحد، فلوقالا: - يعني ابن مندة وأبا نعيم - وقيل: سراقة بن الحارث لكان حسنا وأما بأن يكونا اثنين فلا". قال ابن حجر: "وكذا نبه عليه ابن فرحون". (انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة إلا أن عنده سراقة بن أبي الحباب، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٢٩ والإصابة لابن حجر ٢/١٨) .
[ ٢٤٥ ]
وذكر يزيد بن زمعة فيمن استشهد بالطائف١.
هذا ما وقفت عليه في عدد شهداء المسلمين في غزوة حنين.
وبعض٢ الباحثين المعاصرين يستبعد ذلك ويرى أن قتلى المسلمين في هذه الغزوة يبلغون المئات، مستدلا بشدة المعركة وضراوتها وانهزام المسلمين في بداية المعركة أمام نبال قبائل هوازن التي صبت عليهم وادعي أن المؤرخين سجلوا ما نقله الرواة بأمانة لكن واقع المعركة وجودها يقتضي مزيدا من الضحايا، وأخذ يذكر أنه لا يوجد في عهد الرسول ﷺ قسم إداري يهتم بإحصاء عدد القتلى ويقدم بهم قوائم وفق النظام المتبع في الجيوش العصرية، ولا يوجد ديوان إحصاء للجند يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش الإسلامي، بحيث يمكن الرجوع إلى هذا السجل لمعرفة عدد الشهداء المفقودين، وأضاف أن الجيش الإسلامي مؤلف من قبائل متفرقة فلما انتهت المعركة عادوا إلى أماكنهم كل قبيلة تعرف شهداءها، وفات تسجيل ذلك على المؤرخين لأن الاهتمام بتدوين أخبار المغازي والحروب الإسلامية لم يكن إلا في أواسط القرن الثاني الهجري، فلا يتمكن العلماء في هذا الزمن المتأخر من الاتصال بأولئك البدو المتفرقين في جنبات الجزيرة.
هذه خلاصة أدلة هذا الباحث في استبعاد أن يكون شهداء المسلمين في هذه الغزوة أربعة فقط كما ذكر ذلك المؤرخون المختصون بذلك.
والظاهر أن ما ذكره من الأدلة غير مسلم به في جملته لأن فرار المسلمين أمام نبال هوازن لا يلزم منه كثرة القتل في المسلمين وإنما يلزم منه كثرة الإصابات من جراحات وغير ذلك، ولأن عدم وجود قسم إداري يهتم بالإحصاء وعدم وجود سجل يدون فيه عدد الجيش الإسلامي لا يلزم منه هذه المفارقات الكبيرة في تسجيل الأحداث، ذلك أنّ المؤرخين المختصين قالوا: إن عدد القتلى أربعة فقط وصاحب هذه
_________________
(١) (مغازي الواقدي ٣/٩٢٢، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٢، وهكذا ذكر الزبير بن بكار: يزيد بن زمعة في شهداء الطائف. انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٨٨) ٢ هو: محمّد أحمد باشميل. انظر: (كتابه: غزوة حنين، ص: ٣٥٥-٣٥٨) .
[ ٢٤٦ ]
الدعوى يقول عنهم يبلغون المئات والتوفيق في مثل هذه الحال بين هذين القولين محال، ولا يمكن أن يفوت على المسلمين مئات القتلى منهم دون أن يشيروا إلى ذلك، وهذا مخالف لما عرف عن المسلمين من الاهتمام بالشهداء، ومخالف لما هو معلوم مطرد في المعارك الأخرى من ذكر المسلمين لعدد شهدائهم، وهذا يبعد القول بأن الشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضًا ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضا ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء المعركة، ولأن القبائل على تفرقها تفتخر بشهيد المعركة وتسجيل له ذلك الموقف شعرا ونثرا، وأيضا فقد أحصى المسلمون عدد السبي والإبل والشاء مما غمنوه في هذه الموقعة، أفلا يحصون عدد شهدائهم؟
فعلينا أن ننتهي إلى ما انتهى إليه علماؤنا ولا نتعدى ذلك إلا بأدلة واضحة لا بمجرد الاستنتاج والتلمسات البعيدة.
[ ٢٤٧ ]