لقد عرف الأعراب بالجشع والحرص على أتفه متاع الدنيا مع الغلظة وشراسة الطبع والجفاء، لبعدهم عن مواطن الوعي الاجتماعي وتحررهم من قيود النظام وقوانين الحضارة الإنسانية، فالأعراب قوم من العرب يعيشون في البوادي ويتتبعون مواقع القطر وأماكن الخصب، ولا تجمعهم قرية ولا يحكمهم قانون ولا يخضعون لسلطان وقد سجل القرآن على هؤلاء الأعراب أشد الكفر والنفاق وأسوأ الجهل والفظاظة الأمر الذي يؤدي إلى كل تصرف وحشي وكل قول غليظ جاف.
قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . [سورة التوبة: آية ٩٧و٩٨] .
وتاريخ الأعراب في الجاهلية حافل بالهمجية والفوضى وما يتبع من تصرفات نادة عن الذوق والوعي والمسئولية.
والإسلام جاء ليستنقذ هؤلاء التعساء وغيرهم من الظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، وقد استمرت الدعوة الإسلامية في طريقها لتخليص هذه النفوس المأفونة من رق الكفر وأغلال الجاهلية فأقبل على هذه الدعوة المحمدية من علم الله فيه الخير فتحرر من تقاليد الجاهلية وانحرافها في الفكر والسلوك في العقيدة والعمل بيد أنّ كثيرًا من هؤلاء الجاهليّين ظل شاكًا في حقيقة الدعوة الإسلامية يتربص بها الدوائر يخرج مع المسلمين لا حبًا في نصر الدين وإنما للحصول على الغنائم ويبدوا أن فرار الأعراب يوم حنين لا يبعد أن يكون من دوافعه ريب في قلوبهم وشك في إيمانهم، على أنهم ليسوا على درجة واحدة في ذلك.
ومن الظواهر العجيبة التي تستحق التنبيه أن هؤلاء الأعراب كانوا أول من فر من ميدان القتال فصاروا سببا مباشرا في انكشاف المسلمين بادئ الأمر أمام جموع
[ ٣٦٧ ]
هوازن كما كانوا في نهاية المعركة أحرص الناس على الغنائم وأشدهم غلظة في القول يوضح ذلك الموقف المشار له في الأحاديث الآتية:
ما رواه مسلم وأحمد من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوى خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" الحديث١.
وما رواه البخاري وغيره من حديث جبير بن مطعم وهذا سياقه عند البخاري:
١٧٩- قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح٢ عن ابن شهاب قال: أخبرني عمر بن محمد ابن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنّه بينا هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقبلًا٣ من حنين علقت٤ رسول الله - ﷺ - الأعراب يسألونه حتى اضطروه٥ إلى
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٢ صالح: هو ابن كيسان. ٣ مقبلا: قال ابن حجر: منصوب على الحال، للكشمهيني: "مقفله من حنين" وهو بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء وباللام يعني: زمن رجوعه (فتح الباري ٦/٣٥ و٢٥٤) . قلت: وهو كذلك عند عبد الرزاق وأحمد وأبي يعلى والطبراني (مقفله من حنين) وعند الطبري "مقبله من حنين". ٤ علقت: بفتح العين وكسر اللام الخفيفة بعدها قاف - أي نشبوا وتعلقوا - قال ابن حجر: وفي رواية الكشميهيني: "فطفقت" وهو بوزنه ومعناه (فتح الباري ٦/٣٥، و٢٥٤ ولسان العرب ١٢/٩٥) . وعند البخاري أيضا "فعلقت الناس يسألونه" وعند عبد الرزاق وأحمد والطبراني "علقه الأعراب" وعند الطبري "عاقت رسول الله ﷺ الأعراب". ٥ اضطروه إلى سمرة: أي ألجؤه، والسمرة: بفتح المهملة وضم الميم، شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك صلبة لخشب، قاله ابن التين. وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح وقال الدوادي: السمرة هي العضاه. (فتح الباري ٦/٣٥ و٢٥٤ ولسان العرب ٦/٤٥) . وعند الطبراني: "حتى اضطره بسدرة خطفت رداءه". ذ
[ ٣٦٨ ]
سمرة فخطفت١ رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: "اعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه٢ نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا٣ ولا جبانا" ٤.
قال ابن حجر: "في هذا الحديث: ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان في النبي ﷺ من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا
_________________
(١) ١ قوله فخطفت رداءه: وعند عبد الرزاق وهو على راحلته. قال ابن حجر: "وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمر بن شبة (في كتاب مكة) حتى عدلوا بناقته عن طريق، فمرت بسمرات فانتهسن ظهره وانتزعن رداءه، فقال: "ناولني ردائي" فذكر نحو حديث جبير ابن مطعم وفيه "فنَزل ونزل الناس معه فأقبلت هوازن فقالوا: جئنا نستشفع بالمؤمنين إليك، ونستشفع بك إلى المؤمنين" فذكر القصة. (فتح الباري ٦/٢٥٤) . والزرقاني شرح المواهب ٣/٤٠ ووقع عنده (عمرو بن شبة) وصوابه (عمر) . ٢ والعضاه بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة، وفي آخرها هاء، يقرأ في الوصل وفي الوقف بالهاء. واختلف في واحدها فقيل: عضة - بفتحتين - مثل شفة وشفاه، والأصل عضهة وشهقة فحذفت الهاء، وقيل: واحدها عضاهة. قال القزاز: "العضاه: شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، ويدخل فيه السمر" (فتح الباري ٦/٢٥٤، ولسان العرب ١٧/٤١١) . ٣ وعند عبد الرزاق وأحمد وأبي يعلى والطبري والطبراني "ولا كذابا" قال الزرقاني: أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي تدل عليها الثلاثة، لأن كذوبا من صيغ المبالغة، وجبانا صفة مشبهة، وبخيلا يحتمل الأمرين. قال ابن المنير: "وفي جمعه ﷺ بين هذه الصفات اللطيفة لأنها متلازمة، وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأن الخلف إنما ينشأ من البخل". وقوله: "فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم: تنبيه بطريق الأولى لأنّه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال (ثم) هنا بعدما ما تقدم ذكره ليس مخالفا لمقتضاها، وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد (بثم) الدالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف، كأنه قال: أعلى من العطاء بما لا يتعارف أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم، كعطاء البخيل ونحو ذلك". (شرح المواهب اللدنية ٣/٤٠-٤١) والكندهلوي أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢١-٣٢٢. ٤ البخاري: الصحيح ٤/١٩ كتاب الجهاد، باب الشجاعة في الحرب والجبن ٤/٧٥ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه. وعبد الرزاق: المصنف ٥/٢٤٣. وأحمد: المسند ٤/٨٢-٨٤. وأبو يعلى: المسند ٦/٦٨٣ أرقم ٣٠٦. الطبري: تهذيب الآثار كما في كنز العمال ١٠/٣٥٧، ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٠، والمواهب اللدنية ١/١٦٧. والطبراني: المعجم الكبير ٢/١٣٤-١٣٦. أبو عبيد: كتاب الأموال ص ٣٥٤.
[ ٣٦٩ ]
يكون ذلك من الفخر المذموم، وفيه رضاء السائل للحق بالوعد إذا تحقق عن الواعد التنجيز، وفيه أن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب، وإن شاء بعد ذلك"١.
والحديث رواه الطبراني أيضا والطبري من طريق نافع٢ بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: وهو عند ثنية الأراكة٣ وهو يعطي حين فرغ من حنين، فاضطره الناس إلى سلمة ٤ فانتزع غصن من السلمة رداءه، فالتفت إلينا بوجهه مثل شقة القمر، فقال: "أعطوني ردائي فأعطيناه إياه، ثم قال: تخافون علي البخل، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي صواحي هذا الجبل لأعطيتكموه". وقال: "صوحا الجبل٥ جانبا مقادمه ومآخره"٦
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم" ٧.
١٨٠- وما رواه الطبري أيضا من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ عام حنين سأله الناس فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق شيء من ذلك، فقال: "فماذا تريدون أتريدون أن تبخلوني؟ فوالله ما أنا بخيل ولا جبان ولا كذوب، فجذبوا ثوبه حتى بدا منكبه فكأنما انظر حين بدا منكبه إلى شقة قمر من بياضه" ٨.
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح الباري ٦/٢٥٤، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٤١. ٢ نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، أبو محمد، أو أبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة (ت ١٩٩) /ع (التقريب ٢/٢٩٥، وتهذيب التهذيب ١٠/٤٠٤) . ٣ ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ١/١٣٥ قال: أراك بالفتح وآخره كاف: وهو وادي الأراك، قرب مكة ونقل عن الأصمعي أن أراك جبل لهذيل، وقيل هو موضع من نمرة، في موضع من عرفة. ٤ السلم: بفتحتين: نوع من العضاه (لسان العرب ١٥/١٨٨) . ٥ الصوح: بفتح الصاد وضمها: الجانب من الرأس والجبل، ووجه الجبل القائم كأنه حائط، وصوحا الوادي حائطاه. لسان العرب٣/٣٥٢،والقاموس المحيط١/٢٣٥) . ٦ كنْز العمال ١٠/٣٥٨ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٠ ونسبه للطبري في تهذيبه، وانظر المعجم الكبير للطبراني ٢/١٤٢. ٧ مجمع الزوائد ٨/٢٨٠. ٨ منتخب كنز العمال ٤/١٧١ مع مسند أحمد ونسبه لابن جرير الطبري وقال: سنده على شرط الشيخين.
[ ٣٧٠ ]
وكان سبب هذا الفعل الصادر من الأعراب وغيرهم هو ما صرح به حديث عمرو بن شعيب عند ابن إسحاق وغيره وهو أن رسول الله ﷺ لما رد على هوازن سبيهم خاف الناس أن يرد إليهم الأموال أيضا فطالبوا بقسم الأموال بإلحاح شديد١.
وهذا سياق الحديث عن ابن إسحاق:
قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فأمنن علينا من الله عليك، الحديث وفيه: "ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايًا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا" الحديث٢.
والحديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن الجارود والطبري والبيهقي، الجميع من طريق ابن إسحاق منهم المختصر ومنهم المطول، وقد صرح بالتحديث عند ابن الجارود والطبري والبيهقي، وكذا عند ابن هشام٣ فالحديث حسن لذاته٤.
وقد تابع ابن إسحاق على وصل هذا الحديث - يحيى٥ بن سعيد الأنصاري
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية: لابن كثير ٤/٣٥٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨-٤٩٠ و٤٩٢ والروض الأنف ٧/٢٤١-٢٤٣ و٢٤٥ و٢٧٩ -٢٨٠. ٣ أبو داود: السنن ٢/٥٧ كتاب الجهاد، باب في الفداء الأسير بالمال والنسائي: السنن ٦/٢٢٠ كتاب الهبة٧/١١٩كتاب قسم الفيء، وأحمد: المسند٢/١٨٤ و٢١٨ وابن الجارود: المنتقى ص:٣٦٢، والطبري: تاريخ الرسل والملوك٣/٨٦-٨٧و٨٩-٩٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٣٦-٣٣٧ و٧/١٧ و٩/٧٥ ودلائل النبوة ٣/٥٤-٥٥ ب أب. ٤ انظر الألباني: تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٦ وصحيح الجامع الصغير ٦/٢٨٠ وإرواء الغليل ٥/٣٦-٣٧ و٧٣-٧٤، وتقدم الحديث برقم (١٣٠) مع تراجم رواته، وسيأتي تحت رقم (٢٨٨) . ٥ ثقة ثبت تقدم في حديث (١٠٩) .
[ ٣٧١ ]
عند ابن أبي شيبة والطبراني، ومحمد١ بن عجلان وعمرو٢ بن دينار عند الطبراني والبيهقي الجميع عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده٣.
ورواه مالك عن عبد الرحمن٤ بن سعيد عن عمرو بن شعيب فأرسله ولفظه أن رسول الله ﷺ حين صدر من حنين، وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت به ناقته من شجرة، فتشبكت٥ بردائه، حتى نزعه عن ظهره، فقال رسول الله ﷺ: "ردوا علي ردائي أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم، والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا" الحديث ٦.
قال ابن عبد البر: "لا خلاف عن مالك في إرساله".
_________________
(١) ١ محمد بن عجلان المدني، صدوق، إلا أنه اختلط عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة (ت ١٤٨) خت م ع (التقريب ٢/١٩٠ وتهذيب التهذيب ٩/٣٤١) وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/٣١٧-٣٢٢. محمد بن عجلان: الإمام القدوة الصادق بقية الأعلام، وختم ترجمته بقوله: وقد ذكرت ابن عجلان في الميزان فحديثه إن لم يبلغ رتبة الصحيح فلا ينحط عن رتبة الحسن (انظر ميزان الاعتدال ٣/٦٤٤ وتذكرة الحفاظ ١/١٦٥. ٢ عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم ثقة ثبت من الرابعة (ت ١٢٦) / ع (التقريب ٢/٦٩ وتهذيب التهذيب ٨/٢٨-٣٠) . ٣ ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٧ أرقم ٦٦٥ والطبراني: كما في مجمع البحرين ٢/٢٣٥ و٢٤٤ رقم ٧٧ ومجمع الزوائد ٥/٣٣٨-٣٣٩ كلاهما للهيثمي. ٤ قال الألباني: "عبد الرحمن بن سعيد، هكذا لم أجد من ترجمه، لكن شيوخ مالك كلهم ثقات كما هو معلوم لدى العلماء بالرجال"، (إرواء الغليل ٥/٧٤) . وقال الكندهلوي: "إنما هو عبد ربه بن سعيد، هكذا في النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي بعضها عبد الرحمن بن سعيد وليس الصحيح، وهو عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري، أخو يحيى بن سعيد له في الموطأ مرفوعا ثلاثة أحاديث هذا ثانيها. وفي التقصي: له ثلاثة أحاديث، وذكر من جملتها هذا الحديث ولم يذكر عبد الرحمن بن سعيد في شيوخ مالك في الموطأ إهـ. (أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٠) . قلت: الأحاديث المشار إليها في "التقصي" هي في ص ١٠٥-١٠٦ من التقصي وهي برقم (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠) . وقد قرأت الموطأ بتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي من أوله إلى آخره فلم أجد مالكا روى عن عبد الرحمن بن سعيد وإنما وجدته روى عن عبد ربه بن سعيد خمسة أحاديث من جملتها حديث الباب، وهي في الموطأ١/٢٨٩-٢٩٠ و٢/٤٥٧ و٥١٤، و٥٧٤، و٥٨٩، وهي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الفلول، وكتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وكتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق العبد، وباب عدة المتوفى زوجها إذا كانت حاملًا، وكتاب الصيام، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا. وأرقامها: (و٦، و١٠ و٢٢ و٤٩ و٨٣) ذكر صاحب التقصي منها رقم (١٠ و٢٢ و٨٣) فقط وهي عنده رقم ٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ ولم يذكر حديث رقم (٦/٤٩) وهما في الموطأ ٢/٥١٤ و٢/٥٧٤ من كتاب الفرائض وكتاب الطلاق وانظر ترجمة عبد ربه بن سعيد في التقريب ١/٤٧٠ وتهذيب التهذيب ٦/١٢٦. ٥ تشبكت: أي نشبت (القاموس المحيط ٣/٣٠٨) . ٦ الموطأ ٢/٤٥٧.
[ ٣٧٢ ]
قال الكاند هلوي: "ووصله النسائي، قال الحافظ بإسناد حسن من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن جده. وأخرجه النسائي أيضًا بإسناد حسن من حديث عبادة، قاله الزرقاني. ثم قال: قلت: ووصله أبو داود أيضًا برواية حماد عن ابن إسحاق بهذا السند"١.
وأورد ابن كثير حديث ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثم قال: وهذا السياق يقتضي أنه ﵇ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة كما ذهب إليه محمد بن إسحاق بن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره٢.
ثم قال: "وفي صحيح البخاري من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله ﷺ: "معي من ترون واحب الحديث إليّ أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم" وكان رسول الله ﷺ انتظهرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبيّن لهم أنّ رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلاّ إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول يفيء الله علينا فليفعل".
فقال الناس: "قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: "إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا" فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن ٣ إلى أن قال: والمقصود من هذا
_________________
(١) ١ أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٠. وسنن النسائي ٦/٢٢٠ كتاب الهبة و٧/١١٩ كتاب قسم الفيء. وسنن أبي داود ٢/٥٧ كتاب الجهاد، باب في الفداء الأسير بالمال. ٢ انظر قول موسى بن عقبة عند البيهقي في دلائل ٣/٥٤ أ. وابن حجر: فتح الباري ٨/٣٣ وانظر ص (٤٣٦) تعليقة (٦) من مبحث قدوم وفد هوازن إلى الجعرانة. ٣ قال ابن حجر:" القائل: فهذا الذي بلغنا إلخ هو الزهري" (فتح الباري ٨/٣٤) وانظر الحديث في صحيح البخاري ٥/١٢٦ كتاب المغازي باب ويوم حنين وقد تقدم برقم (١٠٨) .
[ ٣٧٣ ]
أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الأعراب برسول الله ﷺ يقولون اقسم علينا فيئتنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاه نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه.
ثم قال: "كأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نسائهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها - ﵊ - بالجعرانة كما أمره الله عز وجل١.اهـ.
قلت: وقد وردت أحاديث غير هذا تدل على أن قدوم وفد هوازن، كان بعد قسم سبيهم بين المسلمين، كما سيأتي ذلك في قدوم وفد هوازن٢. والذي يهمنا هنا هو ما حصل من هؤلاء الأعراب وغيرهم من الطلقاء وغوغاء الناس الذين لم يكن همهم إلا الحصول على الغنيمة سواء أكان قدوم وفد هوازن بعد قسم نسائهم وأطفالهم على المسلمين، أم كان قدومهم قبل ذلك.
وهذه الأحاديث تدل على حلم رسول الله ﷺ وسعة صدره وصبره على عتاة الأعراب وغيرهم من ضعفاء الإيمان، ويزيد ذلك وضوحا ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
١٨١- كنت عند رسول الله ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة٣ ومعه بلال فأتى النبي ﷺ أعرابي٤ فقال: "ألا تنجز لي ما وعدتني" ٥.
_________________
(١) ١ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٥٤، ٣٥٥ وانظر فتح الباري ٨/٣٣، ٣٤. ٢ انظر ص ٤٣٥. ٣ قال ابن حجر: أنكر الدوادي: الشارح قوله: أن (الجعرانة) بين مكة والمدينة، وقال: إنما هي بين مكة والطائف، وكذا جزم النووي بان الجعرانة بين الطائف ومكة، وهو قول عياض والفاكهي. (فتح الباري ٨/٤٦) . ٤ وعند مسلم: "رجل أعرابي". ٥ وعند مسلم: "ألا تنجز لي يا محمد! ما وعدتني". قال ابن حجر: "يحتمل أن الوعد كان خاصا به، ويحتمل أن يكون عاما، وكان طلبه أن يعجل نصيبه من الغنيمة فإنه ﷺ، كان أمر أن تجمع غنائم حنين بالجعرانة، وتوجه هو بالعساكر إلى الطائف، فلما رجع منها قسم الغنائم حينئذ بالجعرانة فلهذا وقع في كثير ممن كان حديث عهد بالإسلام استبطاء الغنيمة واسنتجاز قسمتها ٠ فتح الباري٨/٤٦.
[ ٣٧٤ ]
فقال له: "أبشر، فقال، قد أكثرت علي من أبشر١. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: "رد البشرى٢، فاقبلا أنتما، قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح٣ فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وابشرا، فأخذ القدح ففعلا ٤، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة" ٥
قال النووي: "في الحديث: فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة - ﵃ -، وفيه استحباب البشارة واستحباب الازدحام فيما يتبرك به وطلبه ممن هو معه، والمشاركة فيه" ٦.
ومجموع ما مضى من الأحاديث صريح في الدلالة على ضعف إيمان هؤلاء الجشعين على غنائم حنين وعلى سوء أدبهم مع الرسول ﷺ في أقوالهم وأفعالهم، ويؤخذ منها أيضا أن هم هؤلاء هو المغنم لأنهم فروا في ميدان القتال وأصابهم الهلع والجشع بعد النهاية المعركة على الغنائم، وفي ذلك دلالة واضحة على أن نفوس هؤلاء الأعراب والطلقاء ونحوهم، ولم تتهذب بأخلاق الإسلام ولم ترسخ في نفوسهم العقيدة الإسلامية ويظهر أن كثيرا من هؤلاء حسن إسلامهم فيما بعد وأصبحوا جنودًا باسلة في صفوف الجيش الإسلامي، وقد كان لحكمة الرسول ﷺ وحلمه على هؤلاء وقسمه بينهم تلك الغنائم الهائلة أثر كبير في تحسن إسلامهم ورضا نفوسهم وإيقانهم بأن هذا الكرم العظيم الذي لا يقادر قدره لا يصدر إلا من رسول حق لا يخشى الفقر ولا يقيم لحطام الدنيا وزنا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أبشر: بهمزة قطع، أي بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل على الصبر (المصدر السابق ٨/٤٦) . وعند مسلم: "فقال له الأعرابي" ٢ عند مسلم: "إن هذا قد رد البشرى". ٣ القدح: بفتح القاف والدال- آنية للشرب تروي الرجلين، وقيل هو اسم يجمع صغارها وكبارها، والجمع أقداح. ومتخذها قداح، وصنعته القداحة. (لسان العرب لابن منظور٣/٣٨٨ والقاموس المحيط للفيروزآبادي ١/٢٤١، ومختار الصحاح لبي بكر الرازي ص ٥٢٣) . ٤ عند مسلم "ففعلا ما أمرها به رسول الله ﷺ فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما" قال ابن حجر: "أم سلمة هي: زوج النبي ﷺ وهي أم المؤمنين ولهذا قالت: لأمكما" (فتح الباري ٨/٤٦-٤٧) . ٥ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف و١/٤٢ كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة، ذكر طرفا منه، انظر فتح الباري ١/٢٩٥و٣٠٢و٨/٤٦، ومسلم: الصحيح ٤/١٩٤٣ كتاب الفضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين. ٦ النووي: شرح صحيح مسلم ٥/٣٦٧.
[ ٣٧٥ ]