كانت هذه السرية في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وكانت بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁.
وسببها أن هوازن لما انهزمت في حنين، ذهبت فرقة منهم، فيهم رئيس هوازن مالك بن عوف فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها١.
وسارت فرقة فعسكرت بأوطاس فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم أبا عامر الأشعري، وأمره على جمع من الصحابة فيهم أبو موسى الأشعري وسلمة بن الأكوع، والزبير بن العوام. توضح هذا الموقف الأحاديث الآتية:
ما رواه ابن إسحاق قال: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، فبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قِبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه ٢ القتال، فرمي
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وتاريخ الخميس للديار بكري ٢/١٠٧. ٢ تناوش القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح ولم يتدانوا كل التداني (لسان العرب لابن منظور ٨/٢٥٤) .
[ ٢٥٦ ]
أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه١ فقاتلهم ففتح الله على يديه وهزمهم، فيزعمون أن سلمة بن دريد هوالذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم، فأصاب ركبته فقتله، فقال:
إن تسألوا عني فإني سلمة ابن سماد ير لمن توسمه٢
أضرب بالسيف رؤوس المسلمة وسماد ير أمه ٣.
قال الألباني: "هكذا ذكره ابن إسحاق بدون إسناد وهو صحيح، ومعناه في البخاري وابن جرير من حديث أبي موسى الأشعري"٤.
قلت: "والحديث أخرجه أيضا مسلم وغيره وهذا سياقه عند البخاري":
١١٨- حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة٥ عن بريد٦ ابن عبد الله عن أبي بردة ٧ عن أبي موسى - ﵁ - قال: "لما فرغ٨ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل٩ دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي١٠ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم١١ من رماك؟ فأشار
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: كذا قال ابن إسحاق، والأشهر أن أبا عامر عم أبي موسى الأشعري (فتح الباري ٨/٤٢ و١١/١٣٧و١٤١) . ٢ توسمه: أي تفرس فيه (لسان العرب ١٦/١٢٣) . ٣ سيرة ابن هشام٢/٤٥٤ وانظر حديث رقم (١١٦) والطبري: تاريخ الرسل والملوك٣/٨٠ والواقدي: المغازي ٣/٩١٥ وابن سعد: الطبقات الكبرى: ٢/١٥١-١٥٢ وابن حزم: جوامع السيرة ص ٢٤١، والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٧٨ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨٠ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٣٧ و٣٣٨. وابن حجر فتح الباري ٨/٤٢ والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١٠٧، والزرقاني: شرح المواهب ٣/ ٢٤. ٤ تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص: ٤٢٥. ٥ هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم أبو أسامة الكوفي. ٦ بريد: بالموحدة والراء، ووقع في معاني الآثار ٣/٢٢٤: (يزيد) بالمثناة التحتية والزاي وكذا في الاستيعاب ٤/١٣٥ مع الإصابة وهو خطأ. ٧ قيل: اسمه عامر، وقيل الحارث، وقيل: اسمه كنيته. ٨ عند الطبري: لما قدم النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر الخ. ٩ تقدم الخلاف في قاتله نحن حديث رقم (٩٧) . ١٠ جشمي: بضم الجيم وفتح المعجمة، أي رجل من بني جشم. وعند مسلم وأبي يعلى والطبري: "رماه رجل من بني جشم". ١١ عند أبي يعلى: "فقلت: يا أبا عامر من رماك؟ ".
[ ٢٥٧ ]
إلى أبي موسى فقال: ذاك١ قاتلي الذي رماني، فقصدت له٢ فلحقته فلما رآني ولى٣ فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت، فكف٤، فاختلفنا٥ ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فانتزعته فنزا منه٦ الماء، قال: يا ابن أخي اقرئ ٧ النبي ﷺ السلام، وقل له استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته٨ على سرير مرمل٩ وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه،
_________________
(١) ١ عند مسلم وأبي يعلى والطبري: "إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني". ٢ عند مسلم وأبي يعلى والطبري: "قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته". ٣ في المصادر السابقة: فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعه "وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيا؟ ". ٤ عند الطبري: "فكر". ٥ وعند مسلم وأبي يعلى والطبري: فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين، فضربته بالسيف فقتلته. ٦ نزامنه الماء: هوبالنون والزاي، يقال نزف دمه، ونزِي إذا جرى ولم ينقطع، النهاية ٥/٤٣، قال ابن حجر قال المهلب: فيه جواز نزع السهم من البدن وإن كان في غبه الموت، وليس ذلك من الالتقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك، ومثله البط والكي وغير ذلك من الأمور التي يتداوى بها. وقال ابن المنير: "لعل البخاري ترجم (بنزع السهم من البدن) لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه، كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك، فبين هذه الترجمة أن هذا مما شرع" إهـ. ثم قال ابن حجر: "والذي قاله ابن المهلب أولى لأن حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد. والذي أبداه ابن المنير يتعلق بنزعه بعد الوفاة" (فتح الباري ٦/٨١) وانظر صحيح البخاري ٤/٢٨ كتاب الجهاد، باب "نزع السهم من البدن". ٧ وعند مسلم وأبي يعلى والطبري:يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. ٨ في المصادر السابقة "دخلت عليه وهو في بيت". ٩ مرمل: براء مهملة ثم ميم مثقلة، أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي تظفر بها الأسرة. قال النووي: "قوله (وعليه فراش) كذا وقع في صحيح البخاري ومسلم" فقال القابسي: "الذي أحفظه في غير هذا السند (عليه فراش) قال: وأظن لفظة: (ما) سقطت لبعض الرواة، وتابعه القاضي عياض وغيره على لفظة: (ما) ساقطة وأن الصواب إثباتها، قالوا: وقد جاء في حديث عمر بن الخطاب في تخيير النبي ﷺ أزواجه، فدخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه" إهـ. ونقل ابن حجر هذا الاعتراض ثم قال: "هو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر أنّ لا يكون على سريره دائما فراش إهـ. ونقل الزرقاني كلام ابن حجر ثم قال: لكن قال الشامي: يؤيد أبا الحسن – هو القابسي – قول أبي موسى قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه"إهـ. ثم قال الزرقاني: "وقد لا يؤيده لرقة الفراش فلا يمنع تأثير الرمال فالحاصل على هذا دفع دعوى الخطأ عن الرواية". (شرح مسلم ٥/٣٦٨، وفتح الباري ٨/٤٣ وشرح المواهب ٣/٢٦-٢٧) .
[ ٢٥٨ ]
فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ١ ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لعبيد٢ أبي عامر ورأيت بياض إبطه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من٣ الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا٤ كريما، قال أبو بردة٥: إحداهما٦ لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى٧.
والحديث أخرجه مسلم والنسائي والطبري وأبو يعلى والطحاوي، والبيهقي وابن عبد البر كلهم من طريق أبي أسامة به٨.
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "فصل ركعتين ثم قال: "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة! وأمر بتركة أبي عامر فدفعت إلى ابنه، قال: فقال أبو موسى: يا رسول الله إني أعلم أن الله قد غفر لأبي عامر، قتل شهيدا، فادع الله لي، فقال: "اللهم اغفر لأبي موسى واجعله في أعلى أمتي"، فيرون أن ذلك وقع يوم الحكمين (المغازي ٣/٩١٥) . قال النووي: "فيه استحباب الدعاء واستحباب رفع اليدين فيه، وأن الحديث الذي رواه أنس أنه لم يرفع يديه إلا في ثلاث مواطن، محمول على أنه لم يره، وإلاّ فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة فوق ثلاثين موطنا" شرح مسلم ٥/٣٦٨. وقال ابن حجر: "يستفاد منه استحباب التطهر لإرادة الدعاء، ورفع اليدين في الدعاء خلافا لمن خصه بالاستسقاء" (فتح الباري ٨/٤٣) ونقل السهيلي الخلاف في رفع اليدين في الدعاء وذكر حجة كل فريق ثم قال: ولكل شيء وجه، فمن كره، فإنما كره الإفراط في الرفع، كما كره رفع الصوت بالدعاء جدا، قال ﷺ: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا" (الروض الأنف ٧/٢١٦) . ٢ قوله: (لعبيد أبي عامر) قال الزّرقاني: "أبو عامر: بدل من عبيد، جمع بين اسمه وكنيته، وفي نسخ: لعبيدك: بزيادة كاف من تحريف الجهّال فالثابت في البخاري، بدون كاف وهو اسمه كما مر" (شرح المواهب ٣/٢٧) قلت: والحديث عند أحمد بلفظ "عبيدك" بإسناد ضعيف، وهو كذلك عند البلاذري وأبي يعلى، انظر ص ٢٦٠. ٣ عند مسلم: "فوق كثير من خلقك أومن النّاس". ٤ مدخلا: بضم الميم ويجوز فتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر (شرح المواهب ٣/٢٧) . ٥ قال ابن حجر: "هو موصول بالإسناد المذكور" (فتح الباري ٨/٤٣) . ٦ أي: إحدى الدعوتين. ٧ البخاري: الصحيح ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، ٤/٢٨ كتاب الجهاد، باب نزع السهم من البدن، باختصار و٨/٦٩ كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الوضوء، باختصار أيضا. وعلقه مختصرا جدا في ٨/٦١ باب قول الله وصل عليهم، و٨/٦٣ باب رفع الأيدي في الدعاء، من كتاب الدعوات. ٨ مسلم: الصحيح ٤/١٩٤٣ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى أبي عامر الأشعريين ﵄. والنسائي: السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي٦/٤٣٩ حديث (٩٠٤٦) . والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٩، وأبو يعلى: المسند ٦/٦٧٢ب رقم ٣٠٦، والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤، وابن عبد البر الاستيعاب ٤/١٣٥ (مع الإصابة) . والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٣٥، ٩/٥١ و٩١ ودلائل النبوة ٣/٤٦-٤٧.
[ ٢٥٩ ]
وروى الإمام أحمد والبلاذري وأبو يعلى الجميع من طريق الوليد١ ابن مسلم ثنا يحيى٢ بن عبد العزيز الأردني عن عبد الله٣ بن نعيم القيني قال: حدثني الضحاك٤ بن عبد الرحمن بن عزرب الأشعري أن أبا موسى حدثهم قال: لما هزم الله ﷿ هوازن بحنين عقد رسول الله ﷺ لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب فطلبهم فكنت فيمن طلبهم فأسرع به فرسه فأدرك ابن دريد بن الصمة فقتل أبا عامر وأخذ اللواء، وشددت على ابن دريد فقتلته وأخذت اللواء وانصرفت بالناس فلما رآني رسول الله ﷺ أحمل اللواء، قال: يا أبا موسى قتل أبو عامر؟.
قال: قلت نعم يا رسول الله، قال: فرأيت رسول الله ﷺ رفع يديه يدعو يقول: "اللهم عُبَيْدَك عُبَيْدَ أبا عامر اجعله من الأكثرين يوم القيامة" لفظ أحمد ٥.
والحديث فيه يحيى بن عبد العزيز الأردني، وقد قال فيه ابن حجر: مقبول، وعبد الله بن نعيم قال فيه: لين الحديث، وقد عرفت أن الذي ضعف عبد الله هو ابن معين، وقد فسر قوله بأنه ليس بمشهور، والطعن فيهما إنما هو لعدم شهرتهما ومثل هذين ونحوهما يرتفع حديثهم بالمتابعة ويشهد لهذا الحديث حديث الصحيحين.
١١٩ - وروى ابن سعد والروياني من طريق حماد بن سلمة عن عاصم٦ بن بهدلة عن أبي٧ وائل عن أبي موسى الأشعري أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اجعل عبيدا أبا عامر فوق أكثر الناس يوم القيامة"، فقتل يوم أوطاس فقتل أبو موسى قاتله.
_________________
(١) ١ الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية من الثامنة /ع (التقريب ٢/٣٣٦، تهذيب التهذيب ١١/١٥١-١٥٥) . ٢ يحيى بن عبد العزيز "مقبول" تقدمت ترجمته في حديث (٦٨) . ٣ عبد الله بن نعيم لين الحديث تقدمت ترجمته في حديث (٦٨) . ٤ الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ثقة تقدم في حديث (٦٨) وفي الاستيعاب ٤/١٣٥ مع الإصابة (الضحاك بن عبد الله بن عريب) وهو خطأ (انظر التقريب ١/٣٧٢-٣٧٣) . ٥ أحمد: المسند ٤/٣٩٩ والبلاذري: أنساب الأشراف ص ٣٦٦ وأبو يعلى: المسند ٦/٦٦٢-٦٦٣ ب- أرقم ٣٠٦ وانظر حديث (٦٨) . ٦ عاصم بن بهدلة – بمفتوحة وسكون هاء وإهمال دال مفتوحة – وهو ابن أبي النجود - بنون وجيم -، الأسدي - مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون من السادسة (ت ١٢٨) / ع، (التقريب ١/٣٨٣ وتهذيب التهذيب ٥/٣٨) . وساق الذهبي ترجمته ثم قال: هو حسن الحديث، وقال أحمد وأبو زرعة: ثقة (ميزان الاعتدال ٢/٣٥٧) . ٧ هو شقيق بن سلمة الأسدي: أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، (ت في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة) / ع (التقريب ١/٣٥٤، وتهذيب التهذيب ٤/٣٦١) .
[ ٢٦٠ ]
قال أبو وائل: "إني لأرجو أن لا يجتمع أبو موسى وقاتل عبيد في النار"١.
والحديث حسن لذاته وأصله في الصحيح.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه السرية التي خاضها الجيش الإسلامي بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁ وقد قتل شهيدا فيها، وقد حصل خلاف في قاتله، ففي صحيح البخاري أنه رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، وعند مسلم: "رماه رجل من بني جشم بسهم"، وقال ابن حجر: "واختلف في اسم هذا الجشمي فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة ابن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعري فقاتلهم ففتح الله عليه".
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم وهما أوفى٢ والعلاء ابنا الحارث، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري وعند ابن عائذ٣ والطبراني٤ في "الأوسط" من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن "لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث الله رسول الله ﷺ على الخيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته، وأخذت اللواء" الحديث.
فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق٥. إهـ. كلام ابن حجر.
قلت: "ونحوه عند أحمد والبلاذري وأبي يعلى من طريق الوليد بن مسلم كما تقدم"٦.
وساق ابن عبد البر حديث الوليد بن مسلم المشار إليه ثم قال: وقد قيل إن أبا
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/١١٥ والروياني مسند الصحابة ١/١١٢أرقم ٥٧٥. ٢ قال ابن حجر: وفي نسخة "وافى" بدل "أوفى". ٣ هو محمد بن عائذ: بتحتانية وإعجام ذال - الدمشقي، أبو أحمد صاحب المغازي، صدوق، رمي بالقدر، من العاشرة (ت٢٣٣) / د س (التقريب ٢/١٧٣ وتهذيب التهذيب ٩/٢٤١-٢٤٢ وميزان الاعتدال ٣/٥٨٩) . ٤ هو الحافظ الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ابن مطير اللخمي الشامي الطبراني، مسند الدنيا وصاحب المعاجم الثلاثة. (٢٦٠-٣٦٠-هـ) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢-٩١٧) . ٥ فتح الباري ٨/٤٢-٤٣ أي من أن قاتل أبي عامر هو ابن دريد. ٦ ص (٢٦٠) .
[ ٢٦١ ]
عامر قتل يومئذ تسعة مبارزة وأن العاشر ضربه فأثبته فحمل وبه رمق ثم قاتلهم أبو موسى فقتل قاتله، ورواية الوليد بن مسلم عندي أثبت.
وقد قيل أيضا في هذا الخبر أن دريد بن الصمة قتل أبا عامر وقتله أبو موسى الأشعري وذلك غلط وإنما كان ابن دريد، لا دريد، فقد ذكرنا قاتل دريد يوم حنين في غير هذا الموضع١. إهـ.
وقد قال ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق أن الذي قتله أبو موسى الأشعري هو سلمة بن دريد بن الصمة وهذا أشبه فإن دريد بن الصمة، إذا ذاك لم يكن ممن قاتل لكبر سنه"٢.
وأثر هشام الذي أشار إليه ابن حجر٣ هذا نصه:
١٢٠- قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: "اللهم أشهد عليه" فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل أبو عامر وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة٤ وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر، وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: "اللهم أشهد عليه"، فقال الرجل: "اللهم لا تشهد علي"، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله ﷺ إذا رآه قال: "هذا شريد أبي عامر"، ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، وبني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: الاستيعاب٢/٥٠٧-٥٠٨ و٤/١٣٥-١٣٦مع الإصابة وابن الأثير: أسد الغابة ٦/١٨٧. ٢ الإصابة ١/٥٠٧. ٣ انظر ص (٢٦١) . ٤ وعند ابن سعد: "فقتل أبو عامر منهم تسعة مبارزة ثم برز له العاشرة معلما بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبا عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة"، ودعا لأبي موسى أيضا. (الطبقات الكبرى ٢/١٥١-١٥٢ ومغازي الواقدي ٣/٩١٤-٩١٥) .
[ ٢٦٢ ]
فقتلاه، وولي الناس١ أبو موسى الأشعري فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم بن معاوية يرثيهما:
إن الرزية قتل العلاء وأوفى جميعا ولم يسندا ٢
هما القاتلان أبا عامر وقد كان ذا هبة ٣ أربدا٤
هما تركاه لدى معرك كأن على عطفه مجسدا ٥
فلم تر في الناس مثليهما أقل عثارا وأرمى يدا ٦
وقد نسب ابن حجر لابن إسحاق نحو هذا.
فقال: ذكر ابن إسحاق في المغازي أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين أخوة فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر فحمل عليه وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: "اللهم اشهد عليه"، فقال الرجل: "اللهم لا تشهد علي"، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم فقتله العاشر، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي ﷺ يسميه شريد٧ أبي عامر٨.
ثم عقب ابن حجر على هذا فقال: "وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبى عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله"٩.
_________________
(١) ١ قوله: "وولي الناس أبو موسى الأشعري" أي: أقروا ولايته على استخلافه عمه، كما في الصحيح أن أبا عامر استخلف أبا موسى، انظر ص ٢٥٨ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٥. ٢ لم يسندا: أي لم يدركا وبهما رمق فينسدا إلى ما يمسكهما. ٣ ذاهبة: يعني سيفا ذاهبة، وهبة السيف: اهتزازة. ٤ أربدا: الأربد: الذي فيه ربد، أي طرائق من جوهر. ٥ المعرك: موضع الحرب، والمجسد: الثوب المسبوغ بالجساد. وهو الزعفران. (القاموس المحيط ١/١٣٨ و٢٩٣ و٣٠٣ و٣/٣١٣) . ٦ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧ والروض الأ نف للسهيلي، ٧/١٨١ وقد نسب ابن كثير هذا لابن إسحاق، وهو خلاف ما في سيرة ابن هشام والروض الأنف (انظر البداية والنهاية ٤/٣٣٨) . ٧ شريد: بالراء، وفي فتح الباري (شهيد) قال الزرقاني: وقع في خط الحافظ ابن حجر بالهاء بدل (الراء) وهو سبق قلم، فالذي في سيرة ابن إسحاق التي هو ناقل عنها (بالراء) وهو الوجيه، وبالهاء لا وجه له (شرح المواهب ٣/٢٥) . ٨ وعلى هذا يكون لابن إسحاق في قاتل أبي عامر قولان: الأول أنه سلمة بن دريد وقد قتله أبو موسى، والثاني: أنه عاشر الإخوة، وقد أسلم بعد وحسن إسلامه. ٩ فتح الباري ٨/٤٣ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٥.
[ ٢٦٣ ]
قال الزرقاني: "وما ذكره ابن حجر عن ابن إسحاق انتقده الشامي١ وقال: بأن هذا ليس في رواية البكائي٢، وإنما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به، ولم يذكر أن العاشر قتل أبا عامر أصلًا بل قال رماه أخوان، والحافظ قلد القطب٣ الحلبي دون مراجعة السيرة".
قال الزرقاني: "وفيه أن اتفاق مثل هذين الحافظين٤ على نقله لا يتجه رده بما قال فإن رواة سيرة ابن هشام متعددون فهو قطعًا في رواية يونس الشيباني وإبراهيم بن سعد أو غيرهما عنه"٥. إهـ.
وبعد ذكر أقوال علماء المغازي والسير في قاتل أبي عامر، وهل أسلم أولم يسلم؛ لا يخلو الأمر من إشكال وتعارض؛ لأن بعض الروايات تقول: القاتل أخوان، وبعضها تذكر أن القاتل عاشر الإخوة الذين هاجموا أبا عامر، وبعضها - كما في الصحيح - تقول: إنه جشمي أو رجل من بني جشم، والذي ينبغي اعتماده في القاتل أنه هذا الجشمي الثابت ذكره في الصحيح، وقد ذكر اسمه في كتب السيرة أنه سلمة بن دريد، وهو جشمي. والصحيح أن القاتل لم يسلم، لأن أبا موسى قد قتله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، ولا شك أنّ ترجيح وتقديم ما ثبت في الصحاح وغيرها من كتب الحديث على ما تذكره كتب السير والتاريخ هو المنهج الأقوم، خاصة، إذا كان ما في الصحاح نصًا في محل النزاع كما هنا، فلا يعارض بأقوال محذوفة الأسانيد في كتب السيرة، وبذلك يزول الإشكال ونخلص من تلك الانتقادات والمناقشات التي أثارها الشامي والزرقاني وغيرهما. والله أعلم.
_________________
(١) ١ هو محمد بن يوسف الصالحي (ت: ٩٤٢) له كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد. (انظر معجم المؤلفين لكحالة ١٠/٦٣) . ٢ هو: زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري، البكائي – بفتح الموحدة وتشديد الكاف، أبو محمد الكوفي، صدوق، ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، من الثامنة ولم يثبت أن وكيعا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة (ت ١٨٣) خ م ت ق (التقريب ١/٢٦٨ وتهذيب التهذيب ٣/٣٧٥) . ٣ القطب الحلبي: هو عبد الكريم بن عبد النور بن منبر الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ أبوعلي الحلبي ثم المصري، مفتي الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات ولد سنة ٦٦٤ وتوفي سنة ٧٣٥) (أبو المحاسن الدمشقي ذيل تذكرة الحفاظ ص ١٣-١٥) . ٤ هما القطب الحلبي وابن حجر. ٥ شرح المواهب ٣/٢٥ و٢٦ و٢٧ وانظر: الديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١٠٧ و١٠٨.
[ ٢٦٤ ]