كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد الخروج إلى غزوة أو غيرها عين أميرا يقوم مقامه مدة غيابه يعلم الناس دينهم ويتفقد أحوالهم ويحل مشكلاتهم، وكانت طاعة الأمير واجبة بطاعة الله ﷿، وطاعة رسوله - ﷺ -.
لما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة﵁-:
٣٤- أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع١ أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني "٢.
_________________
(١) ١ وعند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة "ومن أطاع الأمير"، وعند مسلم "ومن يطع الأمير". قال ابن حجر: ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلًا فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده: توحيد الجواب في الأمرين. وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أن المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فتح الباري ١٣/١١٢) . (البخاري: الصحيح ٩/٥١ كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . ومسلم: الصحيح ٣/١٤٦٦ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله، وتحريمها في المعصية. والنسائي: ٧/١٣٨ كتاب البيعة، باب الترغيب في طاعة الإمام. وابن ماجة: السنن ٢/؟؟؟ كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام. وعبد الرزاق: المصنف ١١/٣٢٩. وأحمد: المسند ٢/٢٤٤، ٢٥٢، ٢٧٠، ٣١٣، ٣٤٢، ٤١٦، ٤٧١، ٥١١) .
[ ١٠٥ ]
فحين عزم الرسول - ﷺ - على الخروج إلى حنين، استخلف عتاب بن أسيد على من بقي من أهل مكة يرعى مصالحهم ويقضي حوائجهم. وقد جاءت في ذلك الآثار الآتية:
٣٥- ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة١، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله - ﷺ - ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله - ﷺ - عتاب٢ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس على مكة أميرا على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن" ٣.
والحديث فيه ثلاث علل:
أ- ضعف ابن حميد٤.
ب- عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
_________________
(١) ١ سلمة: هو الأبرش، تقدم في حديث (٣٢)، وتقدم ابن إسحاق في حديث (١) . ٢ عتاب - بتشديد التاء - و(أسيد) مكبرا، و(العيص) - بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية ثم صاد مهملة - ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي، الأموي، كان رجلا صالحا فاضلا نبيلا، أسلم يوم الفتح واستعمله رسول الله - ﷺ - على مكة لما سار إلى حنين، وحج بالناس في تلك السنة، وهي سنة ثمان للهجرة، ولم يزل واليا على مكة مدة حياة رسول الله - ﷺ -، ومدة خلافة أبي بكر الصديق، وكان عمره حين استعمل على مكة نيفا وعشرين سنة، وقيل: إن رسول الله - ﷺ - استعمله على مكة بعد رجوعه من حصار الطائف. ومات عتاب - ﵁ - يوم مات أبو بكر الصديق. (انظر ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٦، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١٥٣- ١٥٤ مع "الإصابة"، وابن الأثير أسد الغابة ٣/٥٥٦، وابن حجر: الإصابة ٢/٤٥١، والتقريب ٢/٣، وتهذيب التهذيب ٧/٨٩- ٩٠) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧) . ٤ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/١٥٦: محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠: محمد بن حميد من بحور العلم، وهو ضعيف، ونقل عن جماعة من النقاد أنهم رموه بالكذب.
[ ١٠٦ ]
جـ الإرسال١.
٣٦- ما رواه خليفة ابن خياط قال: حدثني علي٢ بن محمد، عن حماد٣ بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد٤ بن المسيب قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة سنة ثمان من مهاجره في شهر رمضان فأقام خمسة عشر يوما، ثم شخص٥، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد٦.
والحديث فيه علتان:
أ- ضعف علي بن زيد بن جدعان٧.
ب- الإرسال.
٣٧- ما رواه البخاري في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" عن حرمي٨ بن
_________________
(١) ١ فإن عبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن عمرو بن حزم، ذكره ابن حجر في تقريبه في الطبقة الخامسة، وهي طبقة صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. (التقريب ١/٥، ٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) . ٢ علي بن محمد أبو الحسن المدائني الأخباري صاحب التصانيف، اعتمده خليفة بن خياط فيما يتعلق بالمغازي. قال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار، قل ما له من الروايات المسندة، ووثقه يحيى بن معين (ت ٢٢٥) . (انظر: الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/١٥٣، وابن حجر: لسان الميزان ٤/٢٥٣، ومقدمة تاريخ خليفة بن خياط لأكرم العمري ص١٨- ١٩) . ٣ حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت البناني، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة (ت ١٦٧) . /خت م عم. (التقريب ١/١٩٧، وتهذيب التهذيب ٣/١١- ١٦) . ٤ سعيد بن المسيب بن حزن - بوزن سهل - أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. (ت بعد٩٠) وقد ناهزالثمانين./ع. (التقريب١/٣٠٥-٣٠٦،وتهذيب التهذيب٤/٨٤) . ٥ شخص: أي خرج. (النهاية لابن الأثير: ٢/٤٥٠- ٤٥١) . ٦ تاريخ خليفة بن خياط ص: ٨٧. ٧ انظر ترجمته في: التقريب ٢/٣٧، وتهذيب التهذيب ٧/٣٢٢. قال عنه في التقريب "ضعيف". ٨ حرمي - بحاء وراء مفتوحتين وياء مشددة بلفظ النسب - ابن حفص بن عمر العتكي-بفتح المهملة والمثناة - أبو علي البصري، ثقة من كبار العاشرة (ت٢٢٣) أو (٢٢٦) /خ د س. (التقريب١/١٥٩،وتهذيب التهذيب٢/٢٣٢،والمغني لابن طاهر الهندي ص٢١) .
[ ١٠٧ ]
حفص العتكي، ثنا خالد١ بن أبي عثمان، عن أيوب بن عبد الله بن يسار، عن عمرو٢ بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول:"والله ما أصبت في عملي هذا ممّا ولاني رسول الله - ﷺ - إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان" ٣.
ورواه أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن أبي عثمان الأموي به٤.
والحديث فيه: أيوب بن عبد الله بن يسار، سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم٥.
وقال ابن حجر: إسناده حسن٦.
٣٨- ما رواه الحاكم من طريق مصعب٧ بن عبد الله الزبيري قال: استعمل رسول الله - ﷺ - عتابًا على مكة، ومات رسول الله - ﷺ - وعتاب عامله على مكة، وتوفي عتاب بن أسيد بمكة في جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة٨.
والحديث معضل٩.
_________________
(١) ١ خالد بن أبي عثمان القرشي الأموي البصري، وهو أخو عبد الله بن أبي عثمان، وهو خالد مولى سيار الذي روى عنه شعبة، ثقة. (البخاري: التاريخ الكبير٣/١٦٣-١٦٤،وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٣/٣٤٥) . ٢ عمرو بن أبي عقرب، تابعي كبير مخضرم، سمع عتاب بن أسيد والي مكة، وعتاب مات بعد النبي - ﷺ - بسنتين فيكون لعمرو إدراك. ذكره سعيد بن يعقوب في الصحابة برواية موهومة تقتضي أن له صحبة. (ابن حجر: الإصابة ٣/١١٦، ١١٧، وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد٥/٤٥٧، والتاريخ الكبير للبخاري٦/٣٥٦، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٦/٢٥٢) . (التاريخ الكبير للبخاري ٧/٥٤، والمستدرك للحاكم ٣/٥٩٥) . (كتاب الأموال ص٣٨٢) . (البخاري: التاريخ الكبير١/٤١٩، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٢/٢٥١) . (الإصابة ٢/٤٥١) . ٧ مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله الزبيري، المدني، نزيل بغداد، صدوق عالم بالنسب، من العاشرة (ت ٢٣٦) /س ق. (التقريب ٢/٢٥٢، وتهذيب التهذيب ١٠/١٦٢- ١٦٤) . (المستدرك ٣/٥٩٤- ٥٩٥) . ٩ الحديث المعضل: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي. (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص١٢٩) .
[ ١٠٨ ]
وفي حديث أبي محذورة في قصة تعليمه الأذان، فقلت: يا رسول الله مرني باتأذين بمكة، فقال: "قد أمرتك به"، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله - ﷺ - بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله - ﷺ" ١.
وحسّنَ الألباني القدر الوارد من الحديث في تولية عتاب بن أسيد على مكة ثم ذكر شواهد لذلك٢.
والخلاصة: أن هذه الآثار الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على مكة عند الخروج إلى حنين على فرض أن كل أثر منها لا يخلو من مقال، لكنها تدل بمجموعها على أن لهذه القصة أصلًا.
والمعروف من هدي المصطفى - ﷺ - أنه كان إذا أراد الخروج إلى غزوة من الغزوات استخلف من يقوم مقامه حتى يرجع، والذي عليه إمام أهل المغازي والسير (ابن إسحاق) أن الذي استخلفه رسول الله - ﷺ - على مكة هو عتاب بن أسيد.
وتابعه في هذا جمهور العلماء من أهل السير والمغازي وغيرهم٣.
وذهب بعض العلماء إلى أن عتابا كان أميرا على مكة، وكان معاذ بن جبل معلما لأهلها٤.
ومسألة تولية عتاب بن أسيد أميرا على مكة متفق عليها تاريخيا فيؤخذ فيها بالروايات التاريخية وإن لم تنطبق عليها قواعد نقدة الحديث لأنه لا مناص لنا من الخذ بذلك، لأننا أمام أمرين:
إما رد هذه المريّات لضعف أسانيدها.
وإما الأخذ بها.
_________________
(١) ١ انظر تخريجه والحكم عليه برقم (٢٥٦) . ٢ تخريجه لأحاديث فقه السيرة لمحمد الغزالي ص٤٣٣. ٣ انظر: (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٠، وتاريخ خليفة بن خياط ص٨٨، ٩٧، وأنساب الأشراف للبلاذري ص٥٢٩، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٣، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/١١، وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٣٨، والكامل لابن الأثير ٢/١٧٨، وكتاب المعارف لابن قتيبة ص٧١، ١٢٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٩٧، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٦٨، والإصابة لابن حجر ٢/٤٥١، وبهجة المحافل للعامري ١/٤١٧، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦١) . (المستدرك للحاكم ٣/٢٧٠، وأسد الغابة لابن الأثير ٣/٢٥٦، وشرح ثلاثيات مسند أحمد للسفلريني ٢/٧٨) .
[ ١٠٩ ]
والأخذ بها هو الأولى في مثل هذه الحوادث التاريخية التي لا تتعلق بالعقائد والأحكام الشرعية، على أن مجموع الروايات يقوي بعضها بعضا، ولذلك حسّن الحديث ابن حجر لما له من الشواهد.
وحسّن الألباني القدر المتعلق بتولية عتاب أميرًا بالشواهد المقوية لذلك.
وأما ما عدا ذلك من قصة توليته وما حدث فيها فهو الذي يحسن الأخذ به من الناحية التاريخية وإن لم يقو سنده من الناحية الحديثية، وقد جرى العلماء منذ القديم على هذا المسلك. والله أعلم.
[ ١١٠ ]