مر بنا أن المشركين لما انهزموا في موقعة حنين وباءوا بالفشل، انسحبوا إثر ذلك فتوجه بعضهم نحو نخلة وأوطاس، وتوجهت أكثر ثقيف نحو الطائف ومعهم مالك بن عوف النصرى١، فدخلوا مدينة الطائف وكانت مدينة محصنة قوية ذات أسوار وحصون، ولها أبواب تغلق عليها، وأدخلوا فيها من الأقوات ما يكفيهم لسنة واستعدوا استعدادًا كاملًا وتهيأوا للقتال، ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين، سار إلى الطائف حتى نزل قريبا من أسوار المدينة وعسكر هناك، فصوب المشركون نبالهم نحو المسلمين كأنها رجل من جراد فأوقعوا بالمسلمين خسائر في الأرواح، فقرر رسول الله ﷺ الانسحاب بعيدا عن مرمى النبال وفكر المسلمون في وسيلة يستطيعون بها التغلب على ثقيف وإجبارهم على الاستسلام، ورأوا أن أحسن وسيلة في ذلك هي نصب المنجنيق٢ عليهم ودك حصونهم بالدبابات، وغير أن أهل الطائف أحبطوا تلك المحاولات التي قام بها المسلمون، إذ حموا قطعا من حديد بالنار وألقوها على الدبابات الخشبية فحرقتها، فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابات، فكان هذا مما زاد في جرأة ثقيف، وامتناعها عن الاستسلام، حتى أن بعضهم كان يقول:
نحن قسي وقسنا أبونا
والله لا نسلم ما حيينا. وقد بنينا حائطا حصينا.
وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم، فسارع المسلمون إلى ذلك وقطعوا قطعا ذريعا، حتى نادى الثقفيون يا محمد لم تقطع
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٥٢. ٢ انظر حديث (١٣٧) و(١٣٩) و(١٤١) .
[ ٣٠٠ ]
أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم، فقال رسول الله ﷺ: "فإني أدعها لله وللرحم" ١.
ثم حث المسلمين على الرمي في سبيل الله، ورغبهم في ذلك، فقال ﷺ: "من رمى بسهم في سبيل الله فله به درجة في الجنة" كما ورد ذلك في حديث أبي نجيح٢ السلمي عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٢- قال: حدثنا روح٣ قال ثنا هشام٤ بن أبي عبد الله عن قتادة٥ عن سالم٦ بن أبي الجعد عن معدان٧ بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع النبي صن الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة" قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله ﷿ فهو عدل محرر" الحديث ٨.
_________________
(١) ١ الأم: للشافعي ٧/٣٢٣ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/٤٧٨-٤٨٣، والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٣١-٢٣٤ ومغازي الواقدي ٣/٩٢٤-٩٢٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨ وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٧، والتلخيص الحبير لابن حجر ٤/١١٢ والرسول القائد لمحمود شيت خطاب ص ٢٥١. ٢ هو عمرو بن عبسة - بموحدة ومهملتين مفتوحات - ابن عامر بن خالد السلمي - من سليم بن منصور أبو نجيح - بالنون المفتوحة وكسر الجيم - صحابي مشهور أسلم قديما وهاجر بعد أحد - ثم نزل الشام/م ع (التقريب٢/٧٤، تهذيب التهذيب ٨/٦٩ والإصابة ٣/٥ كلها لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير ٤/٢٥١-٢٥٢) . ووقع في الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢١٤ في سياق نسب عمرو بن عبسة فقال ابن سليم بن (منظور) بالظاء المعجمة وهو خطأ والصواب ابن (منصور) بالصاد المهملة. ٣ روح بن عبادة بن العلاء، ثقة فاضل، التقريب ١/٢٥٣ وتهذيب التهذيب ٣/٢٩٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٤٩-٣٥٠) . ٤ هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة - أبو بكر البصري - واسم أبيه - سنبر - بمهملة ثم نون ثم موحدة، وزن جعفر - ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة (ت ١٥٤) / ع (المصادر السابقة ٢/٣١٩و١١/٤٣و١/١٦٤) وقد سقط من تهذيب التهذيب (علامة من أخرج له) . ٥ ابن دعامة السدوسي ثقة ثبت، تقدم في حديث (٤٨) . ٦ سالم بن أبي الجعد رافع، الغطفاني الأشجعي، مولاهم، الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرا من الثالثة، اختلف في سنة وفاته/ع (التقريب١/٢٧٩ وتهذيب التهذيب٣/٤٣٢) . ٧ معدان بن أبي طلحة ويقال: ابن طلحة، اليعمري - بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة - شامي، ثقة من الثانية / م ع (المصدر السابق ٢/٢٦٣، و١٠/٢٢٨) . ٨ المسند: ٤/١١٣ و٣٨٤ وتمام الحديث: "ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، وأيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها من عظام محررها من النار".
[ ٣٠١ ]
والحديث صحيح، وقد صرح قتادة بالتحديث عند البيهقي، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو داواد الطيالسي وابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من طريق قتادة به١.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السلمي.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، فإن أبا نجيح هذا: هو عمرو٢ بن عبسة السلمي. ووافقه الذهبي.
وأورده ابن كثير عن البيهقي ثم قال: "ورواه أبو داود والترمذي وصححه٣ والنسائي من حديث قتادة به"٤.
وكان من التعليمات العسكرية أن أمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي، أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج جماعة فأعتقهم رسول الله ﷺ، ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة وزاد من ألمهم٥.
وكان ذلك من أعظم التدابير العسكرية التي أضعفت من قوة المشركين وفتت في عضدهم ومعنوياتهم وفرقت جمعهم، توضح هذا الأحاديث الآتية:
_________________
(١) ١ أبو داود: ٢/٣٥٤-٣٥٥ كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل دون "من شاب شيبة في الإسلام". والترمذي: السنن ٣/٩٦ كتاب الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، بقصة "الرمي" فقط. والنسائي: السنن ٦/٢٣ كتاب الجهاد، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله ﷿، بقصة "الرمي" أيضا. وفي السنن الكبرى، بقصة "العتق" انظر تحفة الأشراف٨/١٦٣ حديث (١٠٧٦٨) . وأبو داود الطيالسي كما في منحة المعبود ٢/١٠٩-١١٠. وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص٢٩٤و٣٩٦دون"من شاب شيبة في الإسلام". والحاكم: المستدرك ٢/٩٥-٩٦و١٢١و ٣/٤٩-٥٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٦١ و١٠/٢٧٢ ودلائل النبوة ٣/ ٤٨أ. ٢ لعله احتراز من أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي فإنه لم يخرج له سوى الأربعة، انظر (التقريب ٢/١٧) . ٣ وقع في البداية والنهاية "رواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي" والظاهر أن العبارة هكذا: "رواه الترمذي وصححه والنسائي وأن حرف العطف سقط من "النسائي". لأن النسائي أخرج هذا الحديث في سننه ولم يصححه والذي صححه هو الترمذي. ٤ البداية والنهاية ٤/٣٤٩. ٥ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨-١٥٩.
[ ٣٠٢ ]
قال البخاري: حدثنا محمد١ بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا عثمان٢، قال سمعت سعدا٣ - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة٤ وكان تسور٥ حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبي ﷺ" الحديث٦.
والحديث أخرجه أحمد من طريق خالد الحذاء وعاصم الأحول، والدارمي من طريق عاصم عن أبي عثمان به.
ولفظ الدارمي: "هذا أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهذا تدلى من حصن الطائف إلى رسول الله ﷺ" الحديث٧.
١٤٤- قال البخاري: وقال هشام وأخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية٨ أو أبي عثمان النهدي قال: "سمعت سعدا أو أبا بكرة عن النبي ﷺ"، قال عاصم:
_________________
(١) ١ محمد بن بشار: هو بندار، وغندر هو محمد بن جعفر، وشعبة هو ابن الحجاج، وعاصم: ابن سليمان الأحول. ٢ هو عبد الرحمن بن مل - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النهدي - بفتح النون وسكون الهاء، مشهور بكنيته، مخضرم من كبار الثانية، ثقة ثبت عابد، (ت ٩٥) وقيل بعد ذلك وعاش (١٣٠) وقيل أكثر/ع التقريب ١/٤٩٩) . ٣ هو ابن مالك بن أبي وقاص، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (الإصابة ٢/٣٣ وأسد الغابة ٢/٣٦٦ وانظر سيرة ابن هشام ١/٥٩١، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٧ في كون سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله. ٤ هو نفيع بن الحارث بن كلدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفي، أبو بكرة صحابي مشهور بكنيته، تدلى من حصن الطائف إلى النبي ﷺ فأسلم فأعتقه يومئذ (التقريب ٢/٣٠٦وتهذيب التهذيب١٠/٤٦٩والإصابة٣/٥٧١-٥٧٢ وأسد الغابة ٥/٣٥٤ و٦/٣٨) . ٥ وعند الدارمي "تدلى من حصن الطائف" قال ابن حجر: "المعنى تسور من أسفله إلى أعلاه ثم تدلى منه (فتح الباري ٨/٤٦) . ٦ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف و٨/١٣١ كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه "وتمام الحديث" فقالا: سمعنا النبي ﷺ يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" واقتصر مسلم على هذا الجزء منه من حديث خالد الحذاء وعاصم الأحوال وكذا ابن ماجه من حديث عاصم (انظر: صحيح مسلم ١/٨٠ كتاب الإيمان باب بيان من رغب عن أبيه وهو يعلم، وابن ماجه٢/٨٧٠ كتاب الحدود، باب من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه. ٧ أحمد: المسند ١/١٦٩ و١٧٤ و١٧٩ و٥/٣٨ و٤٦، والدارمي: السنن ٢/١٦٠ كتاب السير، باب في الذي ينتمي إلى غير مواليه و٢/٢٤٨ كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، وعند خليفة بن خياط من طريق شعبة عن عاصم الأحوال عن أبي عثمان قال: "سبق أبو بكرة إلى رسول الله ﷺ من الطائف" (تاريخ خليفة ص ٨٩) . ٨ هو رفيع - بالتصغير - ابن مهران، أبو العالية، الرياحي - بكسر الراء وبالتحتانية (التقريب ١/٢٥٢ وتهذيب التهذيب ٣/٢٨٤) .
[ ٣٠٣ ]
قلت: "لقد شهد عندك١ رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف"٢.
قال ابن حجر: "هشام هو ابن يوسف الصنعاني، ولم يقع لي موصولا إليه.
وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن عن أبي عثمان وحده، عن أبي بكرة وحده، وبغير شك، وغرض المصنف منه، ما فيه من بيان من أبهم في الرواية الأولى فإن فيها "تسور من حصن الطائف، في أناس" وفي هذا "فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف".
ثم قال: "وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شيء قاله موسى بن عقبة وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بين القولين، بأن أبا بكرة نزل وحده أولا، ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن"٣.
قلت: حديث عبد الرزاق المشار إليه هذا سياقه:
_________________
(١) ١ الخطاب لأبي عثمان أو لأبي العالية، وعند أبي داود قال عاصم: فقلت: "يا أبا عثمان لقد شهد عندك رجلان أيما رجلين" انظر: ص ٣٠٥. قال ابن حجر: "وقد وقع في رواية هشيم عن خالد الحذاء عند مسلم في أول هذا الحديث قصة ولفظه: "عن أبي عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو ويعلم فالجنة عليه حرام". فقال أبو بكرة: "وأنا سمعته من رسول الله ﷺ "والمراد بزياد الذي ادعى: زياد بن سمية وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة، فزوجها لمولاه عبيد فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر وكان بليغا فأعجبه فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة كان زياد على فارس من قبل عليّ بن أبي طالب، وأراد معاوية مداراته، فأطمعه في أنه يلحقه بأبي سفيان فأصغى زياد إلى ذلك فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية وأمَّره على البصرة ثم على الكوفة وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية، محتجين بحديث "الولد للفراش" وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار لأن زيادا كان أخاه من أمه، وقد نصح أبو بكرة زيادا عن هذا الادعاء فامتنع فحلف أبو بكرة لا يكلم زيادًا أبدًا، قال السهيلي: وقد غلط ابن قتيبة فجعل سمية هذه المذكورة أم عمار بن ياسر، ثم قال: سمية أم عمار كانت تحت ياسر أبي عمار وقتلها أبو جهل في أوّل المبعث". (ابن حجر: فتح الباري ١٢/٥٤ والإصابة ١/٥٨٠ و٣/٥٧١ وابن عبد البر: الاستيعاب ١/٥٦٧ و٣/٥٦٧ و٤/٢٣ مع الإصابة والروض الأنف: ٧/٢٧٥ وكتاب المعارف لابن قتيبة ص ١١١-١١٢ و١٢٥ و١٥١. ٢ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف. ٣ ابن حجر: فتح الباري ٨/٤٦.
[ ٣٠٤ ]
قال عبد الرزاق: عن معمر عن عاصم بن سليمان قال: حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي بكرة: "أنه خرج إلى رسول الله ﷺ - وهو محاصر أهل الطائف - بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ، فهم الذين يقال لهم العتقاء" ١.
وعند أبي داود قال عاصم: قلت: يا أبا عثمان لقد شهد عند رجلان أيما رجلين؟ فقال: أما أحدهما فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإسلام - يعنى سعد بن مالك - والآخر قدم من الطائف في بضعة٢ وعشرين رجلا على أقدامهم"الحديث٣.
وقد جاء عند ابن إسحاق تسمية بعضهم من مرسل عبد الله بن مكرم الثقفي وهذا سياقه:
١٤٥- قال ابن إسحاق حدثني عبد الله ٤ بن مكرم الثقفي قال: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبد الحارث بن كلدة، والمنبعث٥ وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ المصنف٥/٣٠١. وفي مسند أحمد ٤/٣٦٣ عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: "والمهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" وفيه شريك بن عبد الله القاضي، صدوق يخطئ كثيرا. ٢ وعند الواقدي وابن سعد: فخرج منهم بضعة عشر رجلا (مغازي الواقدي: ٣/٩٣١ وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩) . ٣ سنن أبي داود ٢/٦٢٣ كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه. وسياق الحديث: حدثنا النفيل أخبرنا زهير أخبرنا عاصم الأحول حدثني أبو عثمان قال: حدثني سعد بن مالك قال سمعته أذناني ووعاه قلبي من محمد ﷺ أنه قال: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام"، قال: فلقيت أبا بكرة فذكرت ذلك له، فقال: سمعته أذاني ووعاه قلبي من محمد ﷺ، قال عاصم: فقلت: يا أبا عثمان لقد شهد عندك رجلان. إلخ. ٤ عبد الله بن مكرم الثقفي روى عن عبد الله بن قارب، وعنه ابن إسحاق قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك (الجرح والتعديل ٥/١٨١)، البخاري: التاريخ الكبير ٥/٢١١، وفي سيرة ابن هشام، الروض الأنف، والسنن الكبرى للبيهقي "عبد الله ابن مكدم" بالدال المهملة بدل (الراء) وعند السهيلي ٧/٢٣٨ قال ابن إسحاق حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن مكدم. ٥ المنبعث - بمضمومة وسكون نون وفتح موحدة، وكسر عين مهملة، وبمثلثة - كان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب، نزل على رسول الله ﷺ حين كان محاصرا الطائف وأسلم (أسد الغابة لابن الأثير ٥/٢٦٢) والإصابة لابن حجر ٣/٤٥٧-٣٥٨ والمغني لابن طاهر الهندي ص ٧٥ وفي هذا الحديث استحباب تغيير الاسم إلى ما هو أحسن منه، وكان ذلك من هدي رسول الله ﷺ فقد روى البخاري من حديث سعيد بن المسيب أن جده حزنا قدم على النبي ﷺ، فقال: "ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي"، قال: قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد. "صحيح البخاري٨/٣٧ كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه" وأخرجه أبو داود في سننه ٢/٥٨٦ كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح ولفظه عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال له: "ما اسمك"؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن، قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة" وجاء في غزوة حنين أيضا من حديث رائطة بنت مسلم عن أبيها أنه شهد مع رسول الله ﷺ حنينا فقال له: "ما اسمك؟ قال: غراب، قال: لا، بل اسمك مسلم"، (البخاري: الأدب المفرد ص ٢٨٧ والتاريخ الكبير ٧/٢٥٢ وابن سعد ٥/٤٦٢) . وابن حجر: الإصابة ٣/٤١٧ وإسناده ضعيف. قال الدميري في حياة الحيوان ٢/١٠٥: "وإنما غير النبي ﷺ اسمه لأن الغراب حيوان خبيث الفعل، خبيث المطعم، ولذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله في الحل والحرم".
[ ٣٠٥ ]
المنبعث ويحنس١ ووردان٢ في رهط من رقيقهم فأسلموا فلماقدم وفد أهل الطائف، فأسلموا، قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك؟ قال: "لا، أولئك عتقاء الله" ورد على ذلك الرجل ولاء عبده، فجعله له" ٣.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق إلا أنه قال: "فلما قدم وفد أهل الطائف على رسول الله ﷺ فأسلموا، قالوا يا رسول الله: رد علينا رقيقنا الذين أتوك فقال: "لا، أولئك عتقاء الله ﷿ ورد على كلّ رجل ولاء عبده فجعله إليه"٤.
_________________
(١) ١ يحنس - بضم التحتية وفتح المهملة والنون المشددة وسين مهملة - النبال كان عبد اليسار بن مالك. (أسد الغابة ٥/٤٦٩ وشرح المواهب ٣/٣٢) . ٢ وردان: هو جد الفرات بن زيد بن وردان، وكان وردان عبدا لعبد الله بن ربيعة بن خرشة الثقفي (أسد الغابة ٥/٤٤٥) . وزاد الواقدي: الأزرق بن عقبة أبو عقبة الثقفي كان عبدا لكلدة الثقفي من بني مالك، وقيل كان عبدا للحارث بن كلدة طبيب العرب، إبراهيم بن جابر كان عبدا لخرشة الثقفي، ويسار، كان عبدا لعثمان بن عبد الله ونافع أبو السائب كان عبدا لغيلان بن سلمة الثقفي، فأسلم غيلان بعد فرد النبي ﷺ إليه ولاءه، ومرزوق غلام لعثمان بن عامر، وزاد ابن حجر: "الأزرق زوج سمية والدة زياد بن عبيد الذي صار يقال له زياد بن أبيه، ونافع مولى الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب"، قال ابن حجر ويقال: "كان فيهم زياد بن سمية، والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره، ثم قال: ولم أعرف أسماء الباقين"، وقال الواقدي: "كل هؤلاء أعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص والأزرق إلى خالد بن سعيد، ووردان إلى أبان بن سعيد، ويحنس النبال إلى عثمان بن عفان، وكان يسار بن مالك إلى سعد ابن عبادة، وإبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير، أمرهم رسول الله ﷺ أن يقرئوهم القرآن ويعلموهم السنن، فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين - فيهم الحارث بن كلدة - يردوهم في الرق، فقال رسول الله ﷺ: "أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم، وبلغ ذلك من اهل الطائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم". وعند السهيلي: "وجعل النبي ﷺ هؤلاء العبيد لساداتهم حين أسلموا" (مغازي الواقدي ٣/٩٣١-٩٣٢ وفتح الباري ٨/٤٥-٤٦) . ٣ الزيلعي: نصب الراية ٣/٢٨٢ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٨ واللفظ له. ٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٩ و١٠/٣٠٨ ودلائل النبوة ٣/٤٨ أ.
[ ٣٠٦ ]
ثم قال: "هذا منقطع"١.
وهكذا قال السهيلي: "بأن رسول الله ﷺ رد ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا، وقال: كل هذا ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام"٢.
والحديث في سيرة ابن هشام والروض الأنف وليس فيه أن رسول الله ﷺ رد على أهل الطائف ولاء عبيدهم، وهذا نصه:
قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مكرم عن رجال من ثقيف، قالوا: لما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله ﷺ: "لا، أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة" ٣.
ثم قال ابن هشام: "وقد سمى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد، وكذا أورد ابن حجر في ترجمته الحارث بن كلدة"٤.
ما رواه أحمد وغيره من حديث ابن عباس وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٦- قال: حدثنا أبو معاوية٥ ثنا حجاج٦ عن الحكم٧ عن مقسم٨ عن
_________________
(١) ١ المراد بالمنقطع هنا المرسل كما صرح بذلك الزيلعي، لأن المنقطع أعم من المرسل فيشمل كل ما لم يتصل إسناده عند العلماء. ٢ الروض الأنف ٧/٢٧٤-٢٧٥. ٣ يفهم من هذا أن ابن إسحاق لا يروي عن ابن مكرم مباشرة. ٤ سيرة ابن هشام٢/٤٨٥، والروض الانف ٧/٢٣٨،و٢٧٤-٢٧٦، والإصابة١/٢٩، ٢٨٨ و٣/٤٥٨، و٦٣٣، و٦٤٩، ومغازي الواقدي٣/٩٣١، وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩ وأسد الغابة ١/٤١٣ و٥/٢٦٢ و٤٤٥، ٤٦٩، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٣١-٣٢ والديار بكري: تاريخ الحميس ٢/١١١) . ٥ هو محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي عمي وهو صغير ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره من كبار التاسعة (ت١٩٥) /ع (التقريب ١/١٥٧ وتهذيب التهذيب ٩/١٣٧) . ٦ حجاج بن أرطأة - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هبيرة النخعي أبو أرطأة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس من السابعة (ت ١٤٥) / بخ م عم (التقريب ١/١٥٢ وتهذيب التهذيب ٢/١٩٦) . وقال الذهبي: "وأكثر مانقم عليه التدليس، وكان فيه تيه لا يليق بأهل العلم، وكان يقول: أهلكني حب الشرف" (ميزان الاعتدال ١/٤٥٨-٤٦٠، وتذكرة الحفاظ ١/١٨٦) . ووقع في ميزان الاعتدال ذكر علامة النسائي بعد علامة الأربعة وهو خطأ لأن النسائي داخل في الأربعة. ٧ الحكم هو ابن عتيبة ثقة، ثبت، فقيه، تقدمت ترجمته في حديث (٧٣) . ٨ مقسم هو ابن بجرة أو ابن نجدة، صدوق وكان يرسل، تقدم في حديث (٧٥) .
[ ٣٠٧ ]
ابن عباس ﵄ قال: "أعتق رسول الله يوم الطائف من خرج من عبيد المشركين" ١. ورواه عن يحيى٢ بن زكريا ثنا حجاج به.
ولفظه: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أعتق من رقيقهم". ورواه عن يزيد بن هارون ثنا الحجاج به.
ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من البعيد قبل مواليهم إذا أسلموا٣ وقد أعتق يوم الطائف رجلين". رورواه عن عبد القدوس٤ بن بكير بن خنيس ثنا الحجاج به.
ولفظه: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج إليه عبدان فأعتقها٥، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه". ورواه عن نصر٦ بن باب عن الحجاج به.
ولفظه: "قال رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ٧.
والحديث رواه سعيد٨ بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وخليفة بن خياط
_________________
(١) ١ أحمد: المسند١/٢٢٣-٢٢٤ و٣٤٩ و٣٦٢. ٢ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون الميم - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة (ت١٨٣أو١٨٤) /ع (التقريب٢/٣٤٧ وتهذيب التهذيب١١/٢٠٨) . ٣ وعند سعيد بن منصور "كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم" ولم يذكر إسلاما. (زاد المعاد لابن القيم الجوزية ٣/٥٠٣) . ٤ عبد القدوس بن بكير بن خنيس - بمعجمة ونون مصغرا - الكوفي أبو الجهم قال أبو حاتم: لا بأس به، من التاسعة / ت ق (التقريب ١/٥١٥، وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩ وميزان الاعتدال ٢/٦٤٢. وسقط من مسند أحمد كلمة (عبد) فصار حدثنا القدوس وهو خطأ. ٥ وعند البيهقي "أن عبدين خرجا من الطائف فأسلما فأعتقهما رسول الله ﷺ أحدهما أبو بكرة"، (السنن الكبرى ٩/٢٣٠) . ٦ نصر بن باب الخراساني أبو السهل المروزي، نزل بغداد تركه جماعة (ت ١٩٣) تعجيل المنفعة لابن حجر ص ٢٧٥، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٣/٢٧٨ وميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٥٠. ٧ مسند أحمد ١/٢٣٦ و٢٤٣ و٢٤٨. ٨ سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به (ت ٢٢٧) وقيل بعدها /ع (التقريب ١/٣٠٦، وتهذيب التهذيب ٤/٨٩) .
[ ٣٠٨ ]
والدارمي وأبو يعلى والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن مقسم به١. بألفاظ مختلفة.
ومدار الحديث على الحجاج وهو مدلس، وقد عنعن وبقية رجاله ثقات.
وأروده الهيثمي وقال: "رواه أحمد والطبراني باختصار وفيه الحجاج ابن أرطأة وهو ثقة، ولكنه مدلس"٢.
١٤٧- ما رواه أحمد وابن سعد والطحاوي من حديث عامر الشعبي وهذا سياقه عند أحمد:
قال: حدثنا يحيى٣ بن آدم ثنا مفضل٤ بن مهلهل عن المغيرة٥ عن شباك٦ عن الشعبي٧ عن رجل٨ من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا". الحديث.
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٥٠٣ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٦٠، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥، ٨٦ ب برقم ٦٦٥ وكنز العمال ١٠/٣٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٣ مع المسند أحمد كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي وخليفة بن خياط: تاريخ خليفة ص ٨٩. والدارمي: السنن ٢/١٥٥ كتاب السير، باب في عبيد المشركين يفرون إلى المسلمين، وأبو يعلى: المسند ٣/٢٥٣ أرقم ٣٠٣. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٧٨. والطبراني: المعجم الكبير١١/٣٨٧و٣٩٠،والبيهقي: السنن الكبرى٩/٢٢٩-٢٣٠. ٢ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥. ٣ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة (ت ٢٠٣) / ع (التقريب ٢/٣٤١ وتهذيب التهذيب ١١/١٧٥) . ٤ مفضل بن مهلهل، السعدي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت، نبيل عابد، من السابعة (ت ١٦٧) / م س ق (التقريب ٢/٢٧١، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٧٥) . ٥ مغيرة بن مقسم - بكسر الميم - الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي، الأعمى ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس، ولا سيما عن إبراهيم النخعي من السابعة (ت ١٣٦) على الصحيح / ع (التقريب ٢/٢٧٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٧٥) . ٦ شباك - بكسر أوله ثم موحدة خفيفة ثم كاف - الضبي الكوفي، الأعمى ثقة، له ذكر في صحيح مسلم، وكان يدلس، من السادسة، / م د س ق (التقريب ١/٣٤٥ وتهذيب التهذيب ٤/٣٠٢) . ٧ هو عامر بن شراحيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. (ت بعد ١٠٠) / ع التقريب ١/٣٨٧ وتهذيب التهذيب ٥/٦٥) . ٨ قوله عن (رجل) هذا الإبهام لا يضر لأنه صحابي كما هو الظاهر من سياق الحديث، والصحابة كلهم عدول وعند ابن سعد: "أن ثقيفا سألوا رسول الله ﷺ.
[ ٣٠٩ ]
وفيه: "وسألناه أن يرد أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله".
وكان أبو بكرة خرج إلى رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم ١.
ورواه عن علي٢ بن عاصم أخبرنا مغيرة عن شباك عن عامر أخبرني فلان الثقفي قال: "سألنا رسول الله ﷺ عن ثلاث فلم يرخص لنا" الحديث وفيه "سألناه أن يرد إلينا أبا بكرة وكان مملوكا وأسلم قبلنا، فقال: لا، هو طليق الله ثم طليق رسول الله ﷺ".
ورواه عن الوركاني٣ ثنا أبو الأحوص٤ عن مغيرة بن شباك عن الشعبي عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ.
ثم قال: "نحوه ولم يسق لفظه"٥. والحديث رواه ابن سعد والطحاوي كلاهما من طريق مغيرة عن شباك عن الشعبي به ٦.
غير أن ابن سعد ساقه بسندين أسقط الشعبي في أحدهما.
وأورده الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات ٧.
١٤٨- حديث أبي بكرة ﵁ أنه خرج إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر الطائف بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ وهم الذين يقال لهم عتقاء".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح"٨.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/١٦٨ ونص الحديث "عن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا: فقلنا: إن أرضنا أرض باردة فسألناه أن يرخص لنا في الطهور فلم يرخص لنا، وسألناه أن يرخص لنا في الدياء فلم يرخص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى، وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله". وكان أبو بكرة خرج إلى رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم. ٢ علي بن عاصم بن صهيب، صدوق تقدم في حديث (٩٧) . ٣ هو محمد بن جعفر بن زياد الوركاني - بفتحتين - أبو عمران الخراساني نزيل بغداد، ثقة من العاشرة (ت ٢٢٨) /م د س (التقريب ٢/١٥٠ وتهذيب التهذيب ٩/٩٣-٩٤ وتاريخ بغداد٢/١١٦-١١٧. ٤ أبو الأحوص: هو سلام بن سليم الحنفي ثقة متقن تقدم في حديث (٢٦) . ٥ مسند أحمد ٤/١٦٨ و٣١٠. ٦ ابن سعد: الطبقات الكبرى ٧/١٥و١٦. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٧٨. ٧ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥. ٨ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥.
[ ٣١٠ ]
١٤٩- حديث غيلان بن سلمة الثقفي أن نافعا١ كان عبدا لغيلان ففر إلى رسول الله ﷺ وغيلان مشرك، فأسلم غيلان فرد رسول الله ﷺ عليه ولاءه".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات"٢.
١٥٠- ما واه أبو داود من مرسل عبد ربه٣ بن الحكم ولفظه: "أن النبي ﷺ لما حاصر أهل الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله ﷺ، فلما أسلم مواليهم بعد ذلك رد رسول الله ﷺ الولاء - يعني إليهم" ٤.
١٥١- حديث ابن عباس ﵄ من طريق أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عنه قال: "لما نزل النبي ﷺ الطائف أمر مناديا فنادى "أيما عبد خرج فهو حر". فخرج إليه عبدان فأعتقهما" ٥.
قال الهيثمي: رواه الطبراني: "وفيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة وهو متروك"٦.
١٥٢- حديث أبي أمامة٧ - ﵁ - قال: "تدلى عبد من حصن الطائف فجاءه مولاه، فقال يا رسول الله رد علي غلامي، فقال: إن العبد إذا أسلم قبل مولاه لم يرد إليه، وإذا أسلم المولى ثم أسلم العبد دفع إليه" ٨.
_________________
(١) ١ هو نافع أبو السائب مولى غيلان بن سلمة أورده ابن الأثير في أسد الغابة: ٥/٣٠٢ وابن حجر في الإصابة ٣/٥٤٨ وساقا هذا الحديث في ترجمته. ٢ مجمع الزوائد ٤/٢٤٦ وانظر السنن الكبرى للبيهقي ١٠/٣٠٨. ٣ عبد ربه بن الحكم بن سفيان بن عبد الله، ويقال: ابن عثمان ابن بشير الثقفي الطائفي مجهول، من الثالثة، وأرسل حديثا/مد (التقريب١/٤٧٠ وتهذيب التهذيب٦/١٢٦ وفيه ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله. ٤ أبو داود: كتاب المراسيل ص ٤٠ وانظر: الزيلعي: نصب الراية ٣/٢٨١-٢٨٢. ٥ الطبراني: المعجم الكبير ١١/٣٩٨. ٦ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥ وانظر التقريب ١/٣٩. ٧ هو صدى - بالتصغير - ابن عجلان، أبو أمامة الباهلي، صحابي مشهور سكن الشام، ومات بها، سنة: (٨٦) / ع (التقريب١/٣٦٦ وتهذيب التهذيب٤/٤٢٠) . ٨ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥-٢٤٦ والمعجم الكبير للطبراني ٨/٢٩٨.
[ ٣١١ ]
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه عمر١ بن موسى بن وجيه وهو متروك".
وهذه الأحاديث تدل على أن العبد إذا نزل في حال الحصار وأسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، وهل يصير حرًا حكمًا شرعيًا، أو ذلك راجع إلى اشتراط الإمام له، فيه خلاف بين العلماء:
قال ابن قيم الجوزية - ﵀ -: "ومنها٢ أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين، صار حرًا، ثم أورد حديث سعيد بن منصور المتقدم"٣.
١٥٣- ثم قال: وروى سعيد بن منصور أيضا قال: "قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعده لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، رد على سيده.
ثم أورد حديث الشعبي المتقدم٤، ثم قال: قال ابن المنذر: "وهذا قول كل من يحفظ من أهل العلم"٥.
وأورد ابن كثير: حديث الحجاج بن أرطأة ثم قال: "تفرد به أحمد٦ ومداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الإسلام، عتق حكمًا شرعيًا مطلقًا عامًا، وقال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكمًا عامًا، ولو صح الحديث٧ لكان التشريع العام أظهر، كما في قوله ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه٨" ٩.
_________________
(١) ١ هو عمر بن موسى بن وجيه الأنصاري الدمشقي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: هو ممن يضع الحديث متنا وإسنادا (ميزان الاعتدال ٣/٢٢٤) ووقع في مجمع الزوائد: عمر بن إبراهيم بن وجيه وهو خطأ. ٢ أي الأحكام المأخوذة من هذه الغزوة. ٣ انظر الحديث رقم (١٤٦) . ٤ انظر: حديث (١٤٧) . ٥ زاد المعاد ٣/١١٥، ٥٠٣-٥٠٤. ٦ انظر الحديث رقم (١٤٦) . ٧ يعني: حديث الحجاج بن أرطأة. ٨ هذا الحديث متفق عليه من حديث أبي قتادة انظر الحديث رقم (٦٢) . ٩ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٧-٣٤٨.
[ ٣١٢ ]
قلت: هذا الحديث مداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. وضعفه آت من قبل تدليسه وقد عنعن١.
قال الذهبي: "وأكثر ما نقم على الحجاج التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم".
وقال أيضًا: "كان حجاج يقول: أهلكني حب الشرف"٢. إهـ.
ومثله يتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، وقد جاء عند عبد الرزاق بإسناد صحيح ما يؤيد هذا الحديث في مسألة عتق عبيد المشركين، والحديث أيضًا عند البخاري وأبي داود ولا تعرض فيه لإسلام أو عدمه وإنما فيه مجرد نزول العبيد إلى رسول الله ﷺ ٣.
وقد وردت أحاديث أخرى بأسانيد فيها الصحيح وغيره وهي دالة على ما دل عليه حديث الحجاج بن أرطأة، وقد تقدم سياق ذلك.
وهذه الأحاديث نص في كون العبد إذا أسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، ويرى الإمام أحمد ذلك حكما شرعيا بينما يراه الشافعي شرطا حيث قال: وإذا استأمن العبد من المشركين على أن يكون مسلما ويعتق فذلك للإمام، أمن رسول الله ﷺ في حصار ثقيف من نزل إليه من عبيد فأسلموا فشرط لهم أنهم أحرار فنزل إليه خمسة عشر عبدا من عبيد ثقيف فأعتقهم ثم جاء سادتهم بعدهم مسلمين، فسألوا رسول الله ﷺ أن يردهم إليهم فقال: "هم أحرار لا سبيل عليهم، ولم يردهم" ٤.
قلت: يؤيد القائلين بأن هذا حكما لا شرطا ما رواه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهذا سياقه عند أبي داود:
_________________
(١) ١ وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من طبقات المدلسين، وهي المرتبة التي اتفق العلماء على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلاّ بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل ص ٨ و٣٧. ٢ ميزان الاعتدال ١/٤٦٠. ٣ انظر حديث (١٤٤) . ٤ الشافعي: الأم ٤/٢٠١.
[ ٣١٣ ]
١٥٤- قال: حدثنا عبد العزيز١ بن يحيى الحراني، قال حدثني محمد٢ - يعني ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان٣ بن صالح بن منصور٤ بن المعتمر عن ربعي٥ بن حراش عن علي بن أبي طالب قال: "خرج عبدان٦ إلى رسول الله ﷺ - يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم، وقال: "هم عتقاء الله ﷿" ٧.
والحديث فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
ورواه الترمذي من غير طريق ابن إسحاق لكن فيه سفيان٨ بن وكيع ولفظه عن ربعي بن حراش قال أخبرنا علي بن أبي طالب بالرحبة٩ قال: لما كان يوم
_________________
(١) ١ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي - بفتح الباء والكاف المشددة - أبو الأصبغ الحراني، صدوق، ربما وهم من العاشرة (ت٢٣٥) / د س (التقريب ١/٥١٣ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٢) . ٢ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، ثقة (التقريب ٢/١٦٦) . ٣ أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم وثقه جماعة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه، من الخامسة (ت بضع عشرة ومائة) خت عم (المصدر السابق ١/٣٠ و١/٩٤) . ٤ منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب - بمثناة ثقيلة ثم موحدة - الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش (ت ١٣٢) / ع (التقريب ٢/٢٧٦ الطبعة المصرية، وص ٣٤٨ الطبعة الهندية، تهذيب التهذيب ١٠/٣١٢-٣١٥، وتذكرة الحفاظ: ١/١٤٢ وسير أعلام النبلاء ٥/٤٠٢ كلاهما للذهبي، والخلاصة للخزرجي ٣/٥٨، والمغني لابن طاهر الهندي ص ٥٣، ووقع في التقريب بطبعتيه "أبو عثاب" بمثلثة ثقيلة، ولعله خطأ. ٥ ربعي - بكسر أوله وسكون ثانية - ابن حراش - بكسر المهملة وآخره معجمة - أبو مريم العبسي، الكوفي، ثقة عابد مخضرم من الثانية (ت١٠٠) وقيل غير ذلك/ع (التقريب١/٢٤٣وتهذيب التهذيب٣/٢٣٦-٢٣٧والخلاصة للخزرجي ١/٣١٧) . والمغني لابن طاهر ص ٢٠ و٣٢. ٦ عبدان: بكسر العين وضمها وسكون الباء، جمع عبد بمعنى المملوك (عون المعبود ٧/٣٦٨) . ٧ أبو داود: السنن ٢/٥٩ كتاب الجهاد، باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون. ٨ قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٣١٢ كان صدوقا إلا أنه ابتلي بوراقه فادخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه. ٩ الرحبة: أي: رحبة الكوفة والرحب فضاء وفسحة بالكوفة كان علي بن أبي طالب يقعد فيها لفصل الخصومات (المباركفوري: تحفة الأحوذي ١٠/٢١٧) .
[ ٣١٤ ]
الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل١ بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله: خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا٢ فارددهم إلينا فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم رقابكم بالسيف على الدين، وقد امتحن الله قلوبهم٣ على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله؟
فقال له أبو بكر: "من هو يا رسول الله، وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها، قال: ثم التفت٤ إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي٥.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن يحيى الحراني ثنا محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به. مثل لفظ أبي داود٦.
_________________
(١) ١ سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي، أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم وهو الذي أرسلته قريش يوم صلح الحديبية للتفاوض مع رسول الله ﷺ. أسلم سهيل يوم الفتح، وروى عنه انه قال: والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا، وموقفه من أهل مكة يوم الردة مشهور. توفي سهيل ﵁ بالشام في طاعون عمواس سنة (١٨)، وقيل استشهد باليرموك وقيل بمرج الصغر. (أسد الغابة: لابن الأثير ٢/٤٨٠ والإصابة لابن حجر ٢/٩٣-٩٤) ومعجم البلدان ٥/١٠١. ٢ الضياع: جمع ضيعة وهو ما يكون منه معاش الرجل كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك (النهاية لابن الأثير ٣/١٠٨) . ٣ قال المباركفوري: "قد امتحن الله قلوبهم: أي اختبرها، كذا وقع في بعض النسخ بجمع الضمير وهو راجع إلى قوله: ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا ووقع في بعض النسخ (قلبه) بإفراد الضمير وهو الظاهر، والضمير راجع إلى من (يخفصها) أي يخرزها من الخصيف وهو الضم والجمع (تحفة الأحوذي ١٠/٢١٨) . ٤ قوله: ثم التفت إلينا علي فقال: "إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي" إلخ مقصود علي ﵁ بالالتفات إليهم وذكر حديث "من كذب" على أنه قد سمع الحديث المذكور من رسول الله ﷺ، ولم يكذب عليه. (المصدر السابق ١٠/٢١٨) . ٥ الترمذي: السنن ٥/٢٩٧-٢٩٨ كتاب المناقب، باب المناقب علي بن أبي طالب ﵁. ٦ السنن الكبرى ٩/٢٢٩.
[ ٣١٥ ]
قال صاحب عون المعبود: "وإنما غضب رسول الله ﷺ لأنهم عاضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين، وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هربًا من الرق، لا رغبة في الإسلام وكان حكم الشرع فيهم، أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام لا يجوز ردهم إليهم، فكان معاونتهم لأوليائهم تعاونًا على العدوان١.
١٥٥- وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ: "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين٣، ثم لم يبايع أحدا بعد، حتى يسأله: "أعبد هو؟ " ٤. واللفظ لمسلم.
قال الشافعي - ﵀ -: "ولو كان الإسلام يعتقه لم يشتر منه حرا، ولكنه أسلم غير خارج من بلاد منصوب عليها الحرب"٥.
وخلاصة ما تضمنه الرويات السابقة أمور:
الأول: أن من التدابير العسكرية الناجحة التي استخدمها المسلمون بتوجيه رسول الله ﷺ لهم:
الأمر بقطع أعناب ثقيف ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم وهزا لمعنوياتهم وكان في ذلك نكاية بالغة بهم، حتى طالبوا الرسول ﷺ أن يدعها لله وللرحم، فلما بلغته مناشدتهم له بذلك، تركها، ولكن بعد أن أثر بدون شك في نفوس القوم وأضعف عزائمهم.
_________________
(١) ١ عون المعبود ٧/٣٦٨-٣٦٩. ٢ هو محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي. ٣ والحديث فيه جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلا إذا كان يدا بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، والخلاف في بيعه متفاضلا إذا كان نسيئة (تهذيب السنن لابن قيم الجوزية٩/٢٠٨-٢١٢ مع عون المعبود، وعون المعبود٩/٢٠٨ وتحفة الاحوذي ٤/٤٣٨. ٤ مسلم: الصحيح٣/١٢٢٥ كتاب المساقاة، باب جواز بيع الحيوان من جنسه متفاضلا. والنسائي: السنن ٧/١٣٥ كتاب البيعة، باب بيعة المماليك و٧/٢٥٧ كتاب البيوع باب بيع الحيوان بالحيوان يدا بيد متفاضلا. وابن ماجه: السنن ٢/٩٥٨ كتاب الجهاد، باب البيعة. البيهقي: السنن الكبرى ٩/٢٣٠. ٥ المصدر السابق ٩/٢٣٠.
[ ٣١٦ ]
الثاني: أن الرسول ﷺ حث المسلمين يومئذ على الرمي فقال: "من رمى بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة"، فكان في ذلك حافز قوي للمسلمين على التسابق في الرمي للفوز بدرجات عظيمة في الجنة حتى قال أحدهم: بلغت يومئذ ستة عشر سهما، وكانت تلك السهام الكثيرة، تنهال على ثقيف كالوابل الغزير فزلزل ذلك كفار ثقيف زلزالا شديدا وحصرهم في حصنهم وشل قدرتهم الدفاعية، حتى تركهم رسول الله ﷺ في آخر الأمر، لا لعجز عن مناجزتهم، ولكن رأى أن ثقيفا مآلها الإسلام أو الاستسلام فقد أحيطت بالمسلمين من كل مكان فلماذا يتعرض جيش المسلمين لخسائر كبيرة في حصار مدينة حصينة مآلها إلى السقوط دون أية ضحايا، طال الوقت أم قصر؟
وهل بوسع الطائف أن تقاوم طويلا وحدها بعد أن دخلت مكة في الإسلام ودانت المناطق من حولها للمسلمين؟
وكيف تصرف إنتاجها الزراعي وكيف تقوم بتجاراتها وكل مواصلاتها مقطوعة؟ وقبل ذلك كله فقد جاء في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لم يأذن لي في فتح الطائف الآن، وأنه ﷺ لما قال له أحد الصحابة: "ادع الله على ثقيف، فقال: الله اهد ثقيفا وائت بهم، فقد علم ﷺ أن ثقيفا ستفيق من غفلتها وتستيقظ من سباتها وستأتي بنفسها تعلن ولاءها لرسول الله ﷺ والانضمام تحت رايته وهذا الذي حصل بالفعل كما سياتي ذلك في مبحث إيفاد ثقيف.
الثالث: ذلك النداء الموجه إلى العبيد الذين يعيشون تحت سيطرة سادات ثقيف "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر"١ فما أن بلغهم هذا النداء الإسلامي حتى تسابقوا إلى المسلمين واحدا بعد آخر طلبا للحرية ورغبة في الخلاص من ظلم جبابرة الجاهلية فكانت مكافأتهم على هذه التضحية من رسول الله ﷺ أن أعتقهم وخلصهم من رق الجاهلية وأغلالها، وأسلموا وحسن إسلامهم وحسن إسلامهم وكان في ذلك إضعاف لشوكة ثقيف وخلخلة لصفوفهم من داخلها، وكان عدد العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف ولحقوا بالمسلمين ثلاثة وعشرين عبدا٢.
_________________
(١) ١ انظر حديث (١٥١) والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨-١٥٩. ٢ انظر حديث رقم (١٤٤) .
[ ٣١٧ ]