من المعلوم أن هوازن قبيلة قوية في عددها وعددها، وقد أقامت حولا كاملا تعد العدة لحرب رسول الله - ﷺ - ١. وقد انضم إليها بعض القبائل الأخرى من
_________________
(١) (انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٧، ١٠- ١١، ٢٠- ٢٢) .
[ ١١٦ ]
غطفان وغيرهم، فأحكموا خطتهم ووقف الجميع صفا واحدا في وجه المسلمين يريدون القضاء عليهم.
فقد جاء في حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومن الطلقاء. الحديث١. وعند مسلم وأحمد من طريق السميط٢، عن انس بن مالك.
٤٦- قال: "افتتحنا مكة، ثم أنّا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت٣ الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم". الحديث٤.
وأخرج أبو داود الطيالسي وأحمد وغيرهما من طريق حماد٥ بن سلمة أنا إسحاق٦ بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك:
٤٧- "أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والنساء والإبل والنعم فجعلوهم صفوفا يكثرون على رسول الله - ﷺ - " الحديث٧.
وأخرجه ابن حبان والحاكم، كلاهما من طريق حماد بن سلمة به.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٨.
وسكت عنه الذهبي.
٤٨- وأخرج أبو داود وأحمد كلاهما من طريق نافع٩ أبي غالب الباهلي مطولا
_________________
(١) ١ تقدم برقم (٤٠) . ٢ السميط - بضم أوله - وهو ابن عمير، ويقال: ابن سمير السدوسي، البصري، أبو عبد الله، (ابن حجر: التقريب ١/٣٣٤، والخلاصة للخزرجي ١/٤٤٠) . ٣ فصفت: بابناء للمفعول. (مسلم: الصحيح ٢/٧٣٦ كتاب الزكاة، باب عطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام. واحمد: المسند ٣/١٥٧) . ٥ ثقة، تقدم في حديث (٣٦) . ٦ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، المدني، أبو يحيى، ثقة حجة، من الرابعة (ت١٣٢) وقيل بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٩، وتهذيب التهذيب ١/٢٣٩-٢٤٠) . ٧ أبو داود الطيالسي: المسند ٢/١٠٨- ١٠٩، بترتيب الساعاتي "منحة المعبود"، وأحمد: المسند ٣/١٩٠، ٢٧٩. (ابن حبان: موارد الظمآن ص٤١٧، والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠) . ٩ أبو غالب الباهلي مولاهم، الخياط البصري، اسمه نافع أو رافع، ثقة من الخامسة /د ت ق. (التقريب ٢/٢٩٧، ٤٦٠، وتهذيب التهذيب ١٠/٤١٥، ١٢/١٩٦) .
[ ١١٧ ]
فيه: "قال: يا أبا حمزة هل غزوت مع النبي - ﷺ؟ - قال: نعم. غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكثرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا". الحديث١.
فهذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها تدل على أن هوازن استعدت للمعركة استعدادا كاملا، ولم تدخر شيئا في وسعها.
وقد وصف ابن إسحاق جموع هوازن المتكاثرة فقال: لما سمعت هوازن برسول الله - ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك٢ بن عوف النصري، فاجتمع إليه
_________________
(١) ١ أبو داود: (السنن ٢/١٨٦)، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه. وأحمد: المسند ٣/١٥١ واللفظ له وإسناده حسن. وأخرجه الترمذي وابن ماجة كلاهما من طريق نافع بن أبي غالب مختصرا بقصة الصلاة على الجنازة دون قصة حنين، وحسنه الترمذي. (سنن الترمذي ٢/٢٤٩- ٢٥٠ كتاب الجنائز باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة، وسنن ابن ماجة ١/٤٧٩ فيه) . ٢ مالك بن عوف بن سعد بن ربييعة بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبو علي النصري - بالصاد المهملة - نسبة إلى جده الأعلى نصر المذكور. ووقع في بعض الكتب النضري - بالضاد المعجمة - وهو خطأ. قاد مالك جيوش هوازن في غزوة حنين وكان عمره ثلاثين سنة، أسلم في الجعرانة بعد أن هزم هو وجنده وحسن إسلامه، واستعمله رسول الله - ﷺ - على من أسلم من قومه فكان يقاتل ثقيفا فلا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصيبه. ثم شهد فتح دمشق وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص. ووقع في المعجم الكبير للطبراني ١٧/٣٠١ عن أبي خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام الجمحي قال: كان مالك بن عوف النصري رئيسًا مقدامًا، وكان أول ذكره وما شهر من بلائه "يوم الفجار" مع قومه كثر صنيعه يومئذ وهو على هوازن حين لقيهم رسول الله ﷺ وساق مع الناس أموالهم الخ. وذكر انهزامه ولحوقه بالطائف. وحصل خطأ في قوله: أول ما شهر من بلائه "يوم الفجار". والصواب "يوم حنين" وذلك لأن "آخر الفجارات" حضره رسول الله - ﷺ - مع عمومته وعمره (٢٠) سنة على رأي ابن إسحاق، وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة وبين آخر حروب الفجار وغزوة حنين (٦١) سنة، وكان عمر مالك بن عوف عندما قاد جيوش هوازن في حنين (٣٠) سنة، فتكون حرب الفجار وقعت قبل ميلاد مالك بن عوف بـ (٣١) سنة. وحديث الطبراني هذا أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٤- ١٨٥ وقال: رواه الطبراني عن خليفة بن خياط محمد بن سلام الجمحي، (وقوله: خليفة بن خياط) خطأ والصواب "أبو خليفة الفضل بن حباب" كما هو في معجم الطبراني. وقال ابن حجر: وانقلب "مالك بن عوف" على خليفة بن خياط فسماه (عوف بن مالك) . (انظر ترجمة مالك في جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٢٦٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٣٨٠ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣١٠، والإصابة لابن حجر ٣/١٨٢، ٣٥٢، وسيرة ابن هشام ١/١٨٤، ١٨٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٠، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٥، وتاريخ خليفة بن خياط ص٩٩) .
[ ١١٨ ]
من هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر، وجشم كلها، وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلاّ هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد١ بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن٢ برأيه ومعرفته الحرب، وكان شيخًا٣ مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهم٤، وفي الأحلاف٥ قارب٦ بن الأسود بن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار٧ سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع٨ أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع المسير إلى رسول الله - ﷺ - حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار٩ له يقاد به، فلما نزل قال: بأي
_________________
(١) ١ دريد بن الصمة - واسم الصمة - معاوية بن بكر بن علقمة بن خزاعة بن غزية - بوزن عطية - ابن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قتل كافرا في هذه الغزوة، وسيأتي الخلاف فيمن قتله في حديث (٩٧) . (جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٢٧٠. والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٠- ٢٠١) . ٢ التيمن: التبرك. (النهاية لابن الأثير ٥/٣٠٢، والقاموس للفيروز آبادي ٤/٢٧٨) . ٣ وعند الواقدي: ونصرها دريد بن الصمة في بني جشم وهو يومئذ ابن ستين ومائة سنة، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن به ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وقد ذهب بصره يومئذ. (المغازي ٣/٨٨٦) . ٤ وعند الطبري: "وعلى ثقيف: عبد ياليل" انظر ص١٨٦. ٥ الأحلاف: هم أحد قبيلي ثقيف، فإن ثقيفا قسمان: أحدهما: بنو مالك. والثاني: الأحلاف. (ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب ١/٣٣، وأسد الغابة ٤/٣٧٥) . ٦ هو ابن أخي عروة بن مسعود كانت معه راية الأحلاف في غزوة حنين، فلما انهزم المشركون أسند الراية إلى شجرة وهرب. قدم على رسول الله - ﷺ - هو وأبو مليح بن عروة بن مسعود المدينة قبل وفد ثقيف حين قتلت ثقيف عروة بن مسعود، يريدان مفارقة ثقيف، وأن لا يجامعوهم على شيء أبدا، فأسلما فقال لهما رسول الله - ﷺ: توليا من شئتما، فقالا: نتولى الله ورسوله. (ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣٧٥- ٣٧٦) . ٧ ذو الخمار: بالخاء والميم قتل كافرا في هذه الغزوة. (سيرة ابن هشام ٢/٤٣٧ و٤٥٠. والكلاعي: الاكتفاء ٢/٣٣٣) . ووهم المعلقون على سيرة ابن هشام فقالوا: اسمه عوف بن الربيع، وعوف ابن الربيع صحابي من أسد وفد على النبي - ﷺ - وهو: ذو الخيار - بالخاء والمثناة التحتانية -. (انظر: ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣١٠، وابن حجر: الإصابة ٣/٤٢) . ٨ في (المصباح المنير ١/١٣٣): وجماع الناس بالضم والتثقيل أخلاطهم، وكذا في (المعجم الوسيط ١/١٣٥) . ٩ الشجار: هو مركب مكشوف دون الهودج، ويقال له: مشجر أيضا. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٤٦. والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠١) .
[ ١١٩ ]
واد أنتم؟ قالوا: ب أوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزن١ ضرس ولا سهل دهس٢، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار٣ الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ودعي له، فقال: يا مالك٤، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس اموالهم، وأبناءهم، ونساءهم، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به٥، ثم قال: راعي ضأن٦ والله! وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك" الحديث٧.
قال ابن كثير: بعد إيراده لهذا الحديث: هكذا أورده ابن إسحاق من غير إسناد.
وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن عاصم بم عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه٨.
_________________
(١) ١ الحزن: بفتح الحاء وسكون الزاي، المكان الغليظ الخشن. والضرس: بكسر الضاد وسكون الراء: الأكام الخشنة. (المصدر السابق ١/٣٨٠، ٣/٨٣) . ٢ الدهس - بفتح الدال وسكون الهاء - ما سهل ولان من الأرض ولم يبلغ أن يكون رملا. (المصدر السابق ٢/١٤٥) . ٣ وعند الواقدي: "وثغاء الشاء". (المغازي ٣/٨٨٧ - والمراد: صوت الشاء) . ٤ وعند الواقدي: "يا مالك إنك تقاتل رجلا كريما وقد اصبحت رئيس قومك الخ". (المغازي ٣/٨٨٧) . ٥ وعند الواقدي: "فأنقض بيديه". (المغازي ٣/٨٨٨) . قال ابن الأثير: "وفي حديث هوازن "فأنقض به دريد"، أي نقر بلسانه في فيه، كما يزجر الحمار، فعله استجهالا به. قال الخطابي: أنقض به، أي صفق بإحدى يديه على الأخرى، حتى يسمع لهما نقيض، أي صوت. (النهاية ٥/١٠٧) . وقال السهيلي: الإنقاض بالأصبع الوسطى والإبهام كأنه يدفع بهما شيئا. (الروض الأنف ٧/٢٠١) . ٦ وعند الواقدي: "راعي ضأن ما له وللحرب؟ ". (المغازي ٣/٨٨٨) وانظر: الروض الأنف ٧/٢٠١. (سيرة ابن هشام ٢/٤٣٧، وانظر: مغازي الواقدي ٣/٨٨٥، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٩) . ٨ تقدم الحديث برقم (٢٣) وإسناده حسن.
[ ١٢٠ ]
وعن عمرو بن شعيب، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم١.
وأخرج الطبري فقال: حدثنا بشر٢ بن معاذ قال: ثنا يزيد٣، قال: ثنا سعيد٤، عن قتادة٥، قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ . [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٦] ٦. قال: وحنين ماء بين مكة والطائف، قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي" الحديث٧.
وهذه الأحاديث المتقدمة تدل على أن هوازن كانت قد جمعت جمعا كثيرا، وإن كانت لم تنص على عدد هوازن ومن معهم صراحة، وقد ورد عند الواقدي ما يدل على أن عدد هوازن ومن معهم عشرون ألفا.
قال: ودعا رسول الله - ﷺ - ابن أبي حدرد٨ الأسلمي فقال له: انطلق فادخل حتى تأتي بخبر منهم، وما يقول مالك، فخرج عبد الله فطاف في عسكرهم، ثم انتهى إلى مالك بن عوف فوجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما يلقى قوما أغمارا٩ لا علم لهم بالحرب فينصر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٣٢٤. ٢ بشر بن معاذ العقدي - بفتح المهملة والقاف- أبو سهل البصري، الضرير، صدوق، من العاشرة (ت سنة بضع وأربعين بعد المائتين) /ت س ق. (التقريب ١/١٠١، وتهذيب التهذيب ١/٤٥٨) . ٣ يزيد: هو ابن زريع البصري، أو معاوية "ثقة ثبت" تقدم في حديث (١) . ٤ هو سعيد بن أبي عروبة - بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة - واسمه: مهران اليشكري، مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت الناس في قتادة، من السادسة (ت ١٥٦، وقيل: ١٥٧) . /ع. (التقريب ١/٣٠٢، وتهذيب التهذيب ٤/٦٣، والمغني لابن طاهر الهندي ص٥٤) . ٥ قتادة بن دعامة - بكسر مهملة وخفة عين مهملة - بن قتادة السدسي، أبو الخطاب البصري ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة (ت سنة بضع عشرة بعد المائة) /ع. (التقريب ٢/١٢٣، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١، والمغني لابن طاهر الهندي ص٣٠) . (الروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٣) . ٧ الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٠، وتقدم برقم (٤٢) . ٨ هو عبد الله بن أبي حدرد، وإرساله إلى هوازن ليعرف وجهتهم، ثابت من حديث جابر بن عبد الله - المتقدم برقم (٢٣) . ٩ الأغمار: جمع غمر - بالضم - وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٨٥) .
[ ١٢١ ]
عليهم فإذا كان في السحر فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونهم بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون١، واحملوا حملة رجل واحد واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا". الحديث٢.
فقوله في هذا الحديث: "فتلقونه بعشرين ألف سيف" يدل على أن القوم كانوا عشرين ألفا.
وكون هوازن كانت عشرين ألفا أو أكثر ذلك، وإن لم يرد ذلك في حديث صحيح مصرح به.
إلا أن في الأحاديث الصحيحة الثابتة ما يؤيد هذا، فقد تقدم في حديث أنس بن مالك أنه قال: "لما كان يوم حنين وجمعت هوازن وغطفان لرسول الله ﷺ جمعا كثيرا".
وفيه أيضا:"لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم"٣.
وفي حديث جابر بن عبد الله قال: "لما فرغ رسول الله - ﷺ - من فتح مكة، جمع مالك بن عوف من بني نصر وجشم، ومن سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وناسا من بني عمرو ابن عامر، وعوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحناف من ثقيف وبنو مالك"٤.
وفي حديث سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل فارس فقال: "يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين" الحديث٥.
فمن خلال هذه الألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة يفهم منها أن القوم حشدوا جموعا كثيرة، وقد تقدم في أول هذا المبحث أنهم أقاموا حولا كاملا يعدون العدة لحرب رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ جفن السيف: غمده الذي يكون فيه. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٤/٢٠٩) . (مغازي الواقدي ٣/٨٩٣) . ٣ تقدم برقم (٤٠) . ٤ تقدم برقم (٢٣) . ٥ سيأتي تخريجه برقم (٥٠) .
[ ١٢٢ ]
ولذا فقد قال ابن حجر: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك١.
وعند القسطلاني: "فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة"٢.
وعند الزرقاني: "إنهم كانوا أضعاف المسلمين".
ثم قال: "وما وقع في البيضاوي والبغوي ونحوهما أن ثقيفا وهوازن كانوا أربعة آلاف إن صح فلا ينافيه لأنهم انضم إليهم من العرب ما بلغوا به ذلك، فقد مر أنهم أقاموا حولا يجمعون لحربه ﵇ لا أنهم باعتبار ما معهم من نساء ودواب يرون ضعفا وأضعاف المسلمين، وإن كانوا في نفس الأمر أربعة آلاف، لأن بعده لا يخفى؛ لأن فيه رد كلام الحفاظ الثقات الأثبات بلا دليل، فإن أربعة داخلة في الزائد فلا يصح رد الزائد إليها بهذا الحمل المتعسف الذي يأباه قول مالك بن عوف "تلقونه بعشرين ألف سيف". فإن البهائم لا سيوف معها٣.
وهذه الجموع الهائلة جمعها مالك بن عوف في وادي أوطاس٤، ثم أرسل عيونه إلى المسلمين ليعلم مدى قوتهم واستعدادهم لخوض المعركة.
٤٩- قال ابن إسحاق: وحدثني أمية٥ بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق٦ فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله مارده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد٧.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٢٩. (المواهب اللدنية ١/١٦٢) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٧، ١٠، ١١، ٢٠، ٢٢) . وانظر: (باشميل: غزوة حنين ص ٦٩- ٧٠، ٧٣- ٧٤، ٧٨، ٨٠، ١١٥- ١١٦، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٩، ١٤٨- ١٤٩) . وانظر: (تفسير القرآن الكريم للبيضاوي ص٢٢١،وتفسير البغوي٣/٧٢مع الخازن) . ٤ انظر ص ٢٥٢ تعليقة (١) . ٥ قال فيه ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: ما بحديثه بأس. (الجرح والتعديل ٢/٣٠١- ٣٠٢) . ٦ البلق - محركة - سواد وبياض كالبلقة - بالضم - وارتفاع التحجيل إلى الفخذين. (ابن منظور: لسان العرب ١١/٣٠٧، والفيروز آبادي: القاموس ٣/٢١٤) . (ابن هشام: السيرة ٢/٤٣٩) .
[ ١٢٣ ]
ومن هذه الطريق أخرجه الطبري١.
والحديث ضعيف، لأن أمية بن عبد الله لم يصرح بمن حدثه.
وعند الواقدي: "قال: بعث مالك بن عوف رجالا من هوازن ينظرون إلى محمد وأصحابه –ثلاثة نفر– وأمرهم أن يتفرقوا في المعسكر، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ما شأنكم ويلكم؟ ".
قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! وقالوا له: ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلا أهل السموات - وإن أفئدة عيونه تخفق٢- وإن أطعتنا رجعت بقومك فإن الناس إن رأوا مثل ما رأينا أصابهم مثل الذي أصابنا.
قال: أف٣ لكم! بل أنتم قوم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا٤ أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل فخرج ثم رجع إليه وقد أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟
قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى!
فلم يثنه٥ ذلك عن وجهه٦.
والحديث رواه الواقدي عن مشايخه مرسلا، وفيه الواقدي وقد وهنه العلماء، وقد تناقل العلماء هذه المسألة في مؤلفاتهم، وهي وإن لم تثبت من الناحية الحديثية، إلا أن الجواسيس والعيون لرصد المعلومات عن العدو وقدرته القتالية قبل القيام بالهجوم المباشر أمر متعارف عليه لدى القادة والرؤساء، وهو شيء يضعه كل قائد مسؤول في مقدمة خططه وحساباته واستعداداته لمواجهة خصمه٧.
_________________
(١) (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢، وانظر: ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٢٣) . ٢ تخفق: تتحرك وتضطرب رعبا من هول ما رأت. (ابن الأثير: النهاية ١/٥٦، والفيروز آبادي: القاموس ٣/٢٢٧- ٢٢٨) . ٣ أف لكم: كلمة معناها التضجر، والمراد بها هنا الاحتقار. (ابن الأثير: النهاية ١/٥٥) . ٤ فرقا: أي خوفا. ٥ فلم يثنه: أي لم يرده ذلك عن عزمه وتصميمه. (المصباح المنير١/١٠٥و٢/٥٦٥) . (الواقدي: المغازي ٣/٨٩٢، وانظر: ابن سعد الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، وابن الأثير: الكامل ٢/١٧٨، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٦٧، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦١، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٧) . (باشميل: غزوة حنين ص١١١) .
[ ١٢٤ ]