كانت مدة حصار الطائف تتراوح ما بين بضعة عشر يوما إلى أربعين يوما كما مر توضيح ذلك١.
وفي أثناء هذا الحصار كانت المفاوضة مستمرة بين رسول الله ﷺ وبين أهل الطائف.
١٦٣- فقد روى ابن عساكر٢ عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: لقد بعث رسول الله ﷺ يوم الطائف حنظلة٣ بن الربيع إلى أهل الطائف فكلمهم فاحتملوه ليدخلوه حصنهم، فقال رسول الله ﷺ: "من لهؤلاء وله مثل أجر غزاتنا هذه"، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب حتى أدركه في أيديهم قد كادوا أن يدخلوه الحصن فاحتضنه العباس، وكان رجلًا شديدًا، فاختطفه من أيديهم وأمطروا على العباس الحجارة من الحصن، فجعل النبي ﷺ يدعو له حتى انتهى به إلى النبي ﷺ ٤.
وذكر ابن الأثير وابن حجر عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث حنظلة بن الربيع إلى أهل الطائف يقول لهم أتريدون الصلح أم لا؟ ٥.
_________________
(١) ١ في مبحث حصار الطائف. (٢٧٨) . ٢ ابن عساكر: هو الإمام الحافظ الكبير محدث الشام فخر الأئمة ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب التصانيف (التاريخ الكبير) (٤٩٩-٥٧١) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٢٨و١٣٣٣) . ٣ حنظلة بن الربيع بن صيفي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة - التميمي الأسيدي - بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر المثناة التحتنية المشددة - أبو ربعي المعروف بحنظلة الكاتب لأنه ممن كتب الوحي لرسول الله ﷺ وهو ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب، وهو القائل لأبي بكر الصديق نافق حنظلة (مات بعد علي معتزلا للفتنة) (أسد الغابة ٢/٦٥، واللباب ١/٦١ كلاهما لابن الأثير وتهذيب التهذيب ٣/٦٠ والإصابة ١/٣٥٩ والتقريب ١/٢٠٦ كلها لابن حجر) . ٤ كنْز العمال ١٠/٣٦١-٣٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٢ مع مسند أحمد كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. ٥ أسد الغابة ٢/٦٥ والإصابة ١/٣٥٩ وتهذيب التهذيب ٣/٦٠.
[ ٣٢٨ ]
وعند ابن إسحاق أيضا من حديث عمرو بن شعيب قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفًا:
أن أمنونا١ حتى نكلمكم فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما، وهما٢ يخافان عليهن السباء، فأبين، منهن٣: أمنة٤ بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة، والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة٥، لها عبد الرحمن٦ بن قارب.
والفقمية٧ أميمة بنت الناسئ٨ أمية بن قلع، فلما أبين عليهما قال لهما ابن الأسود بن مسعود: "يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا أدلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني
_________________
(١) ١ وعند الوقدي: ٣/٩٢٩ فقالا: أمنوا حتى نتكلم. ٢ وعند الواقدي: "وهم يخافون السباء". ٣ وعند الواقدي: منهم ابنة أبي سفيان بن حرب". ٤ قال ابن هشام: "ويقال إن أم داود ميمونة بنت أبي سفيان، وكانت عند أبي مرة بن عروة بن مسعود فولدت له داود بن أبي مرة"، وكذا سماها ابن سعد وقال ابن حجر: "آمنة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، ذكرها ابن إسحاق في غزوة الطائف وهي: أميمة بالتصغير، وكانت تحت صفوان بن أمية" (سيرة ابن هشام ٢/٤٨٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٢٤٠، والإصابة لابن حجر ٤/٢٢٥ و٢٤١ و٣٥٨) . ٥ عند الواقدي: كانت عند قارب بن الأسود، لها منه عبد الرحمن بن قارب. ٦ عبد الرحمن بن قارب بن الأسود الثقفي، تابعي أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة. وأخرج من طريق أبي أوبيس عن إسحاق عن عبد الله بن مكرم عن عبد الرحمن بن قارب في قصة وفد ثقيف. قال البخاري وأبو حاتم: "هو مرسل". قال ابن حجر: "قلت: وقد تقدم في الربيع بن قارب أنه وفد على النبي ﷺ فحمله على ناقة وكساه برداء وسماه عبد الرحمن، فإن يكن هو هذا فالحكم على أن حديثه مرسل، وأنه تابعي مردود وإن يكن غيره فلا إشكال، ويريد بالمغايرة أن هذا ثقفي، وهذا عبسي، والله أعلم" (الإصابة ١/٥٠٥ و٢/٤١٨ و٣/١٥٤) . ٧ وعند الواقدي: وامرأة أخرى، ولم يسمها. ٨ النسيء: التأخير من تأخير الشهور بعضها إلى بعض: قال ابن إسحاق: "وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت منها ما أحل، وحرمت منها ما حرم - القلمس وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر ابن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ابن حذيفة، ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعد قلع أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الأربعة: رجب وذا القعدة وذا الحجة، والمحرم فإذا أراد أن يحل منها المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفر فحرموه إلخ" (سيرة ابن هشام ١/٤٤) . وأبو ثمامة هذا ذكره ابن حجر في الإصابة ونقل عن السهيلي أنه وجد له خبرا يدل على إسلامه (الإصابة ١/٢٤٦-٢٤٧ و٤/٣٠ و١/٦٧ بناء على أنه قيل في اسمه أمية ذكره في القسم الأول.
[ ٣٢٩ ]
الأسود بن مسعود حيث علمتما وكان رسول الله ﷺ بينه وبين الطائف نازلا بواد يقال له العقيق"١.
إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله والرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم.
وأخرج البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: استأذن عيينة٢ بن حصن رسول الله ﷺ أن يأتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله أن يهديهم،
_________________
(١) ١ في القاموس المحيط ٣/٢٦٦: العقيق موضع بالمدينة، وباليمامة وبالطائف وبتهامة وبنجد، وستة مواضع أخر وعند الواقدي: بواد يقال له العمق. قال ياقوت: "عمق - بفتح أوله وسكون ثانيه، وآخره قاف - واد من أودية الطائف نزله رسول الله ﷺ لما حاصر الطائف، وفيه بئر ليس بالطائف أطول رشاء منه (معجم البلدان ٤/١٥٦) . وقال البلادي في معجم المعالم الجغرافية ص ٢١٣-٢١٤ و٢١٦: "إذا كان يقصد نزول رسول الله ﷺ أثناء حصار الطائف فإنه لم يكن بالعقيق، وإنما كان بين الطائف ووج، والطائف أنذاك كان إلى الجنوب مما يعرف اليوم بباب الربع إلى جنوب غربي مسجد ابن عباس. وقد نصت نصوص كثيرة على أن رسول الله ﷺ كان نازلا في موضع مسجد عبد الله بن عباس اليوم، أما العقيق فواد إلى الشمال من الطائف، ويعرف بعقيق الطائف، وهو اليوم داخل فيها، ولا يمكن أن ينْزل العقيق من يريد حصار الطائف، كما أن رسول الله ﷺ جاء من الشمال ثم طوق الطائف من الجنوب، وذلك ليحيل بين ثقيف وبين مددهم من بني نصر القانطنين شرق وجنوب الطائف، وبين ثقيف أيضا وبين أموالهم في لية وما حولها. وقد علمنا أن العقيق في شمال الطائف ولو أراد رسول الله ﷺ أن ينزل فيه لما تجشم هذا التطويق الذي استلزم مدة ويومين على الأقل، ولكن يظهر أن رسول الله ﷺ عندما انسحب عن الطائف نزل العقيق، وكان مال بني الأسود لعله بوادي (لقيم) أو قربه فخافت ثقيف أن يقطع نخلة، وبهذا تستقيم الرواية، إذ أن رسول الله عندما انسحب كان طريقه على دحنا إلى الجعرانة وهذا يقضي أن يكون سلك من الطائف على أسفل العقيق ثم على لقيم ثم على دحنا ثم على الثنايا ثم على حنين ثم على الجعرانة". ٢ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية - بالجيم مصغرا - بن لوذان ابن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بفيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان أبو مالك الفزاري، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كانت أصابته شجة فجحضت عيناه قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنينا والطائف، وبعثه رسول الله ﷺ لبني تميم فسبى بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر الصديق، ومال إلى طليحة فبايعه ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء سكان البوادي. دخل مرة على رسول الله ﷺ بدون إذن فقال له رسول الله ﷺ: "أين الإذن؟ " فقال: ما استأذنت على أحد من مضر". كان عيينة في الجاهلية يقود عشرة آلاف مسلح، وهو عم الحر بن قيس الرجل الصالح، ولعيينة بن حصن مواقف مع عمر بن الخطاب ومع عثمان ومواقفة في الإسلام غير محمودة وقد سماه رسول الله ﷺ الأحمق المطاع. (الاستيعاب ٣/١٦٧، وأسد الغابة ٤/٣٣١، والإصابة ٣/٥٤) . وانظر ترجمة الحر بن قيس في أسد الغابة لابن الأثير وأنه جاء إلى المدينة مع وفد بني فزارة بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك.
[ ٣٣٠ ]
فأذن له فأتاهم فقال: "تمسكوا بمكانكم والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به١ حدث لتملكن العرب عزا ومنعة فتمسكوا بحصنكم وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثرن عليكم قطع هذه الشجر، ثم رجع فقال له رسول الله ﷺ: ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم وأمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة. قال: "كذبت بل قلت لهم كذا وكذا. فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك" ٢..
والحديث أخرجه أبو نعيم وفي كليهما محمد٣ بن عمرو بن خالد الحراني أبو علاثة.
وأخرجه الواقدي ولفظه: وقال عيينة: "يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن٤ فقال: إذن فدنا فقال: ادخل فدخل عليهم الحصن، فقال فداؤكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم والله لو أن في العرب أحدا غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن٥ لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه في حصننا، وقال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: ما قلت لهم؟
_________________
(١) ١ الضمير في (به) يرجع لرسول الله ﷺ. ٢ البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٨ أ- ب وأبو نعيم: دلائل النبوة ص ٤٦٤ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٨-٣٤٩ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧، وانظر حديث (١٣٢) . ٣ لم أجد ترجمته وهو من شيوخ الطبراني وانظر المعجم الصغير للطبراني ٢/٣٩. ٤ أبو محجن الثقفي الشاعر مختلف في اسمه له صحبة، وهو الذي سجنه سعد بن أبي وقاص من أجل شربه الخمر وكان ذلك يوم القادسية، ولما دارت المعركة رحاها استأذن أبو محجن من زوجة سعد بن أبي وقاص أن تفكه من السجن وتعطيه فرس سعد وأعطاها العهد أن يعود من المعركة فقاتل قتال الأبطال وعاد إلى سجنه فعفا عنه سعد وتاب من شرب المسكرات (الإصابة ٤/١٧٣-١٧٦) . ٥ الواتن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، والماء المعين الدائم (القاموس المحيط٤/٢٧٤) .
[ ٣٣١ ]
قال: "قلت ادخلوا في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا فخذوا لأنفسكم أمانا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم قينقاع والنضير وقريظة وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام فخذلتهم ما استطعت ورسول الله ﷺ ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله ﷺ: "كذبت! قلت لهم كذا وكذا للذي قال. قال عيينة: "أستغفر الله! "
فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" ويقال: أن أبا بكر - ﵁ - أغلظ له يومئذ وقال: "ويحك يا عيينة! إنما أنت أبدا توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك ثم أسلمت كما زعمت فتحرض علينا عدونا! "
قال: "أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا"١!
وكان استعصاء ثقيف وعدم استسلامهم في ذلك الوقت هو أن الله - جل وعلا - لم يأذن في فتح الطائف حينئذ وأن ثقيفًا ستأتي معلنة إسلامها وولاءها للمسلمين عما قريب بدون مشقة وقتال، ولذا فقد أشار رسول الله ﷺ على الصحابة بترك حصار الطائف ولما رأى في أصحابه الرغبة في مواصلة القتال والتصميم على الفتح، أذن لهم في ذلك وقال: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم جراحات شديدة من وقع نبال ثقيف فأعاد رسول الله ﷺ مقالته في ترك الحصار، ففرح الصحابة بذلك وعملوا أن ما رآه رسول الله ﷺ هو الصواب، وسارعوا إلى الرحيل، طالبين من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف جزاء صنيعهم السيئ ضد المسلمين، فقال ﷺ "اللهم اهد ثقيفا" وقد ذكر ابن كثير الحكمة في تأخير الفتح عامئذ فقال:
وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لأنه قد تقدم أنه ﵇ لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ﷿ وذلك بعد موت عمه أبي طالب، فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٢-٩٣٣.
[ ٣٣٢ ]
فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبده، لا يشرك به شيئًا". فناسب قوله: "بل أستأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل"١. إهـ.
وفيما يلي الأحاديث الواردة في هذا المقام:
١٦٤- أخرج ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الوهاب٢ الثقفي عن عبد الله٣ بن عثمان بن خشيم عن أبي الزبير٤ أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف فجاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفًا مرتين. قال: وجاءته خولة٥ فقالت: إن بنت خزاعى٦ ذات حلي فنفلني حليها إن فتح الله عليك الطائف غدا، قال: إن لم يكن أذن لنا في قتالهم، فقال رجل تراه عمر يا رسول الله ما مقامك على قوم لم يؤذن لك في قتالهم، قال: "فأذن في الناس بالرحيل فنزل الجعرانة فقسم بها غنائم حنين، ثم دخل منها بعمرة ثم انصرف إلى المدينة" ٧.
والحديث مرسل.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٣٥٢ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٣٣ وانظر: حديث رقم (٠٨) . وانظر: ص ٣٣٩ تعليقة (٣) . ٢ عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، (ت ١٩٤) /ع (التقريب ١/٥٢٨ وتهذيب التهذيب ٦/٤٤٩) . ورمز له الذهبي (بصح) إشارة إلى توثيقه وأنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه (ميزان الاعتدال ٣/٦٨٠) . ٣ عبد الله بن عثمان بن خثيم - بالمعجمة والمثلثة، مصغرًا - القاري المكي أبو عثمان، صدوق، من الخامسة (ت١٣٢) / خت م ع (التقريب ١/٤٣٢ وتهذيب التهذيب ٥/٣١٤) . ٤ أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق مدلس تقدم في حديث (١٠٩) . ٥ خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم السلمية، امرأة عثمان بن مظعون، يقال كنيتها أم شريك. ويقال لها خويلة بالتصغير، وكانت صالحة فاضلة وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ في قول بعض العلماء (الاستيعاب ٤/٢٨٩-٢٩٠ وأسد الغابة ٧/٩٣ والتقريب ٢/٥٩٦ وتهذيب التهذيب ١٢/٤١٥ والإصابة ٤/٢٩١ وطبقات ابن سعد ٨/١٥٨. ٦ في سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وكذا في الإصابة فقالت خولة: أعطني حلي بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف) وعند الواقدي الفارعة بنت خزاعي ٣/٩٣٥. ٧ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥ و٨٦ ب رقم (٦٦٥) .
[ ٣٣٣ ]
ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا ولفظه: وأقبلت امرأة يقال لها خولة بنت حكيم وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تحت عثمان بن مظعون فدخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف، قال: "لم يؤذن لنا حتى الآن فيهم، وماأظن أن نفتحها الآن"، فأقبل عمر بن الخطاب - ﵁ - فلقيها خارجة من عند رسول الله ﷺ فقال: هل ذكر لك رسول الله ﷺ شيئا، قالت: أخبرني أنه لم يؤذن له في قتال الطائف بعد، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ألا تدعو الله على أهل الطائف وتنهض لعل الله يفتحها فإن أصحابك كثير وقد شق عليهم الحبس ومنعهم معاشهم، فقال رسول الله ﷺ: "لم يؤذن لنا في قتالهم" فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟
قال: "بلى فانطلق عمر حتى أذن في الناس بالقفول وأمرهم أن لا يسرحوا ظهرهم، فأصبحوا فارتحل النبي ﷺ وأصحابه".
ودعا النبي - ﷺ - حين ركب قائلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.
١٦٥- وأخرجه ابن إسحاق بلاغا فقال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية٢ بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال لها: "وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ "
فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ماحديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟
_________________
(١) ١ البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ب وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧-٩٨ وانظر حديث (١٣٢) . ٢ بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي أسلمت عند إسلام أبيها ولها رواية. قال ابن حجر: "وقد حكى ابن منده: في ضبطها وجهين: (بادية) بالموحدة (ونادية) بالنون، وقال: إنه وهم، وحكى غيره فيها: بالموحدة أوّلها، ثم نون بعد الدال" (بادنة) الإصابة ٤/٢٤٩ وأسد الغابة ٧/٣٤. وقال السهيلي في الروض الأنف ٧/٢٧١ "وأما بادية بنت غيلان فقيل فيها" "بادنة" بالنون والصحيح "بادية بالياء".
[ ٣٣٤ ]
قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل"، فلما استقل الناس نادى سعيد١ بن عبيد بن أسيد بن أبي عمر بن علاج ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما، فقال له رجل٢ من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصر رسول الله ﷺ!
فقال: "إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها، لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير"٣.
١٦٦- وأخرج ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين٤ بن علي عن زائدة٥ قال: قال عبد الملك٦، قال النبي ﷺ وهو محاصر ثقيفًا ما رأيت الملك منذ نزلت منزلي هذا، قال: "فانطلقت خولة بنت حكيم السلمية فحدثت ذلك عمر بن الخطاب،
_________________
(١) ١ هكذا ساق ترجمته ابن إسحاق والطبري والسهيلي وابن كثير والواقدي إلاّ أنه قال "سعد" بدل "سعيد". وقد تقدم في حديث (١٥٨) ص ٣٢٣ في سياق نسبه غير هذا. ٢ وعند الواقدي: فقال عمرو بن العاص: قاتلك الله، تمدح قوما مشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره؟ فقال: "إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفًا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيف قوم مباركون. فأخبر عمرو النبي ﷺ بمقالته، فتبسم ﷺ ثم قال: "هذا الحمق المطاع". ٣ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٥. والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢٣٧ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨١. والواقدي: المغازي ٣/٩٣٥ والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١١١. والحلبي: السيرة الحلبية ٣/٨١ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ لابن كثير. ومناكير: أصحاب دهاء وفطنة (ابن الأثير: النهاية ٥/١١٥) . والفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٤٨) . ٤ الحسين بن علي بن الوليد الجعفي - بضم الجيم وسكون العين المهملة - المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة (ت ٢٠٣ - أو ٢٠٤) / ع (التقريب ١/١٧٧ وتهذيب التهذيب ٢/٣٥٧) . ٥ زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، من السابعة (ت١٦٠) وقيل بعدها / ع (التقريب ١/٢٥٦ وتهذيب التهذيب ٣/٣٠٦) . ٦ عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ويقال له: الفرسي - بفتح الراء والفاء ثم المهملة - نسبة إلى فرس له سابق، كان يقال له القبطي - بكسر القاف وسكون الموحدة وربما قيل ذلك أيضا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغير حفظه وربما دلس من الثالثة (ت ١٣٦) / ع (التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤١١) .
[ ٣٣٥ ]
فأتى عمر النبي ﷺ فذكر له قولها، فقال: صدقت، فأشار عمر على النبي ﷺ بالرحيل، فارتحل النبي ﷺ" ١ والحديث مرسل ورجاله ثقات.
١٦٧- وأخرج ابن سعد قال: أخبرنا عمرو٢ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٣ أخبرنا الحسن٤ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال: فرمى رجل من فوق سورها فقتل، فأتى عمر فقال: "يا نبي الله ادع على ثقيف، قال: إن الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا٥.
والحديث مرسل، ورجاله ثقات.
وعند ابن إسحاق بلاغا أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: "يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبة٦ مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها". فقال أبو بكر: "ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد"، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا لا أرى ذلك" ٧.
١٦٨- وروى الواقدي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله ﷺ نوفل٨ بن معاوية الديلي، فقال: "يا نوفل ما تقول أو ترى؟ "
_________________
(١) ١ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٦ و٨٧ أرقم (٦٦٥) . ٢ عمرو بن عاصم: صدوق تقدمت ترجمته في حديث (٧١) . ٣ أبو الأشهب: هو جعفر بن حيان، ثقة، تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) . ٤ الحسن: هو البصري، ثقة فقيه، فاضل مشهور تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) ومرسله ضعيف عند العلماء (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص ١٢٣-١٢٤) . ٥ الطبقات الكبرى ٢/١٥٩. ٦ قعبة: القعب: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر، أو يروي الرجل، جمع أقعب وقعاب وقعبة. والزبد: بضم الزاي وسكون الموحدة: زبد اللبن القاموس المحيط ١/١١٨و٢٩٧) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٤ والروض الأنف ٧/٢٣٦، ومغازي الواقدي ٣/٩٣٦ وتقدم الحديث برقم (١٦٤) . ٨ نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر الديلي - بكسر المهملة وسكون التحتانية - أبو معاوية شهد بدرًا والخندق مع المشركين وكان له ذكر ونكاية. ثم أسلم وشهد الفتح وحنينا والطائف، ونزل المدينة فمات بها في خلافة معاوية وقيل في أول خلافة يزيد، عاش نوفل مائة وعشرين سنة، ستون سنة في الجاهلية وستون سنة في الإسلام (التقريب ٢/٣٠٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٩٢) .
[ ٣٣٦ ]
فقال نوفل يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئا".
قال أبو هريرة: "ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتحها"١.
وعنده أيضا: "قال: قال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وهو على حصن الطائف: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لاقيتم أحدا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشر محبس، ثم تنصرفون لم تدركوا شيئا مما تريدون.
نحن قسي وقسا أبونا
والله لا نسلم ما حيينا٢
وقد بنينا طائفا حصينا
فناداه عمر: "يا ابن حبيب والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج، فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك".
فقال عمر: "لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، ولن نبرح عن باب جحرك حتى تموت! "
قال: يقول أبو بكر: "يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ "
فقال: نعم، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "لم يؤذن لك يا رسول الله في فتحها؟ قال: "لا".قال: أفلا أؤذن في الناس بالرحيل! قال رسول الله ﷺ: "بلى" فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف!
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٦-٩٣٧ وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩ وزاد المعاد ٣/٤٩٧ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيرة الحلبية ٣/٨٢ وفتح الباري ٨/٤٥) . ٢ في مغازي الواقدي: "نحن قسي وأبونا قسا" وهذا لا يستقيم مع ما بعده وقد صوبتها من أنساب الأشراف للبلاذري الذي هو تلميذ ابن سعد المعروف، بكاتب الواقدي، وانظر أنساب الأشراف ص ٣٦٧.
[ ٣٣٧ ]
لا نبرح حتى يفتح الله علينا؟ والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا قد لقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرق الله تلك الجموع! وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا! وكثر القول بينهم والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا، فقال أبو بكر - ﵁ -: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى وقال: قد رأينا الحديبية ودخلني في الحديبية من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله ﷺ يومئذ بكلام ليت أني لم أفعل، وأن أهلي ومالي ذهبا ثم كانت الخيرة لنا من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرًا للناس من صلح الحديبية – بلا سيف دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل – من يوم بعث رسول الله ﷺ إلى يوم كتب الكتاب، فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله ﷺ ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدا! والأمر أمر الله وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء! ١.
وهذه الآثار تدل على أن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، وقد تقدم ما نقله ابن كثير من الحكمة في ذلك٢.
ولذا فإن رسول الله ﷺ لما رأى صعوبة الموقف وتأزم الأمور وكثرة الإصابات في أصحابه، أشار إليهم بترك الحصار والرجوع إلى الجعرانة ولكن لما رأى تحمس أصحابه وتصميمهم على الفتح ورغبتهم في ذلك واصل بهم حتى وافقوا في نهاية المطاف وعلموا أن المصلحة فيما رآه رسول الله ﷺ وهذا هو صريح حديث الصحيحين وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
١٦٩- حدثنا علي٣ بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله٤ بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٥-٩٣٦. ٢ ص ٣٣٢. ٣ علي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان: هو ابن عيينة، وعمرو: هو ابن دينار، وأبو العباس: هو السائب بن فرخ المكي الأعمى. ٤ اختلف في هذا الحديث هل هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص أو عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومدار الحديث على سفيان بن عيينة، وقد اختلف فيه عليه، فمنهم من قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومنهم من رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ومنهم من رواه بالشك، وقد رجح كونه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: يحيى بن معين، والدارقطني، وأبو زيد المروزي، وأبو بكر البرقاني قال ابن حجر: واخرج الحديث الطبراني من رواية إبراهيم بن يسار وهو ممن لازم ابن عيينة جدا، والذي قال عن ابن عيينة في هذا الحديث: "عبد الله بن عمر" وهم الذين سمعوا منه متأخرًا كما نبه عليه الحاكم، وقد بالغ الحميدي في إيضاح ذلك فقال في مسنده في روايته لهذا الحديث عن سفيان "عبد الله بن عمر بن الخطاب" وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق عثمان الدارمي عن عليّ بن المديني قال: "حدثنا به سفيان غير مرة يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يقل عبد الله بن عمرو بن العاص. وعند أبي عوانة: بلغني أن إسحاق بن موسى الأنصاري وغيره قالوا": "عبد الله بن عمرو" ورواه عنه - أي سفيان - من أصحابه ممن يفهم ويضبط فقالوا: "عبد الله ابن عمر". وعند أحمد في هذا الحديث: فقيل لسفيان: ابن عمرو، قال: لا. ابن عمر (شرح النووي لصحيح مسلم ٤/٤٠٩ وفتح الباري ٨/٤٤-٤٥ و١٠/٥٠٥) .
[ ٣٣٨ ]
فلم ينل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شاء الله، فثقل١ عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه٢، وقال مرة: نقفل، فقال: اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فأعجبهم فضحك٣ ﷺ. وقال سفيان مرة: فتبسم. قال: قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله٤.
ورواه عن قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار به ولفظه لما كان رسول الله بالطائف قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: لا نبرح أو نفتحها٥، فقال النبي ﷺ: "فاغدوا على القتال، فغدوا
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "فكان المسلمون كرهوا ذلك". ٢ وعند مسلم: قال أصحابه "نرجع ولم نفتحه". وعند ابن أبي شيبة: "فقال المسلمون نرجع ولم نفتحه". وعند أبي يعلى فقال أصحابه: "نرجع ولم نفتح". وعند أبي عوانة فقال المسلمون: "نرجع ولم نفتحه". ٣ قال النووي::معنى الحديث أنه ﷺ قصد الشفقة على أصحابه والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويتهم، مع أنه ﷺ علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، كما جرى، فلما رأى حرص أصحابه على المقام والجهاد أقام، وجد في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى مكان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك، لما رأوا من المشقة الظاهرة، ولعلهم نظروا فعلموا أن رأي النبي ﷺ أبرك وانفع وأحمد عاقبة وأصوب من رأيهم، فوافقوا على الرحيل، وفرحوا، فضحك النبي ﷺ تعجبا من سرعة تغير رأيهم" شرح صحيح مسلم ٤/٤١٠) وشرح المواهب ٣/٣٣. ٤ البخاري: الصحيح ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف. ٥ قوله: (لا نبرح أو نفتحها) قال ابن التين: "ضبطناه بالرفع والصواب: النصب، لأن "أو" إذا كانت بمعنى "حتى أو إلى أن نصبت"، وهي هنا كذلك (فتح الباري ١٠/٥٠٥) . وانظر: قطر الندى لابن هشام ص:٦٨،وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢/٣٤٦.
[ ٣٣٩ ]
فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله ﷺ: "إنا قافلون غدا إن شاء الله، قال فسكتوا١، فضحك رسول الله ﷺ".
ورواه عن عبد الله بن محمد٢ حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار به، ولفظه قال: "حاصر النبي ﷺ أهل الطائف فلم يفتحها، فقال: إنا قافلون إن شاء الله، فقال المسلمون: "نقفل ولم نفتح؟ " قال: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم٣ جراحات، قال النبي ﷺ: "إنا قافلون غدا إن شاء الله، فكأن٤ ذلك أعجبهم، فتبسم رسول الله ﷺ" ٥.
ورواه مسلم والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وأبو عوانة والبيهقي كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به٦.
وعند الواقدي من حديث أبي هريرة قال: "وأمر رسول الله ﷺ عمر ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ: "فاغدوا على القتال"، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله ﷺ: "إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "فسر المسلمون، وضحك رسول الله ﷺ". ٢ هو أبو بكر بن أبي شيبة. ٣ وعند الحميدي "فأصابتهم جراحة شديدة". ٤ وعند الحميدي "فكأنهم اشتهوا ذلك وسكنوا إليه، قال: فضحك رسول الله ﷺ. ٥ البخاري: الصحيح ٨/٢٠ كتاب الآداب، باب التبسم والضحك و٩/١١٣ كتاب التوحيد، باب في قوله الله تعالى: تؤتي الملك من تشاء إلخ. ٦ مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٢ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف. الحميدي: المسند ٢/٣٠٩، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥و ٨٦ أرقم ٦٦٥. وأحمد: المسند ٢/١١، وأبو يعلى: المسند ٥/٥٢٩ أرقم (٣٠٥) . وأبو عوانة: المسند ٤/٢١٣ و٢١٤، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ أ - ب.
[ ٣٤٠ ]
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: "قولوا آيبون تائبون لربنا حامدون" ١.
وقيل: "يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وآت بهم" ٢.
وحديث الدعاء على ثقيف أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي الزبير، مسندا، وابن أبي شيبة مرسلا.
١٧٠- وهذا سياق الترمذي: حدثنا أبو سلمة٣ يحيى بن خلف أخبرنا عبد الوهاب٤ الثقفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قالوا: "يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: "اللهم أهد ثقيفا" ٥. ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
قال الألباني: "هذا الحديث على شرط مسلم ولكنه من رواية أبي الزبير معنعنا وهو مدلس".
_________________
(١) ١ هكذا ذكر هذا الدعاء الواقدي وابن سعد في هذه الغزوة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ما يشهد لهذا ولفظه: قال ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون. صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". (البخاري ٣/٧ كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو) . و٤/٦١ كتاب الجهاد، باب ما يقول إذا رجع من الغزو. و٥/٩٣ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، و٨/٦٩ كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفرًا أو رجع. ومسلم ٢/٩٨٠ كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره. ورواه مالك في الموطأ ١/٤٢١ كتاب الحج، باب جامع الحج. ٢ الواقدي: المغازي ٣/٩٣٦-٩٣٧، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٩ والزرقاني شرح المواهب ٣/٣٤ وانظر الحديث رقم (١٦٧) . ٣ يحيى بن خلف الباهلي، أبو سلمة البصري، الجوباري - بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة - صدوق من العاشرة (ت ٢٤٢) /م د ت ق (التقريب ٢/٣٤٦ وتهذيب التهذيب ١١/٢٠٤) . ٤ عبد الوهاب ثقة، وعبد الله بن عثمان صدوق، وقد تقدمت ترجمتها في حديث (١٦٤) . ٥ الترمذي: السنن ٥/٣٨٥-٣٨٦ كتاب المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة.
[ ٣٤١ ]
وقد تابعه عبد الرحمن١ بن سابط عند أحمد، ولكنه لم يسمع من جابر، كما قال ابن معين٢.
وهذا سياق حديث أحمد المشار إليه قال:
حدثنا محمد٣ بن الصباح ثنا إسماعيل٤ بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط وأبي الزبير عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اهد ثقيفًا".
قال عبد الله٥: "وسمعته أنا من محمد بن الصباح، فذكر مثله"٦.
وهذه المتابعة لا تجدي شيئا لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر فيكون الحديث منقطعا.
وأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمة إسماعيل بن زكريا ثم قال: تفرد به عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم٧.
والحديث رواه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير مرسلًا٨.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن سابط، ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط وهو الصحيح ثقة كثير الإرسال من الثالثة (ت ١١٨) م د ت س ق (التقريب ١/٤٨٠ وتهذيب التهذيب ٦/١٨٠) . ٢ حاشية مشكاة المصابيح ٣/١٦٩٠ وحاشية فقه السيرة للغزالي ص ٤٣٢ ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ٧-٨ و٣٤-٣٥ وانظر: تهذيب التهذيب ٦/١٨٠. ٣ محمد بن الصباح الدولابي، أبو جعفر البغدادي، صاحب السنن- ثقة حافظ، من العاشرة (ت ٢٢٧) /ع (التقريب ٢/١٧١ وتهذيب التهذيب ٩/٢٢٩) . ٤ إسماعيل بن زكريا بن مرة، الخلقاني - بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف- أبو زياد الكوفي، لقبه شقوصا- بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة - صدوق يخطئ قليلا، من الثامنة (ت ١٧٤ وقيل قبلها) / ع (المصدر السابق ١/٦٩و١/٢٩٧ وتاريخ بغداد ٦/٢١٨ وميزان الاعتدال ١/٢٢٩) . وقد وقع في التقريب أن وفاة إسماعيل ٩٤ أي بعد المائة وهو خطأ. ٥ عبد الله هو ابن أحمد بن حنبل. ٦ مسند أحمد ٣/٣٤٣. ٧ ميزان الاعتدال ١/٢٢٨-٢٢٩. ٨ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥و٨٦ ب رقم ٦٦٥ وانظر حديث رقم (١٦٤) .
[ ٣٤٢ ]
وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير مرسلا أن رسول الله ﷺ دعا حين ركب فقال: "اللهم أهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.
والخلاصة أن الدعاء لثقيف رواه ابن سعد من مرسل الحسن البصري٢ وساقه مرة أخرى بدون إسناد، ورواه الترمذي وأحمد مسندا من حديث أبي الزبير، ورواه عنه ابن أبي شيبة مرسلًا.
وأبو الزبير مدلس وقد عنعن٣.
وتابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد، ولكن جزم ابن معين بأن عبد الرحمن لم يسمع من جابر، فيكون الحديث منقطعا.
وساقه ابن إسحاق بدون إسناد٤.
ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا. وفيه أيضا أبو علاثة٥.
فالحديث له ثلاث طرق: طريق أبي الزبير وقد عنعن وهو مدلس.
وابن إسحاق ساقه بدون إسناد، وهو من صغار التابعين فيكون الحديث معضلا. وطريق البيهقي، وفيها الإرسال، وراو لم توجد ترجمته. وطريق ابن سعد من مرسل الحسن البصري، ومرسله ضعيف عند العلماء، فالحديث بجميع طرقه ضعيف.
وهذه الآثار تدل على رحمة الرسول ﷺ وشفقته، حتى مع ألد أعدائه حيث طلب منه الصحابة أن يدعو على ثقيف. فدعا لهم بالهداية وقد استجاب الله دعاءه وجاءوا مسلمين بعد ذلك بدون عناء أو مشقة.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٤٩ ب وانظر حديث (١٣٨) . ٢ تقدم الحديث برقم (١٦٧) . ٣ وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين وهذه المرتبة لمن أكثر من التدليس ولم يحتج من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقا، ومنهم من قبلهم. (انظر: طبقات المدلسين ص ٧و ٣٢) . ٤ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٥٠ و٣٥٢ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٣و٣٥ و٤/٦. ٥ هو محمد بن عمرو بن خالد الحراني، لم أجد ترجمته.
[ ٣٤٣ ]
وقد ذكر ابن إسحاق أن طريق رسول الله ﷺ حين خرج من الطائف كانت على دحنا١ حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، وكان بها سبي هوازن ٢.
وعند الواقدي فأخذ على دحنا ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة٣.
١٧١- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله ٤ بن أبي بكر أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد معه حنينا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة إذا زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال: "أوجعتني فتأخر عني فانصرفت"، فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسني، وقال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال: فجئته وأنا أتوقع فقال لي: "إنك قد أصبت رجلي بالأمس، فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها، فأعطاني ثمانين نعجة، بالضربة التي ضربني" ٥.
والحديث فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه انقطاع فإن عبد الله بن أبي بكر لم أجد في ترجمته أنه روى عن أحد من الصحابة سوى أنس بن مالك.
وعند الواقدي وابن سعد نحو هذه القصة٦ وأن صاحبها هو أبو رهم٧ الغفاري، لكن ذكر ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر: "أن أبا رهم الغفاري
_________________
(١) ١ دحنا - بفتح أوله وسكون ثانية، ونون، يروى مقصورا وممدودا، وهي من مخاليف الطائف (معجم البلدان ٢/٤٤٤) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٦ والروض الأنف ٧/٢٤١. ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩. ٤ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني، ثقة من الخامسة (ت ١٣٥) / ع (التقريب ١/٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) . ٥ الطبري: تاريخ الرسل ة الملوك ٣/٩٣. ٦ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢٤٤. ٧ هو كلثوم بن الحصين أبو رهم - بضم الراء - صحابي مشهور من أصحاب الشجرة أسلم قديما وشهد أحد واستخلفه النبي ﷺ على المدينة مرتين، مرة في عمرة القضاء، ومرة في غزوة الفتح في خروجه إلى مكة وحنين والطائف فلم يزل أميرا عليها حتى انصرف رسول الله ﷺ من الطائف (الاستيعاب ٣/٣١٦ و٤/٦٩ مع الإصابة، وأسد الغابة:٤/٤٩٣و٦/١١٧، والإصابة ٤/٧٠-٧١ والتقريب ٢/١٣٦، وتهذيب التهذيب ٨/٤٤٣) .
[ ٣٤٤ ]
استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة عند خروجه إلى غزوة الفتح فلم يزل عليها حتى انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف"١.
وقد حصلت نحو هذه القصة لأبي رهم ولكن في غزوة تبوك جاء ذلك عند الإمام أحمد في مسنده ولفظه:
١٧٢- قال أبو رهم الغفاري: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز فأوخر راحلتي حتى غلبتني عيني نصف الليل فركبت راحلتي راحلته ورجل النبي ﷺ في الغرز فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله حس٢، فرفعت رأسي، فقلت: استغفر لي يا رسول الله" الحديث٣.
والحديث ضعيف لأن فيه ابن أخي أبي رهم٤.
وعند الواقدي أيضا أن مثل هذا حصل لعبد الله بن أبي حدرد في مسير رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، فقال: وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يقول: كنت مع النبي ﷺ في مسيرة وهو يحادثني، فجعلت ناقتي تلصق بناقته، وكانت ناقتي شهمة ٥ فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعني، فلصقت بناقة النبي ﷺ وأصيبت رجله فقال: "أخ٦! أوجعتني! فرفع رجله من الغرز٧ كأنها جمارة، ودفع رجلي بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينْزل في عذاب".
_________________
(١) ١ انظر المصادر السابقة. ٢ حس - بكسر السين والتشديد، وفتح الحاء المهملة - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضة أو أحرقه غفلة، كالجمرة والضربة ونحوهما. (النهاية في غريب الحديث ١/٣٨٥) . ٣ مسند أحمد ٤/٣٤٩-٣٥٠. ٤ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٥٣٤ ابن أخي أبي رهم "مقبول" من شيوخ الزهري، من السادسة / ع وانظر تهذيب التهذيب ١٢/٣١٨. ٥ شهمة: أي جلدة (مختار الصحاح ص ٣٥٠) . ٦ أخ: بفتح الهمزة وسكون الخاء: كلمة تكره وتأوه (القاموس المحيط ١/٢٥٦) . ٧ الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقا مثل الركاب للسرج. والجمارة: قلب النخلة وشحمها شبه ساقه ﷺ ببياضها، والمحجن: عصا معقفة الرأس (النهاية في غريب الحديث ١/٢٩٤و٣٤٧، ٣/٣٥٩) .
[ ٣٤٥ ]
قال: فلما نزلنا قلت لأصحابي: إني أرعى لكم! ولم يكن ذلك يوم رعيتي، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغيني؟
فقالوا: رسول الله ﷺ جاء يبغيك، فقلت في نفسي: هي والله هي! قلت: من جاء؟
قالوا رجل من الأنصار، قال: فكان أكره إلي وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة، قال: ثم جاء بعد رجل من قريش يبتغيني، قال: فخرجت خائفا حتى واجهت رسول الله ﷺ، فجعل يبتسم في وجهي وقال: أوجعتك بمحجني البارحة، ثم قال: خذ هذه القطة من الغنم، قال: فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة١.
ثم قال الواقدي أيضا: وكان أبو زرعة٢ الجهني يقول: "لما أراد ﷺ أن يركب من قرن راحلته القصواء وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطوى، فركب على الرحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف الناقة بالسوط كل ذلك يصيبني، فالتفت إلي فقال: أصابك السوط؟ قلت: نعم بأبي وأمي! قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة٣ من الغنم ناحية من الغنائم فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا! قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس، قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس، قال: فتأثلت٤ بها مالًا٥.
١٧٣- وعند الواقدي أيضا من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: اعترض لرسول الله ﷺ رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله ﷺ على راحلته، فقال: يا رسول الله، هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟
قال: رجل من أسلم، قال: إني لا أقبل هدية مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب لما لي بعينه مصدقا،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩-٩٤٠ وقوله: شاة ضائنة: أي من الضأن وهي الشاة من الغنم، وهي خلاف المعز (النهاية لابن الأثير ٣/٦٩) . ٢ هو: معبد بن خالد الجهني أبو زرعة (انظر الإصابة ٣/٤٣٩) . ٣ الربضة - بكسر الراء وسكون الموحدة: الجماعة من الغنم والناس، والأصل للغنم. (لسان العرب٩/٩) . ٤ تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره (المصدر السابق١٣/٨) . ٥ مغازي الواقدي ٣/٩٤٠.
[ ٣٤٦ ]
قال: وأقبل بريدة فلحق النبي ﷺ، فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومي شريف ينزل بالصفاح١، قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع٢ من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، قال: فخرج يعدو عراض٣ ناقة رسول الله وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معي إلى الجعرانة؟
فقال رسول الله ﷺ: "لا تسقها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنما أخرى إن شاء الله. قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا في عطن٤ الإبل، أفأ صلي فيه؟ قال: لا، قال: فتدركني وأنا في مراح٥ الغنم، فأصلي فيه؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟
_________________
(١) ١ الصفاح - بالكسر وآخره حاء مهملة: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش (معجم البلدان ٣/٤١٢) . وقال عاتق البلادي: "الصفاح: أرض خارج حدود الحرم على طريق العراق، إذا خرجت من أنصاب الحرم متجاوزا ثنية خل سرت فيها، وهي جرد أبيض سيله جنوبا إلى المغمس ثم عرنة، ويشرف عليها من الشمال جبل الستار ويغذيها بقسم كبير من مياهه". (معالم مكة المكرمة التاريخية والأثرية ص ١٥٣) . ٢ أمرع الوادي: اكلأ، والمريع: الخصيب المكلئ، كالمراع، جمع أمرع وأمراع، ومرع الوادي مثلثة الراء مراعة أكلأ كأمرع (مختار الصحاح ص ٦٢٢ والقاموس المحيط ٣/٨٤ والمعجم الوسيط ٢/٨٦١) . ٣ عراض: بكسر المهملة أي يسير حذاءه معارضا له (النهاية ٣/٢١١) . ٤ العطن: بالتحريك مبرك الإبل حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء لتعاد للشرب مرة ثانية (النهاية ٣/٢٥٨ والقاموس المحيط ٤/٢٤٨) . ٥ المراح: بضم الميم: حيث تأوى إليه الماشية بالليل، مختار الصحاح ص ٢٦٢، والمصباح المنير ١/٢٨٨-٢٨٩) . وقد جاء الأمر بالصلاة في مرابض الغنم والنهي عنها في أعطان الإبل، في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". أخرجه الترمذي في سننه ١/٢١٧-٢١٨ كتاب الصلاة وقال: حسن صحيح.
[ ٣٤٧ ]
ق ال: نعم، ويتيمم١، قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض، قال: تيمم، قال: فلحق النبي ﷺ بالجعرانة فأعطاه مائة شاة٢.
موقف سراقة
وكان ممن اعترض رسول الله ﷺ في طريقه إلى الجعرانة: سراقة بن مالك بن جعشم وكان معه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في أثناء هجرته ﷺ إلى المدينة، توضح ذلك الأحاديث الآتية:
١٧٤- قال الواقدي: وقال سراقة٣ بن جعشم: لقيت رسول الله ﷺ وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت٤، والناس يمضون أمامه أرسالًا٥، فوقعت في مقنب٦ من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوني٧ بالرماح ويقولون: إليك! إليك! ما أنت؟
وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أنه يسمع صوتي أخذت الكتاب الذي كتبه
_________________
(١) ١ وقد جاء في حديث أبي ذر الغفاري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير". رواه الترمذي ١/٨١ كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب وصححه. ٢ مغازي الواقدي ٣/٩٤١-٩٤٢. ٣ سراقة بن مالك بن جعشم - بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة - ابن مالك ابن عمرو بن تيم بن مدلج - بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام آخره جيم - ابن مرة بن مناة بن كنانة الكناني المدلجي يكنى أبا سفيان صحابي مشهور كان ينزل قديدا، كان من مسلمة الفتح كذا ذكره ابن حجر، وعند ابن إسحاق أنه أسلم في الجعرانة. مات سراقة سنة ٢٤ في خلافة عثمان وقيل بعد عثمان. (الطبقات الكبرى لابن سعد ١/١٨٨و٢٣٢ و٥/٩٠ والاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٣١) . التقريب ١/٢٨٤ وتهذيب التهذيب ٣/٤٥٦ والإصابة ٢/١٩ كلها لابن حجر. ٤ تحصل: تجمع وثبت. (القاموس المحيط ٣/٣٥٧) . ٥ أرسالًا: أفواجا وفرقا متقطعة يتبع بعضهم بعضا، واحدهم رسل: بفتح الراء والسين. (النهاية لابن الأثير ٢/٢٢٢) . ٦ مقنب: بكسر أوله: جماعة الخيل والفرسان (المصدر السابق ٤/١١١) . ٧ يقرعوني بالرماح: القرع الضرب بالسوط ونحوه (المصدر السابق ٤/٤٣) .
[ ٣٤٨ ]
أبو بكر، فجعلته بين أصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي! فقال رسول الله ﷺ: "يوم وفاء، أدنوه! فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله ﷺ في غرزة كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، وسقت إليه الصدقة فما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، في كل ذات كبد حرى١ أجر" ٢.
وذكر ابن إسحاق هذه القصة في سياق حديث الهجرة، وبين أن مجيء سراقة وإسلامه كان في الجعرانة، وأنه بعد ذلك رجع إلى قومه وساق صدقته لرسول الله ﷺ.
١٧٥- وهذا سياقه: قال: حدثني الزهري أن عبد الرحمن٣ بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه٤، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم".
قال: "فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة٥ ثلاثة مروا آنفا، وأني لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت
_________________
(١) ١ حرى: بفتح أوله بوزن فعلى. والمعنى: أن في سقي كل ذي كبد حرى أجرا (النهاية ١/٣٦٤) . ٢ مغازي الواقدي: ٣/٩٤١. ٣ عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن المدلجى وثقه النسائي وابن حبان، من الثالثة/خ ق (التقريب١/٤٩٦ وتهذيب التهذيب٦/٢٦٣ وقال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم (١/٤٩١) . ٤ مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو المدلجي، وأكثر ما يأتي منسوبا إلى جده، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وهو أخو سراقة الصحابي، قال ابن حجر: وأبوه مالك بن جعشم لم أر من ذكره في الصحابة، فالظاهر أنه مات في الجاهلية فيكون لمالك بن مالك إدراك، إن لم يكن له صحبة. أخرج له خ ق (التقريب ٢/٢٢٦ وتهذيب التهذيب ١٠/٢١ والإصابة ٣/٤٨٥) . ٥ ركبة: بالتحريك، أقل من الركب، والركب من أسماء الجمع، كنفر ورهط (النهاية ٢/٢٥٦و٢٥٧) .
[ ٣٤٩ ]
إليه بعيني: أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي١ التي استقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتي٢. ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره"٣ قال: وكنت أرجوا لأن أرده٤ على قريش، فآخذ المائة الناقة قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه قال: فقلت: ما هذا؟
قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعتهما دخان كالإعصار٥، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه ظاهر، قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ "
_________________
(١) ١ القداح - بكسر أوله: جمع قدح، بكسر أوّله وسكون ثانيه، والاستقسام: طلب الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر، وهو استفعال منه، وكانوا في الجاهلية، إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا، أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي القداح، وكان على بعضها مكتوب: أمرني ربي وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر غفل. فإن خرج "أمرني" مضى لشأنه، وإن خرج "نهاني" أمسك، وإن خرج "الغفل" عاد، وأجالها وضرب بها أخرى إلى أن يخرج الأمر والنهي (المصدر السابق ٢/٣١١ و٤/٢٠و٦٣) . ٢ اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل السلاح، ولأمه الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفا (المصدر السابق ٤/٢٢٠) . ٣ لا يضره: أي السهم المكتوب فيه هذه الكلمة. ٤ في شرح المواهب: تعرض لهم بعد رواحهم من عند أم معبد، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في قديد وكان يوم الثلاثاء. (شرح المواهب اللدنية ١/٣٤٦ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٣٢) . ٥ الإعصار: ريح معها غبار شديد. (القاموس المحيط ٢/٩٠) .
[ ٣٥٠ ]
قال: فقال ذلك أبو بكر١، قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة٢، أو في خزفة٣ ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي٤، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته، قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون إليك! إليك! ماذا تريد؟
قال: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت يا رسول الله، هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله ﷺ: "يوم وفاء وبر، أدنه"، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: "يا رسول الله، الضالة٥ من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: "نعم، في كل ذات كبد حرى أجر".
ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي٦.
والحديث رواه موسى بن عقبة فقال: حدثنا ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكا أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم
_________________
(١) ١ عند ابن إسحاق والواقدي: "أن الذي كتب لسراقة هو أبو بكر الصديق". وعند البخاري: "أنه عامر بن فهيرة" قال الزرقاني: "والجمع بين هذا أن عامرًا لما كتب طلب سراقة كتابة أبي بكر الصديق لشهرته وعظمته". (شرح المواهب ١/٣٤٨) . ٢ الرقعة: بالضم المراد بها هنا قطعة من أدم كما جاء عند البخاري. ٣ الخزف، محركة: كل ما عمل من طين وشوى بالنار حتى تكون فخارا. (القاموس المحيط ٣/١٣٢) . ٤ الكنانة: بالكسر: الجعبة التي يجعل فيها السهام. (النهاية ١/٢٧٤، القاموس المحيط ٤/٢٦٤) . ٥ هذا الجزء من الحديث رواه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق، وأحمد من طريق ابن إسحاق أيضا ومن طريق معمر عن الزهري (سنن ابن ماجه: ٢/١٢١٥ كتاب الأدب، باب فضل صدقة الماء، مسند أحمد: ٤/١٧٥) . (سيرة ابن هشام ١/٤٨٩-٤٩١) .
[ ٣٥١ ]
أخبره "أنه لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة" الحديث١.
وأخرج الحميدي هذا الحديث مختصرا في قدوم سراقة إلى الجعرانة وسؤاله رسول الله ﷺ، وهذا سياقه:
حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يخبر عن ابن سراقة٢ أو ابن أخي سراقة عن سراقة قال: أتيت رسول الله ﷺ بالجعرانة فلم أدر ما أسأله عنه. فقلت: يا رسول الله إني أملأ حوضي أنتظر ظهري يرد علي فتجيء البهمة٣ فتشرب فهل لي من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ: "لك في كل كبد حرى أجر"
قال سفيان: "هذا الذي حفظت عن الزهري، واختلط علي من أوله شيء فأخبرني وائل بن داود عن الزهري بعض هذا الكلام لا أخلص ما حفظت من الزهري وما أخبرنيه وائل، قال سراقة: أتيت نبي الله ﷺ وهو بالجعرانة فجعلت لا أمر على مقنب من مقانب الأنصار إلاّ قرعوا رأسي، وقالوا: إليك! إليك! فلما انتهيت إليه، رفعت الكتاب، وقلت: أنا يا رسول الله قال: وقد كان كتب لي أمانا في رقعة، فقال النبي ﷺ: "نعم، اليوم يوم وفاء وبر وصدق" ٤.
وقصة تفاصيل هجرة رسول الله ﷺ وتعرض سراقة له أثناء الهجرة ومحاولته القبض على رسول الله ﷺ وطلبه في نهاية الأمر من رسول الله ﷺ كتاب أمن، ثابت في صحيح البخاري من حديث عائشة (دون مجيء سراقة إلى الجعرانة) ٥.
_________________
(١) ١ البيهقي: دلائل النبوة ٢/٢١٩-٢٢١ وحصل خطأ مطبعي في الدلائل وهو: حتى إذا فتح الله مكة وفرغ رسول الله ﷺ من أهل "خيبر" والصواب: من أهل حنين لأن خيبر فتحت قبل فتح مكة. ٢ ابن سراقة: هو محمد بن سراقة (ذكره ابن الأثير وابن حجر في ترجمة والده ولم أجد ترجمته، والحديث رواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة كلاهما عن الزهري عن ابن أخي سراقة بن مالك وهو عبد الرحمن بن مالك، ورواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال: عن ابن أخي سراقة، والبخاري عن عقيل عن الزهري، فقد رواه عن الزهري بدون شك ابن إسحاق وموسى بن عقبة ومعمر وعقيل. ٣ البهمة: هي ولد الضأن الذكر والأنثى، والجمع بهم (النهاية ١/١٦٨) وقال حبيب الرحمن الأعظمي المحقق لمسند الحميدي، وفي نسخة (ظ) بهيمة، قلت: وهذه اللفظة أشمل ولعلها أرجح من لفظ (بهمة) وذلك لأن في حديث ابن إسحاق وموسى بن عقبة فتأتي الضالة من الإبل، والإبل لا تدخل في لفظ بهمة، وتدخل في لفظ بهيمة؛ لأن البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حيى لا يميز جمع بهائم. (القاموس المحيط ٤/٨٢ والمصباح المنير ١/٨١) . ٤ الحميدي: المسند ٢/٤٠١وأحمد: المسند ٤/١٧٥. ٥ البخاري: الصحيح٥/٤٩-٥٢ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
[ ٣٥٢ ]