في نهاية غزوة حنين وزع رسول الله ﷺ الغنائم بطريقة لم تكن مألوفة للصحابة من قبل، فقد خص ﷺ المؤلفة قلوبهم بالحظ الأوفر من هذه الغنائم.
ولقد أحدث ذلك التقسيم في نفوس أجلاء الصحابة تساؤلا فيما بينهم وعجب بعض مشاهير الصحابة من ذلك الأسلوب الذي اتبع في توزيع غنائم حنين وظن بعض الصحابة أن في ذلك حرمانا لهم وهم القاعدة الصلبة التي تحطمت عليها جحافل الشرك في الغزوات كلها ومنها غزوة حنين، ولم يكن أولئك المؤلفة قلوبهم ومن شاكلتهم ليبلغوا معشار ما بلغه مشاهير الصحابة من النجدة والجهاد والصمود في وجوه أعداء الله ورسوله ﷺ، ومن هنا كان لا بد للباحث أن يبين الحكمة في توزيع غنائم حنين خاصة إذا ظهر أنها قد خفيت على أولئك العظماء من أصحاب الرسول ﷺ، ولم تظهر لهم إلا بعد أن بين لهم رسول الله ﷺ وجه الحكمة من ذلك، فاستبانوا الأمر وزال عنهم الإشكال، وسوف نمضي سياق النصوص الواردة في هذا الصدد لندرك من خلال التأمل والتدبر فيها وجه الحكمة في توزيع الغنائم ويزول الإشكال الذي عبر عنه بعض الأنصار بقولهم: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم"١.
لقد حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب والرؤساء الذين يحملون الحقد للإسلام ونبي الإسلام والذين كانوا من جملة الأسباب في هزيمة المسلمين في بداية المعركة فقد جاء في حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! ٢، فقال لها رسول الله ﷺ: "ما هذا الخنجر"؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله يضحك، قالت: يا رسول الله
_________________
(١) ١ انظر: ٤١٩-٤٢٠ من مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم تحت الحديث ٢٠٣. ٢ تقدم تخريجه برقم (٤٧) و(٦٠) .
[ ٣٩٠ ]
اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" وفي حديثه أيضا قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا" الحديث وفيه: "ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، وقال: فجعلت خلينا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" ١.
وفي حديث صفوان بن أمية - ﵁ - عند مسلم والترمذي وغيرهما وهذا سياق الترمذي:
١٨٥- "حدثنا الحسن٢ بن علي الخلال أخبرنا يحيى٣ بن آدم عن ابن المبارك٤ عن يونس٥ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي".
قال أبو عيسى: "حدثني بن علي بهذا أو شبهه".
ثم قال: حديث صفوان: "رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد ابن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية"٦.
وعند مسلم عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة" ٧.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٢ هو الحرواني ثقة حافظ. ٣ هو ابن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ. ٤ هو عبد الله بن المبارك، ثقة ثبت. ٥ هو ابن يزيد الأيلي ثقة، إلا أنه في روايته عن الزهري وهما قليلا، قاله ابن حجر في التقريب ٢/٣٨٦. ٦ الترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. ٧ وعند الواقدي: "ويقال إن صفوان طاف مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، وفيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال رسول الله ﷺ: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط، إلا نبي وأشهد أنك رسول الله (مغازي الواقدي ٣/٩٤٦) . وانظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٢.
[ ٣٩١ ]
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: "والله! لقد أعطاني١ رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" ٢.
والحديث عند الترمذي وابن سعد وأحمد والطبراني بلفظ عن سعيد بن المسيب "عن صفوان بن أمية" وظاهره الاتصال وعند مسلم والفسوي وابن عبد البر والبيهقي: "أن صفون بن أمية"٣ وظاهره الانقطاع بين "سعيد بن المسيب وصفوان بن أمية".
وقد رجح الترمذي الأخير.
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي فمازال يعطيني حتى صار وإنه لأحب الناس إلي". وعند ابن سعد: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحبّ الناس إليّ". ٢ مسلم: الصحيح ٤/١٨٠٦كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: "لا وكثرة عطائه ". والترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة، باب ماجاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. وابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٩ والطبراني المعجم الكبير ٨/٦٠ وأحمد: المسند ٣/٤٠١ و٦/٤٦٥ وقد رواه بسندين: الأول: قال حدثنا زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية به. والثاني: حدثنا زكريا بن عدي قال أنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن صفوان بن أمية به. ففي سند أحمد الأوّل زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب مباشرة، وفي السند الثاني بينه وبين سعيد بن المسيب ثلاثة من الرواة، وبهذا يكون قد سقط من السند الأوّل ثلاثة من الرواة. وأيضًا فقد ذكر ابن حجر في تقريبه: سعيد بن المسيب من كبار الطبقة الثانية وزكريا في كبار العاشرة، فبينهما ثمان طبقات (انظر: التقريب ١/٢٦١و٣٠٥) . ٣ الفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٠٩ وابن عبد البر: الشفا ١/١٢٣، والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٩. وحديث صفوان هذا نسبه الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ للبخاري ومسلم ونسبه السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨-٢٩، للبخاري دون مسلم، والظاهر أن نسبته للبخاري خطأ وإنما هو عند مسلم عن أبي الطاهر، وأحمد ابن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، وقد نسبه ابن الجوزي والمزي والنابلسي لمسلم دون البخاري. انظر: تحفة الأشراف للمزي ٤/١٨٩، حديث (٤٩٤٤) . وذخائر المواريث للنابلسي ١/٢٧٠ حديث (٢٤٢٣) وتلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ص ٣٩٤. والحديث رواه الطبري أيضا في جامع البيان ١٠/١٦٢ من طريق معمر عن الزهري قال: قال صفوان بن أمية الخ بإسقاط "سعيد بن المسيب".
[ ٣٩٢ ]
وأيده ابن العربي في عارضة الأحوذي حيث قال: الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية؛ لأن سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئا ولو حديثًا واحدًا، فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئا فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها١. اهـ.
إن هذا العطاء الجزيل من رسول الله ﷺ للمؤلفة قلوبهم وغيرهم ليدل على علو نفسه وغزارة جوده وعظيم سخائه، ومعرفته الكاملة بالدواء الذي يحسم الداء من أصله.
إن الحكمة والسياسة العادلة في هذا العطاء لأقوام دون آخرين هي إنقاذ أناس من النار بحطام زائل من الدنيا، ووكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، والإيمان واليقين، ويدل على هذا حديث عمرو ابن تغلب عند البخاري وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٦- حدثنا محمد٢ بن معمر قال حدثنا أبو عاصم٣ عن جرير بن حازم، قال سمعت الحسن٤ يقول حدثنا عمرو٥ بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتي٦ بمال أو سبي٧ فقسمه، فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا٨، فحمد٩ الله ثم أثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع
_________________
(١) ١ انظر: المباركفوري: تحفة الأحوذي ٣/٣٣٥ والألباني: تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٧-٤٢٨. ٢ هو ابن ربعي القيسي البصري البحراني - بالموحدة والمهملة. ٣ أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني. ٤ الحسن: هو البصري. ٥ عمرو بن تغلب - بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام ثم الموحدة - النمري - بفتح النون والميم - صحابي تأخر إلى الأربعين / خ س ق (التقريب ٢/٦٦ وتهذيب التهذيب ٨/٨-٩) . ٦ وفي لفظ عند البخاري والفسوي "قال: أتى النبي ﷺ مال، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه" وعند أحمد "أن رسول الله ﷺ أتاه شيء فأعطاه ناسا وترك ناسا فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا وقالوا". ٧ قال ابن حجر: "في رواية الكشميهني "بشيء" وهو أشمل" (فتح الباري ٦/٢٥٤) وفي رواية أحمد "أتاه شيء". ٨ عتب عليه يعتب ويعتب عتبا ومعتبًا، والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها من الموجدة والغضب (النهاية ٣/١٧٥) . ٩ وعند أحمد "فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إني أعطي ناسا وأدع ناسًا وأعطي رجالا وأدع رجالًا"، وعنده أيضًا، "إني أعطي أقوامًا وأرد آخرين".
[ ٣٩٣ ]
أحب إلي من الذي أعطي ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع١ وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى٢ والخير، فيهم عمرو بن تغلب٣. "فوالله٤ ما أحب أن لي بكلمة٥ رسول الله ﷺ حمر النعم"٦. تابعه يونس٧.
وفي حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعطي رجالًا حدثاء عهد بكفر أتألفهم أو قال: أستألفهم" ٨.
١٨٧- وفي حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله! اعط فلانًا؛ فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: "أو مسلم" أقولها ثلاثًا، ويردها على ثلاثًا "أو مسلم" ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة٩ أن يكبه الله في النار" ١٠.
_________________
(١) ١ الجزع - محرك ضد الصبر، والهلع: أشد الجزع والضجر. (النهاية ٥/٢٦٩ ومختار الصحاح ص:١٠٣،و٦٩٧) .وفي لفظ عند البخاري "إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم".وعنده وعند الفسوي "أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع". ٢ الغني: بالكسر والقصر: ضد الفقر (مختار الصحاح ص: ٤٨٣) وفي لفظ عند البخاري "من الخير والغنى". ٣ وفي لفظ عند البخاري وأحمد والفسوي وأبي نعيم "منهم عمرو بن تغلب". ٤ وعند البخاري أيضا "فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الخ" وعند أحمد "قال: وكنت جالسًا تلقاء وجه رسول الله ﷺ". ٥ قوله: "ما أحب أن لي بكلمة من رسول الله الخ" أي التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغنى. وقيل المراد: "الكلمة التي قالها في حق غيره، فالمعنى: لا أحب أن يكون لي حمر النعم بدلا من الكلمة المذكورة التي لي، أو يكون لي ذلك، وتقال تلك الكلمة في حقي" (فتح الباري ٦/٢٥٣) . ٦ البخاري: الصحيح ٢/١٠، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد) ٤/٧٤ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس ونحوه. و٩/١٢٥-١٢٦ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ وأحمد: المسند ٥/٦٥ والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٣٠ وأبو نعيم: حلية الأولياء ٢/١١ والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٨) . ٧ قال ابن حجر: "يونس هو: ابن عبيد، وقد وصله أبو نعيم في مسند يونس بن عبيد له، بإسناده عنه عن الحسن عن عمر بن تغلب" (فتح الباري ٢/٤٠٥) والمعنى: أن يونس تابع جريرًا في شيخه الحسن البصري. ٨ انظر مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم حاشية (٤) ص: ٤١٨. ٩ وفي لفظ "خشية أن يكب في النار على وجهه". ١٠ البخاري: الصحيح ١/١١ كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة الخ، ٢/١٠٥-١٠٦،كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومسلم: الصحيح١/١٣٢-١٣٣كتاب الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، و٢/٧٣٢-٧٣٣ كتاب الزكاة باب إعطاء من يخاف على إيمانه واللفظ له وأحمد: المسند١/١٧٦-١٨٢.
[ ٣٩٤ ]
قال ابن حجر: "الرجل المتروك اسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي"١.
قلت: قول الواقدي المشار إليه هو "قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري!.
فقال رسول الله ﷺ: "أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع٢ الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه" ٣.
١٨٨- وأخرج ابن إسحاق قال: حدثني محد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال: لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله اعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة ومائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! "٤.
ثم ساق مثل حديث الواقدي.
وأورده ابن حجر في الإصابة ثم قال: هذا مرسل حسن: لكن له شاهد موصول.
١٨٩- روى الروياني٥ في مسنده وابن عبد الحكم٦ في فتوح مصر من طريق بكر٧ بن سوادة عن أبي سالم٨ الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جعيلا؟ ".
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٨٠. ٢ طلاع الأرض، أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل (النهاية ٣/١٣٣) . ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٤٨. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٩١ والروض الأنف ٧/٢٥٠. ٥ الروياني، هو: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن هارون، صاحب المسند المشهور مات سنة سبع وثلاث مائة (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٧٥٢-٧٥٨) . ٦ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٥٧) س / له تاريخ مصر وغيره (التقريب ١/٤٨٧ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٨، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ٦٧. ٧ بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي أبو ثمامة المصري، ثقة فقيه من الثالثة (ت بضع وعشرين ومائة / خت م ع التقريب ١/١٠٦ وتهذيب التهذيب ١/٤٨٣) . ٨ هو سفيان بن هانئ المصري، أبو سالم الجيشاني - بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة - تابعي مخضرم، شهد فتح مصر، ويقال له صحبة، مات بعد ثمانين / م د س (المصدر السابق ١/٣١٢و٤/١٢٣) وفي الإصابة (٢/١١٣) قال ابن مندة اختلف في صحبته، ثم قال ابن حجر، قلت: "اتفق البخاري ومسلم وأبو حاتم والعجلي وابن حبان على أنه تابعي، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر وله رواية عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وكان قد وفد عليه وصحبه وروى أيضا عن أبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه ابنه سالم وحفيده سعيد بن سالم ويزيد بن أبي حبيب وبكر بن سوادة وآخرون ومات بالإسكندارية في إمرة عبد العزيز بن مروان، وكان عبد العزيز بن مروان أميرًا على مصر من قبل أبيه واستمر عشرين سنة من سنة (٦٠) إلى سنة (٨٦) وهو والد عمر بن عبد العزيز (تهذيب التهذيب ٦/٣٥٦) .
[ ٣٩٥ ]
قلت: مسكينا كشكله من الناس.
قال: "وكيف ترى فلانا؟ "
قلت: سيد من السادات
قال: "لجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا".
قال: قلت يا رسول الله، فلان هكذا وتصنع به ما تصنع.
قال: "إنه رأس قومه فتألفهم". إسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، ولكن لم يسم جعيلا١.
١٩٠- وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد، فأبهم جعيلا وأبا ذر٢.
وأخرجه أبو نعيم من طريق بكر بن سوادة أيضًا٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه ابن حبان مطولا كما في موارد الظمآن ص ٦٣٥ وفيه "قال أبو ذرّ: سألني رسول الله ﷺ عن رجل من قريش قال: "هل تعرف فلانا؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "فكيف تراه أو تره"؟ قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل قال: "ثم سألني عن رجل من أهل الصفة" قال: هل تعرف فلانا؟ قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، فما زال يحليه وينعته حتى عرفته يا رسول الله فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ فقلت: هو رجل مسكين من أهل الصفة فقال: "هو خير من طلاع الأرض من الآخر"، قلت: "يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى من بعض الآخر؟ فقال: إذا أعطي خيرا فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة". ٢ الإصابة ١/٢٣٩ والحديث في صحيح البخاري ٧/٨، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين ٨/٨٠، كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، ولفظه: "عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال: "ما تقولون في هذا؟ " قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال: أن يستمع"، قال: ثم سكت،. فمرّ رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال: أن لا يستمع"، فقال: رسول الله ﷺ: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". وأخرجه أيضا ابن ماجه في ٢/١٣٧٩ كتاب الزهد، باب فضل الفقراء، قال ابن حجر: في هذا الحديث قوله (مر برجل) لم أقف على اسمه ويؤخذ من رواية ابن إسحاق أنه عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس ثم ساق حديث ابن إسحاق. وأما المار الثاني: فإني لم أقف على اسمه ويؤخذ مما أخرجه الروياني في مسنده وابن عبد الحكم (في فتوح مصر) أنه جعيل بن سراقة (فتح الباري ٩/١٣٦ و١١/٢٢٧) . ٣ حلية الأولياء ١/٣٥٣.
[ ٣٩٦ ]
١٩١- وفي حديث رافع بن خديج - ﵁ - عند مسلم وغيره وهذا سياق مسلم:
حدثنا محمد١ بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان٢ عن عمر٣ بن سعيد بن مسروق عن أبيه٤، عن عباية٥ بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان٦ بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس٧ في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
ثم قال مسلم: وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وساق الحديث بنحوه.
وزاد: وأعطى علقمة بن علاثة٨ مائة٩.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر رسول
_________________
(١) ١ هو العدني. ٢ هو ابن عيينة. ٣ هو أخو سفيان الثوري. ٤ هو سعيد بن مسروق الثوري. ٥ عباية - بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية - خفيفة ابن رفاعة بن رافع ابن خديج الأنصاري الزرقي، من الثالثة. ٦ تقدم في حديث (١٨٥)، أن رسول الله ﷺ أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. ٧ قوله (يفوقان مرادس)، قال النووي: هو كذا في جميع الروايات غير مصروف وهو حجة لمن جوز ترك الصرف بعلة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر (شرح النووي ٣/١٠٣) . ٨ علاثة: بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبثاء مثلثة المصدر السابق ٣/١٠٣. ٩ مسلم: الصحيح ٢/٧٣٧ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، والحميدي: المسند ١/٢٠٠، والمعجم الكبير للطبراني ٤/٣٢٥، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥١ ب.
[ ٣٩٧ ]
الله ﷺ أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسًا من أشراف العرب، فآثارهم يومئذ في القسمة" الحديث١.
وفي حديث أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يوم حنين" الحديث٢.
وفي لفظ "لما أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل" ٣.
وفي لفظ: "وأصاب رسول الله ﷺ من غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء" ٤.
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ قال: "لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم" الحديث٥.
١٩٢- وعند الطبراني قال: حدثنا إسحاق٦ بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال أعطى النبي ﷺ حكيم بن حزام يوم حنين عطاء
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (١٨٣) . ٢ انظر حديث (٢٠٤) . ٣ انظر تحت حديث (٢٠٣) تعلقة (٦) ص ٤١٧) . ٤ انظر تحت حديث (٢٠٣) ص: (٤١٦) . ٥ انظر تخريجه برقم: (٢٠٥) . ٦ إسحاق بن إبراهيم بن عباد أبو يعقوب - الدبر - بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء - راوي كتب عبد الرزاق عنه. وقد استصغر في عبد الرزاق فسمع منه تصانيفه وهو ابن سبع سنين أو نحوها وقد روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة فوقع التردد فيها، هل هي منه فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق. وقد احتج بالدبري أبو عوانة في صحيحه وغيره وأكثر عنه الطبراني. قال الدارقطني في رواية الحاكم: "صدوق ما رأيت فيه خلافا، إنما قيل لم يكن من رجال هذا الشأن قلت: ويدخل في الصحيح! قال: إي والله وقد رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة، مات سنة ٢٨٥ على الأشهر أو ٢٨٧" (ميزان الاعتدال ١/١٨١-١٨٢ ولسان الميزان لابن حجر ١/٣٤٩-٣٥٠ واللباب لابن الأثير ١/٤٨٩) . ٧ أي: إن معمرًا روى هذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. ورواه أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير.
[ ٣٩٨ ]
فاستقبله١ فزاده، فقال: يا رسول الله أي عطيتك خير؟ قال: "الأولى". فقال له النبي ﷺ: "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذها بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له، وكان الذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى". قال: ومنك يا رسول الله، قال: "ومني". قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ بعدك أحدًا شيئًا أبدًا". قال: "فلم يقبل ديوانا ٣ ولا عطاء حتى مات" ٤.
فكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: "اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني ادعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: "إني والله لا أرزاك ولا غيرك، فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالًا"٥.
والحديث أخرجه الواقدي من طريق سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله ﷺ بحنين، مائة من الإبل فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه" الحديث.
ثم قال الواقدي أيضا وحدثني ابن أبي الزناد٦ قال: "أخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك" ٧.
_________________
(١) ١ لعل الصواب: فاستقله. ٢ لا أرزأ: أي لا آخذ من أحد شيئا بعدك (النهاية ٢/٢١٨) . ٣ الديوان - ويفتح مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل العطية، وأول من وضعه عمر بن الخطاب ﵁، جمعه دواوين ودياوين (القاموس المحيط ٤/٢٢٤) . ٤ قال ابن حجر: "وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه، وإنما أشهد عليه عمر - ﵁ - لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه" (فتح الباري ٣/٣٣٦) . ٥ المعجم الكبير للطبراني ٣/٢١٠. ٦ ابن أبي الزناد: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان. ٧ مغازي الواقدي ٣/٩٤٥.
[ ٣٩٩ ]
١٩٣- والحديث في الصحيحين وغيرهما من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير نحوه١ وليس فيه لفظ "حنين".
ومن المعلوم أن حكيم بن حزام من مسلمة الفتح، ومن مؤلفة قلوبهم، وأن هذا تأليف لأهل مكة إنما كان في غزوة حنين.
كما صرّح حديث الطبراني والواقدي بذلك، وأن تلك الأموال الكثيرة إنما كانت في غزوة حنين، ولم يقع بعد فتح مكة، غزوة حصلت فيها مثل تلك الغنائم في العهد النبوي سوى غزوة حنين، إن هذه العطايا من رسول الله ﷺ قد وقعت من نفوس القوم موقعها وظهرت الحكمة جلية من وراء ذلك، وهو استئلاف أناس للدخول في الإسلام أو تثبيتهم عليه، ووكل آخرين إلى إيمانهم.
قال ابن حجر: "اقتضت حكمة الله أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي من الطبع البشرى في محبة المال فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته، لأنها جلبت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، خلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٢/١٠٤ كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، و٤/٥ كتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و٤/٧٣ كتاب الفرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس، و٨/٧٩ كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "هذا المال خضرة حلوة". ومسلم: الصحيح ٢/٧١٧ كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، الترمذي: السنن ٤/٥٦ كتاب صفة القيامة. والنسائي: السنن ٥/٤٥ كتاب الوكالة، باب اليد العليا، ٥/٧٥-٧٧ من كتاب الزكاة أيضا، باب مسألة الرجل في أمر لا بد منه. والحميدي: المسند ١/٢٥٣ والدارمي: السنن ١/٣٢٦ كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة و٢/٢١٩ كتاب الرقاق، باب الدنيا خضرة حلوة. واحمد: المسند ٣/٤٣٤ والطبراني: المعجم الكبير ٣/٢١٠-٢١٣ والبيهقي: السنن الكبرى ٤/١٩٦ وقد نسب المزي في الأطراف وتبعه صاحب ذخائر المواريث - هذا الحديث للترمذي في كتاب الزهد عن سويد بن نصر، ولم أجده في كتاب الزهد بعد مراجعته مرارًا في الطبعة التي بين يدي، وقد تحصلت على الحديث في كتاب القيامة، وهو عن سويد بن نصر. (انظر: الأطراف للمزي ٣/٧٤ حديث: (٣٤٢٦)، وذخائر المواريث ١/١٩٧، حديث ١٧٨٨) .
[ ٤٠٠ ]
استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة". إهـ١.
١٩٤- "وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه" ٢.
ومن خلال ما سبق من النصوص التاريخية والأحاديث النبوية تبرز أمامنا حقيقتان:
الأولى: دقة نظر رسول الله ﷺ وعمق معرفته بدخائل النفوس البشرية وما يقوم اعوجاجها، حيث أعطى تلك العطايا السخية ومنح تلك المنح الهائلة لأناس يعادونه، وكفار لم يدخلوا في دين الله بعد وآخرين يتألف بهم قومهم لعلهم يهتدون ويسلمون، وكانت النتيجة التي توخها ﷺ من تخصيص هؤلاء الذين تألفهم بهذه العطايا أن أسلموا وحسن إسلامهم وكانوا جنودا صادقين في الدفاع عن الإسلام والانخراط في سلك المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
وعلى وجه الإيجاز كانت تلك الأعطيات بردا وسلاما على نفوس أولئك النفر وشفاء لما في صدورهم من مرض الضلال وحب المادة وقد عبروا أنفسهم عن هذا الإحساس وهذا التحول النفسي الخطير حين قال بعضهم "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لحب الخلق إلي" وكفى بهذه النتيجة العظيمة دليلا على حسن ذلك التقسيم للغنائم، وأنه واقع موقعه، وكيف لا يكون كذلك وهو عمل المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٩. ٢ صحيح مسلم ٤/١٨٠٦ كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.
[ ٤٠١ ]
الحقيقة الثانية: في هذه الغزوة تجلت قوة إيمان أصحاب الرسول ﷺ وثباتهم العظيم أمام مغريات المادة وأنهم كانوا كما قيل "يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع"١.
بل إنهم أعظم من هذا بكثير كانت غايتهم - ﵃ - الدفاع عن دينه ونشر الحق، ولم تكن المادة مسيطرة على نفوسهم ولا باعثة لهم على الجهاد كما يزعم ذلك أعداء اله من المستشرقين وأذنابهم، وهذا الموقف العظيم لهم من أعظم الأدلة على طهارة نفوسهم ووضوح هدفهم ونبل مقاصدهم في جهادهم في سبيل الله، ولقد رباهم الرسول الله ﷺ التربية الإسلامية الكاملة في معناها، ووثق ﷺ من إيمانهم ووكلهم إلى هذا الإيمان، وما كان تساؤلهم في مبدأ توزيع الغنائم ولا تعجبهم من ذلك التقسيم لها إلا بسبب خفاء الحكمة عليهم في ذلك حتى بين لهم الرسول ﷺ الحكمة من ذلك فرضوا وسلموا له تسليما ولم يبق في نفوسهم حرج ولا ميل عن الحق، بل كانوا مغتبطين بما أوضحه الرسول ﷺ لهم من أنه وكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير والإيمان واليقين.
وما دام الحديث عن المؤلفة قلوبهم والحكمة من إعطائهم فيحسن بنا أن نعرفهم ونسرد أسماءهم كما ذكر ذلك أهل المغازي وغيرهم فنقول:
_________________
(١) ١ ذكر ذلك الجاحظ في البيان والتبيين ٢/٤٥ بلفظ "فمن كلامه ﷺ حين ذكر الأنصار فقال: "أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" ولم أجده في كتاب من كتب الحديث.
[ ٤٠٢ ]
المؤلفة قلوبهم
أ- المؤلفة: جمع مؤلف، مأخوذ من التأليف، وهو المدارة والإيناس، يقال: تألف فلان فلانا إذا داراه وآنسه وقاربه وواصله حتى يستمليه١ إليه.
ب- وفي الاصطلاح: هم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة الإيمان منه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين٢.
قال ابن حجر: "المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل مسلمون أوّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم".
ثم قال: "وأما المراد بالمؤلفة هنا: فهذا الأخير، لقوله في الحديث "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ٣.
١٩٥- وقال ابن إسحاق٤: أعطي رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافًا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير٥، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم ابن حزام مئة بعير٦، وأعطى
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ٣/١١٩ ولسان العرب ١٠/ ٣٥٣ والمصباح المنير ١/٢٦) . ٢ جامع البيان للطبري ١٠/١٦١ والإفصاح لابن هبيرة ١/٢٢٤-٢٢٥، والمغني لابن قدامة ٦/٤٢٨-٤٢٩ والعدة شرح العمدة للمقدسي ص ١٤٢-١٤٣ والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين المرداوي ٣/٢٢٧ وتاريخ الخميس للدياربكري ٢/١١٤ والسيرة الحلبية لبرهان الحلبي٣/٨٥ والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ١/٦٢٣ و٦٢٤ و٦٢٥ ومنهاج المسلم للجزائري ص ٢٥٦. ٣ فتح الباري ٨/٤٨. ٤ وساق الطبري أسماء المؤلفة قلوبهم من غير طريق ابن إسحاق: فقال: حدثنا عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: أن المؤلفة قلوبهم الخ (جامع البيان ١٠/١٦١-١٦٢. ٥ وأربعين أوقية فضة، وأعطى ابنه معاوية ويزيد كل واحد مثله، فقال أبو سفيان لرسول الله ﷺ والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيرًا (مغازي الواقدي ٣/٩٤٤-٩٤٥) . ٦ وعند الواقدي: أنه سأل رسول الله ﷺ فأعطاه مائة، ثم مئة ثم مئة، ثم وعظه رسول الله ﷺ فأخذ المائة الأولى ثم ترك.
[ ٤٠٣ ]
الحارث١ بن الحارث بن كلدة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو ومئة بعير٢، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مئة بعير٣، وأعطى العلاء٤ ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير٥، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم:
مخرمة بن نوفل الزهري٦، وعمير بن وهب الجمحي٧.
وهشام٨ بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي لا أحفظ ما أعطاهم وقد عرفت أنها دون المئة.
وأعطى سعيد بن يربوع بن عن كثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل٩،
_________________
(١) ١ كان أبوه طبيب العرب وحكيمها، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قومه وأما أبوه الحارث بن كلدة فمات أوّل الإسلام ولم يصح إسلامه. (انظر: أسد الغابة ١/٣٨٤ و٤٢٠ و٢/٤٥ و٣/١٠ و٥/٢٠٩ و٤٩١ و٦/١٤٨-١٤٩) وانظر: ترجمة الحارث بن كلدة في الإصابة ١/٢٨٨) . ٢ زاد الزرقاني: (أخوه سهل) (شرح المواهب ٣/٣٧ وأسد الغابة ٢/٤٧٥. ٣ انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٤٥٤. ٤ العلاء بن جارية - بجيم وتحتية- كذا في الإصابة ٢/٤٩٧ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ ووقع في أسد الغابة ٤/٧٣ وفتح الباري ٨/٤٨. العلاء بن (حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة وكذا في جامع البيان للطبري ١٠/١٦٢ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ أن رسول الله ﷺ أعطاه خمسين بعيرا. ٥ تقدم في حديث (١٨٥) أن رسول الله ﷺ أعطاه مائة من النعم ثم مائة، ثم مائة. ٦ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ وأسد الغابة ٥/١٢٥ أن رسول الله ﷺ أعطاه خمسين بعيرا. ٧ في شرح المواهب قال: أعطاه رسول الله ﷺ خمسين من الإبل وذكر ابن عبد البر في المؤلفة: عمير بن ودقة وقال: "لم يبلغه رسول الله ﷺ مائة من الإبل من غنائم حنين وكذا قيس بن مخرمة وعباس بن مرداس وهشام بن عمرو وسعيد بن يربوع وسائر المؤلفة قلوبهم أعطاهم مائة مائة" (الاستيعاب ٢/٤٨٩) . وقال ابن حجر: "لم يذكر ابن إسحاق عمير بن ودقة في المؤلفة وذكر بدله "عمير بن وهب الجمحي" وبدل "قيس بن مخرمة" "مخرمة بن نوفل" الإصابة ٣/٣٥) . ٨ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ أعطاه خمسين من الإبل. ٩ انظر الاستيعاب: لابن عبد البر ٢/٤٨٩ مع الإصابة، والإصابة ٢/٥١-٥٢.
[ ٤٠٤ ]
وأعطى السهمي خمسين من الإبل١، وأعطى عباس بن مرداس أبا عمر فسخطها، فعاتب فيها رسول الله ﷺ، فقال عباس بن مرداس يعاتب رسول الله ﷺ
كانت نهابا تلافيتها بكري على المهر في الأجرع ٢
وإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع٣
وقد كنت في الحرب ذا تدرا فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلاّ أفائل٤ أعطيتها عديد قوامها الأربع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان شَيْخِيَّ في المجمع٥
وما كنت دون امرئ منها ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله ﷺ: "اذهبوا به، فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي٦، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ﷺ" ٧.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قال ابن هشام: اسمه عدي بن قيس السهمي، وروى ابن مردويه من طريق بكر بن بكار عن علي بن المبارك عن يحيى ابن أبي كثير في تسمية المؤلفة عدي بن قيس السهمي". ثم قال ابن حجر: "عند ذكره قيس بن عدي السهمي: قال: ذكره ابن إسحاق في السيرة الكبرى، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم فيمن أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين في المؤلفة دون المائة". وذكره الواقدي فيمن أعطاه مائة، ثم قال: "فلا أدري هل عدي بن قيس، وقيس بن عدي واحد انقلب، أو اثنان". وقال الزرقاني: "قال الشامي: الظاهر أنهما اثنان، لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك". (انظر الإصابة ٢/٤٧١ و٣/٣٥ و٢٥٥ ومغازي الواقدي ٣/٩٤٦ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٢ الأجرع: الأرض ذات الحزونة متشاكل الرمل. (المعجم الوسيط ١/١١٨) . ٣ قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عباس بن مرداس أتى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أنت القائل: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة ، فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله ﷺ هما واحد. فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، [سورة يّس: من الآية: ٦٩] . (سيرة ابن هشام ٢/٤٩٤) . ونسبه ابن كثير: لعروة بن الزبير وموسى بن عقبة عن الزهري (البداية والنهاية ٤/٣٦٠) . ٤ في القاموس المحيط ٣/٣٢٩: أفيل: كأمير ابن المخاض فما فوقه، والفصيل، جمعه أفال كجمال، وأفائل. ٥ شيخي: يعني أباه مرداسا، ويروى "شَيْخِيَّ" بتشديد الياء يريد أباه وجده، قال ابن هشام: "أنشدني يونس النحوي" فما كان حصن ولا حابس.. يفوقان (مرداس) في المجمع واستشهد بهذا البيت على ترك صرف ما ينصرف لضرورة الشعر. ٦ وعند مسلم في الصحيح أن رسول الله ﷺ أتم له مائة انظر حديث (١٩١) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٢-٤٩٤ والروض الأنف ٧/٢٤٦-٢٤٨.
[ ٤٠٥ ]
الحديث أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم به، ثم ساق سندا آخر عن عبد الله الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير ثم ساق جملة من المؤلفة١.
وقد سرد ابن هشام تسمية المؤلفة قلوبهم ونسبهم إلى بطونهم فقال:
١٩٦- حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: "بايع رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
أ- من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية٢.
ب- ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة٣ بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل٤ بن بعكك ابن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ج- ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير٥ بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالد بن هشام بن المغيرة، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٠ وجامع البيان ١٠/١٦١-١٦٢. ٢ وزاد غيره فيهم: معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان. وانظر حديث (١٩٥) وخالد بن أسيد - بفتح الهمزة وكسر السين هو أخو عتاب بن أسيد، وطليق بن سفيان كان هو وابنه حكيم بن طليق من المؤلفة قلوبهم، وعند ابن حزم: أن رسول الله ﷺ أعطى طليقًا وخالد بن أسيد كل واحد دون المائة (جوامع السيرة ص (٢٤٦) وانظر: أسد الغابة ٢/٨٩ و٣/٩٦) . ٣ هو الذي حاول الفتك برسول الله ﷺ يوم حنين، وكان ممن ثبت بعد ذلك وقاتل مع رسول الله ﷺ، ذكر ابن حزم أن رسول الله ﷺ أعطاه دون المائة. ٤ أبو السنابل: جمع سنبلة، وبعكك - بموحدة فمهملة، فكافين وزن جعفر - كره ابن حزم فيمن أعطي دون المائة، وكذا عكرمة بن عامر بن هاشم. ٥ قيل أنه أخو أم سلمة زوج رسول الله ﷺ، وزاد بعضهم في بني مخزوم: سعيد بن يربوع انظر حديث (١٩٥) . وعبد الرحمن بن يربوع، عثمان بن وهب المخزومي.
[ ٤٠٦ ]
د- ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم١.
هـ- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة٢ بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
وومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي٣.
ز- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبدود، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
ح- من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة ابن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
ط- ومن بنى قيس، ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة٤ بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر بن كلاب، ولبيد٥ بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
_________________
(١) ١ انظر: أسد الغابة ٢/٢٦١، و٥٣٤، و١١٢، و٣/٥٠١، و٤/٧٣، ٥/١٩١، و٦/٥٧، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٦) . ٢ أحيحة - بمهملتين مصغرا - أخو صفوان بن أمية، كان من المؤلفة قلوبهم (انظر أسد الغابة ١/٦٩، والإصابة ١/٢٣، شرح المواهب ٣/٣٧) . ٣ تقدم في حديث (١٩٥) حاشية ص ٤٠٥ تعليقة (١) قول ابن حجر: فلا أدري هل عدي بن قيس وقيس بن عدي واحد انقلب أو اثنان. وزاد الزرقاني في شرح المواهب ٣/٣٧: الجد بن قيس السهمي وقال: أورده ابن الجوزي في التلقيح. وقد راجعت أسد الغابة والإصابة فلم أجد من اسمه الجد بن قيس السهمي، وإنما الموجود الجد بن قيس الأنصاري السلمي وكان ممن يظن فيه النفاق وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ٤٩] . (أسد الغابة: ١/٣٢٧ والإصابة ١/٢٢٨) . ٤ قال ابن حجر: ثبت ذكره في الصحيح في حديث أبي سعيد الخدري من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عنه قال: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ بذهبية في تربتها، فقسمها بين (أربعة نفر: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة / وزيد الخيل) الحديث (الإصابة ٢/٥٠٣) . والحديث في صحيح البخاري ٤/١٠٩ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى (وإلى عاد أخاهم هودا) . وصحيح مسلم: ٢/٧٤١-٧٤٢ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، إلخ. وكذا ثبت ذكره في حديث رافع بن خديج عند مسلم انظر حديث (١٩١) . ٥ في أسد الغابة ٤/٥١٦: وكان لبيد بن ربيعة، وعلقمة بن علاثة العامريان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامهما.
[ ٤٠٧ ]
ي- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو ابن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
ك- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
ل- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر: أخو بني الحارث بن بهثة بن سليم١.
م- ومن بني غطفان، ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر.
ن- ومن بني تميم ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم٢.
فهؤلاء تسعة وعشرون شخصا ذكرهم ابن هشام.
قلت: وزاد غيره:
س- في بني أمية بن عبد شمس: معاوية بن أبي سفيان، يزيد بن أبي سفيان، خالد بن أسيد، طليق بن سفيان وابنه حكيم بن طليق٣.
ع- وفي بني مخزوم بن يقظة: سعيد بن يربوع، وعبد الرحمن بن يربوع، عثمان بن وهب المخزومي، عكرمة بن أبي جهل٤.
ف- وفي بني سهم: الجد بن قيس السهمي٥.
ص- وفي بني سليم: عمير بن مرداس اخو عباس بن مرداس.
ق- ومن بني هاشم: أبو سفيان الحارث بن عبد المطلب٦.
_________________
(١) ١ وزاد ابن الجوزي: عمير بن مرداس، أخو عباس بن مرداس، ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ٨/٤٨ والزرقاني في شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٤ -٤٩٦ والروض الأنف ٧/٢٤٨-٢٥٠. ٣ انظر حاشية ص ٤٠٦ تحت حديث (١٩٦) والقاموس المحيط ٣/١١٨. ٤ انظر شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٥انظر: حاشية ص٤٠٧تعليقة (٣) تحت حديث (١٩٦) والقاموس المحيط٣/١١٨-١١٩. ٦ انظر جامع البيان للطبري ١٠/١٦٢، نصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٧.
[ ٤٠٨ ]
ر- ومن ثقيف: العلاء بن جارية الثقفي١، وأسيد٢ بن جارية الثقفي، والأخنس٣ بن شريق، عمير بن الأخنس بن شريف٤.
ش- ومن بني تميم: عمرو بن الأهتم٥.
ت- ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام٦.
ث- ومن بني عبد مناف: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي٧.
خ-ومن بني نبهان: زيد بن مهلهل النبهاني، المعروف بزيد الخيل٨.
ذ- ومن بني عبد شمس بن عبدود: سهيل بن عمرو العامري، وأخوه سهيل بن عمرو٩.
ض-كعب بن الأخنس١٠.
فهؤلاء اثنان وخمسون رجلا.
قال الزرقاني: "وقد سردهم ابن الجوزي١١ في التلقيح وابن طاهر١٢ في "مبهماته" والحافظ في "الفتح" والبرهان١٣ في "النور" وهو أحسنهم وعند كل ما ليس
_________________
(١) ١ انظر حديث (١٩٥) . ٢ أسيد - بفتح الهمزة - (أسد الغابة ١/١٠٩ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٣ شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٤ الإصابة ٣/٢٨-٢٩. ٥ أسد الغابة ٤/١٩٦ وفتح الباري ٨/٤٨ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٦ انظر حديث (١٩٥) . ٧ انظر القاموس المحيط ٣/١١٨. ٨ انظر القاموس المحيط ٣/١١٨ وتعليقة (٤) من حاشية ص ٤٠٧ ٩ انظر شرح المواهب الدنية ٣/٣٧ وحديث (١٩٥) وتعليقة (٢) من ص ٤٠٤. ١٠ انظر شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ١١ هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي، وكتابه هذا يسمى "تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التواريخ والسير" وقد راجعته فلم أجده ذكر أسماء المؤلفة قلوبهم على نحو ما أشار الزرقاني. ١٢ هو أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف (بابن القيسراني) (ولد سنة ٤٤٨ وتوفي سنة ٥٠٧) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٢٤٢-١٢٤٥ والكتاني: الرسالة المستطرقة ص ١٠٢) . ١٣ هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الأصل (طرابلس الشام) المعروف (بسبط ابن العجمي)، ولد سنة: (٧٥٣هـ)، وتوفي سنة: (٨٤)، وله كتاب يسمى: (نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس) . (البدر الطالع للشوكاني ١/٢٨-٣٠ ومعجم المؤلفين لكحالة ١/٩٢-٩٣) .
[ ٤٠٩ ]
عند الآخر، ثم ساقهم الزرقاني فأوصلهم سبعة وخمسين رجلا ثم قال: فهؤلاء سبع وخمسون نفسا".
ثم قال: قال الحافظ: "وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف النصرى نظر. وقد قيل إنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة"١.اهـ.
وهؤلاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم وصاروا مجاهدين في سبيل الله الناشرين للدين الإسلامي في الآفاق، والذابين عنه.
قال ابن حزم: "وقد حسن إسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة ابن حصن فلم يزل مغموزًا".
وكان المؤلفة - مع حسن إسلامهم - متفاضلين في الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، حيكم بن حزام. وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع بن الأسود/ ومعاوية بن أبي سفيان. وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير.
وكان ممن أسلم يوم الفتح وبعده، من الأشارف نظراء من ذكرنا - ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم في الإسلام لله تعالى فلم يدخلهم مدخل من
_________________
(١) ١ شرح المواهب اللدنية ٣/٣٦-٣٧.وانظر: مغازي الواقدي٣/٩٤٤-٩٤٨ والطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٥٢-١٥٣ وتاريخ خليفة بن خياط ص:٩٠، والتفسير لابن أبي حاتم ٤/١١٤أرقم ٢٨٣، وكتاب المنمق في أخبار قريش لمحمد بن حبيب البغدادي ص ٥٣٢-٥٣٣ وكتاب المعارف لابن قتيبة ص: ١٤٩، وجامع البيان للطبري ١٠/١٠٠ و١٦١-١٦٢، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥-٢٤٧، ولسان العرب ١٠/٣٥٣ ونصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/١١٨-١١٩ وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٨ وتاريخ الخميس للديار بكري ٢/١١٤، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٨٤-٨٥ ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٣٠٨، وسيأتي في الأحكام بيان من أين يعطون وهل حكمهم باق أولا انظر ص (٦٨٤) .
[ ٤١٠ ]
أعطاه - عكرمة بن أبي جهل، وعتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وجبير١ بن مطعم٢.
قال ابن الجوزي: "اعلم أن من المؤلّفة أقوامًا تؤلفوا في بدء الإسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم فخرجوا بذلك عن حدّ المؤلّفة".
وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبار ببداية أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف، ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه، وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره، فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خيرًا.
١٩٧- وقد جاء عن أنس - ﵁ - قال: "كان٣ الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها"٤.
_________________
(١) ١ قد عد في المؤلفة جبير بن مطعم وعكرمة بن أبي جهل انظر فقرة (ث) و(ع) ص ٤٠٨-٤٠٩. ٢ جوامع السيرة ص ٢٤٨. ٣ الحديث في صحيح مسلم ولفظه "عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر". فقال أنس: "إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلاّ الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٤/١٨٠٦ كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا وكثرة عطائه. ٤ السيرة الحلبية ٣/٨٥-٨٦.
[ ٤١١ ]