٥١- يرسم بودلي الاسم " مخيريق" هكذا " مقريش" (٢) وهذا خطأ، والصواب ما ذكرناه " مخيريق" (٣) . ويزعم أنه لم يُسْلم أبدًا، ولكنه كان معجبًا بمحمد، فشاء أن يقدم بعض دلائل تقديره، ولذا أوصى بأمواله لمحمد يضعها حيث يشاء إذا مات. ويزعم أنه عندما مات دفنه محمد خارج مقابر المسلمين مباشرة (٤) .
لقد ذكر الواقدي (٥) إسلام مخيريق، ونص روايته: قالوا: وكان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت ورسول الله ﷺ بأحد: يا معشر اليهود، والله إنكم لتعلمون أن محمدًا نبي، وأن نصره عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت! ثم أخذ سلاحه، ثم حضر مع النبي ﷺ، فأصابه القتل، فقال رسول الله ﷺ: "مخيريق خير يهود" وقد كان مخيريق حين خرج إلى أحد قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراد الله! فهي عامة
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ٢٠٦.
(٢) انظر مثلًا: ابن هشام (٣/١٢٩)؛ ابن سعد (١/٥٠١) .
(٣) الرسول، ص ٢٠٧.
(٤) المغازي (١/٢٦٢ـ٢٦٣)، وقال الشامي في السبل (٤/٣١٢) ك "ذكر محمد بن عمر الأسلمي الواقدي" أنه أسلم.
[ ١٢٨ ]
صدقات النبي ﷺ.
وروى ابنُ شَبَّة (١) روايتين من حديث الواقدي في وصية مخيريق بماله لمحمد ﷺ يضعه حيث شاء، الأولى بسنده إلى عبد الله بن كعب بن مالك، والثانية بسنده إلى عثمان بن وثاب. وروى بسنده إلى الزهري أن الرسول ﷺ قال: "مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة" (٢) .
وأورد ابن حجر (٣) من رواية الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسنده إلى عثمان بن كعب بن محمد بن كعب بمثل رواية الواقدي في قصة مخيريق يوم أحد. وروى ابن سعد (٤) خمس روايات من طريق شيخه الواقدي بمعنى روايتي ابن شيبة من حديث الواقدي، الأولى موقوفة على محمد بن كعب القرظي، والثانية على عبد الله بن كعب بن مالك - وهي أولى روايات ابن شبة - والثالثة على عمر بن عبد العزيز، سمعها عمر من مشيخة المهاجرين والأنصار عندما كان واليًا على المدينة، والرابعة على أبي وَجْزَة يزيد بن عبيد الأنصاري، والخامسة على عثمان بن وثاب، وهي الثانية عند ابن شبة.
وروى كذلك ابن إسحاق (٥) قصة مصرعه يوم أحد ووصيته بماله لمحمد ﷺ يصنع فيه ما يشاء، وقول الرسول ﷺ فيه: "مخيريق خير يهود" (٦) .
من الواضح أن ابن حجر عندما عدَّ مخيريق من الصحابة وترجم له في
_________________
(١) أخبار المدينة، م٦، ج١، ص ١٧١.
(٢) المصدر نفسه، ص ١٦٩.
(٣) الإصابة (٣/٣٩٣) .
(٤) الطبقات (١/٥٠١-٥٠٢) .
(٥) ابن هشام (٣/١٢٩ـ١٣١) .
(٦) المصدر نفسه، (٣/١٣١)، بلاغًا.
[ ١٢٩ ]
الإصابة كان يستند إلى هذه الروايات التي تدل على أن لقصته وإسلامه يوم أحد أصلًا.
ومن العجيب أن يهمل بودلي رواية الواقدي التي ذكرت إسلام مخيريق أو على الأقل إيمانه بنبوة محمد ﷺ، ويستند في زعمه على عدم إسلامه ودفنه خارج مقابر المسلمين مباشرة، على رواية أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي عند ابن سعد (١) من حديث الواقدي، التي فيها: ".. وجد مخيريق مقتولًا به جراح، فدفن ناحية من مقابر المسلمين، ولم يصلِّ عليه، ولم يسمع رسول الله ﷺ يومئذ ولا بعده يترحم عليه، ولم يزده على أن قال: مخيريق خير يهود. فهذا أمره".
فلو كان بودلي منهجيًا أمينًا لما فعل هذا، وهذا المنهج الانتقائي للروايات ليس غريبًا في كتابات المستشرقين المتعصبين. فهم لا يريدون أي بينات على تصديق اليهود والنصارى بنبوة ورسالة محمد ﷺ. ولذا فهم ينتقون الروايات التي تدعم هذا الاتجاه.
وهناك حقيقة تاريخية أغفلها بودلي حين اعتمد رواية أبي وجزة دون غيرها. وهي أن الرسول ﷺ لم يستعن بغير المسلمين في جميع حروبه ضد المشركين، وبصفة خاصة رفضه الاستعانة باليهود المشركين يوم أحد. وقد أشرنا إلى هذا كله عند دحضنا لزعم بودلي اشتراك جماعة من غير المسلمين في معركة بدر الكبرى.
والسؤال البدهي: كيف يرفض الرسول ﷺ اشتراك جماعة من اليهود لم
_________________
(١) الطبقات (١/٥٠٢) .
[ ١٣٠ ]
يسلموا -يوم أحد- ويقبل اشتراك يهودي واحد لم يسلم؟! وكان في أمس الحاجة لقوة غير المسلمين في ذلك الوقت العصيب، وقت انسحاب عبد الله ابن أبي بن سلول بثلثي الجيش الإسلامي، ليصبح عدد المسلمين نحو سبعمائة مجاهد مقابل ثلاثة آلاف مقاتل من مشركي مكة!!
أما مسألة عدم الصلاة عليه، فلم يكن وحده الذي لم يصل عليه الرسول ﷺ، لأن في الصلاة على الشهداء خلاف بين العلماء. والأحاديث التي وردت في الصلاة عليهم لا تقوى على معارضة أحاديث نفي الصلاة عليهم (١) .
أما زعمه بأن الرسول ﷺ لم يزده على أن قال: "مخيريق خير يهود"، فهو كذلك غير صحيح، وذلك بدليل رواية الواقدي التي عند ابن شبة من حديث الزهري، والتي يقول: "مخيريق سابق يهود". وقد أهمل بودلي هذه الرواية، لأنه يمكن الاستدلال منها على إسلام مخيريق. فحديث الرسول ﷺ هنا يعني أنه مثل سلمان وبلال ﵃، كان مثالًا لليهود الذين سبقوا إلى الدخول في الإسلام.
وليس بمستغرب أن يكتم إسلامه أو يكون مترددًا إلى أن تأتي لحظة حاسمة فيقرر ترك التردد ويبدأ إعلان إسلامه بذروة الإسلام - الجهاد بالسيف - مثل أصيرم بني عبد الأشهل - عمرو بن ثابت بن أقيش أو دقش - الذي كان كارهًا للإسلام حتى كان يوم أحد، فأسلم حينها ولحق بالمسلمين في ميدان المعركة بأحد، وقاتل حتى نال الشهادة، وما صلى لله صلاة
_________________
(١) انظر مهدي رزق الله أحمد: السيرة النبوية، ط١، ص ٢٩٩ - ٤٠٠.
[ ١٣١ ]
واحدة (١) . وفي قصته الصحيحة ما يفيد بأن المسلمين ما كانوا يقبلون أن يجاهد معهم غير مسلم. فعندما رآه المسلمون في ميدان المعركة قالوا له: إليك عنا يا عمرو، قال: إني قد آمنت (٢) . وهذا يشهد لرواية الواقدي بأن مخيريق أسلم ولحق بالمسلمين يوم أحد، ولم يردوه عنهم لما علموه من إسلامه.
وهناك سؤال بدهي يتبادر إلى الذهن، وهو لماذا اعتمد بودلي رواية الواقدي في سبب زواج الرسول ﷺ من زينب بنت جحش ﵂، ولم يعتمد روايته في إسلام مخيريق؟! والجواب البدهي هو أن بودلي ينتقي الروايات التي يشمُّ منها رائحة الطعن في نبي الإسلام أو الإسلام ورموزه.
_________________
(١) روى قصته ابن إسحاق بإسناد حسن كما في سيرة ابن هشام (٣/١٣١)؛ أبو داود: السنن (٣/٤٣/ك. الجهاد /رقم ٣٧٢٥)، الحاكم: المستدرك (٣/٢٨)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) انظر المصادر المذكورة نفسها، وكذلك الشامي: السبل (٤/٣١٣) .
[ ١٣٢ ]