٣٥- يزعم بودلي (١) أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ لم يكن يحسن الخطابة، وأن أهل اليمن ضحكوا منه، ورماه بعضهم بالحجارة، ولم يقبلوا منه الإسلام، فحاربهم، ثم أعلن لمحمد ﷺ أنهم صاروا جزءًا من الإسلام.
إن كل الذي قاله بودلي هنا ليس صحيحًا. فعليٌّ كان يحسن الخطابة، بل كان من أمراء الفصاحة والبيان، كما تشهد بذلك خطبه ومواعظه وأشعاره، وكتب السيرة والتاريخ مليئة بها.
أما فيما يختص بموقف أهل اليمن من علي ففيه أربع روايات:
الأولى رواية البيهقي (٢)، من حديث البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، وكنت فيمن سار
_________________
(١) الرسول، ص ٢٨٥.
(٢) الدلائل (٥/٣٩٦ـ٣٩٧)، وقال: أخرجه البخاري مختصرًا من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف، قلت: وأصل هذا الأثر والحديث في البخاري (٤٣٤٩)، وقال محقق زاد المعاد (٣/٦٢٣) " وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه"؛ ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة (٤/٢٢٣٤)، وقال: أخرجه أبو عمر، ورواه الطبري في التاريخ (٣/١٣١ـ١٣٢)، من حديث البراء بن عازب، وإسناده حسن.
[ ٨٧ ]
معه، فأقام عليهم ستة أشهر لا يجيبونه إلى شيء، فبعث النبي عليَّ بن أبي طالب؛ وأمره أن يرسل خالدًا ومن معه إلا من أراد البقاء مع علي فيتركه، وكنت مع من عقب مع علي، فلما انتهينا إلى أوائل اليمن بلغ القوم الخبر، فجمعوا له، فصلى علي بنا الفجر، فلما فرغ صفنا صفًا واحدًا ثم تقدم بين أيدينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فلما قرأ كتابه خر ساجدًا وقال: "السلام على همدان، السلام على همدان".
والرواية الثانية من حديث الواقدي (١) وتلميذه ابن سعد (٢)، في خبر بعث الرسول ﷺ عليًا إلى اليمن للمرة الثانية، وفيها أنه خرج إلى اليمن، بلاد مذحج، في ثلاثمائة فارس، وعندما التقى بجمعهم دعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا أصحابه بالنبل والحجارة، فصف أصحابه، ودفع لواءه إلى مسعود بن سفيان السلمي، ثم حمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا، فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.. ثم قفل علي فوافى النبي ﷺ بمكة، قد قدمها للحج سنة عشر.
والرواية الثالثة عند الواقدي (٣)، عن سالم مولى أبي جعفر، مختصرة، وفيها أن الذين لقيهم علي وحاربهم كانوا جمعًا من زبيد وغيرهم.
_________________
(١) المغازي (٣/١٠٧٩)، بإسناد منقطع موقوف على أبي رافع.
(٢) الطبقات (٢/١٦٩ـ١٧٠)، وصدر الرواية بكلمة " قالوا"، مما يعني أنها من رواية شيخه الواقدي.
(٣) المغازي (٣/١٠٨١ـ١٠٨٢) .
[ ٨٨ ]
والرواية الرابعة عند الإمام أحمد (١)، بسنده إلى بريدة بن الحصيب ﵁، وهو ممن كان مع علي حين بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن، قال: "فلقينا بني زيد من أهل اليمن، فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية..".
والملاحظ أن بودلي اعتمد في زعمه على الرواية الثانية، أي رواية الواقدي، أو رواية ابن سعد من حديث الواقدي، والواقدي لا يحتج به، فما بالك إذا انفرد برواية. ولماذا لم يعتمد على الرواية الأولى، رواية البيهقي الصحيحة؟! وعلى أقل تقدير كان عليه أن يذكر جميع الروايات، وبخاصة أن الأولى تتعلق بقبيلة همدان، والثانية بقبيلة مذحج والثالثة بزبيد والرابعة ببني زيد. وواضح أن عقلية الانتقاء للروايات بما يناسب أغراضه هي التي تسيطر عليه.
وليس في الروايات الثلاث الأخرى ما يفيد أن عليًا ﵁ لم يكن يحسن الخطابة، وأن أهل اليمن ضحكوا منه ورماه بعضهم بالحجارة. فالرمي بالحجارة كما في رواية الواقدي في مغازيه وابن سعد في طبقاته، ليس بسبب عدم إحسانه الخطابة، بل كانت الحجارة من أسلحتهم مع النبل في حربهم جيش علي. وهكذا حَرَّف بودلي الرواية الضعيفة ليصل إلى هدفه، وهو أن الإسلام انتشر بالسيف، وأهمل الرواية الصحيحة التي تقول إن الإسلام انتشر بالدعوة في قبيلة همدان اليمنية. وأمثال هذا التحريف كثير في كتب المستشرقين الذين أخذ عنهم بودلي بصفة خاصة، ولو نظر في مصادر السيرة الأصلية: الكتاب والسنة وصحيح التاريخ، لما وقع في مثل هذه الأخطاء، ولما ضلل قراءه من حيث يعلم أو لا يعلم.
_________________
(١) المسند (٥/٣٠٦)؛وفضائل الصحابة (٢/٦٨٨)، بإسناد واحد في المصدرين، وهو إسناد حسن.
[ ٨٩ ]
وما دام الواقدي هو عمدة بودلي وغيره من مشايخه، فليعلم أن الواقدي (١) نفسه روى من حديث يونس بن ميسرة بن حُلَيس، ونصه قال: "لما قدم علي بن أبي طالب اليمن خطب به، وبلغ كعب الأحبار قيامه بخطبته، فأقبل على راحلته في حلة، معه حبر من أحبار اليهود، حتى استمعا له، فوافقاه، وهو يقول: إن من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، قال كعب: صدق! فقال علي: ومن يُعطِ باليد القصيرة يُعط باليد الطويلة. فقال كعب: صدق! فقال الحبر: وكيف تصدقه؟ قال: أما قوله: من الناس من يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار"، فهو المؤمن بالكتاب الأول ولا يؤمن بالكتاب الآخر. وأما قوله: "منهم من لا يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار"، فهو الذي لا يؤمن بالكتاب الأول ولا الآخر، وأما قوله: "من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة"، فهو ما يقبل الله من الصدقات. قال: وهو مثل رايته بيِّن! قالوا: وجاء كعبًا سائل فأعطاه حلته، ومضى الحبر مغضبًا! ومثلت بين يدي كعب امرأة تقول: من يبادل راحلة براحلة؟ فقال كعب: وزيادة حلة؟ قالت: نعم! فأخذ كعب وأعطى، وركب الراحلة ولبس الحلة، وأسرع السير حتى لحق الحبر وهو يقول: من يعط باليد القصيرة يعط باليد الطويلة.
تفيد هذه الرواية أن عليًا كان يخطب في أهل اليمن ولا يعترضه أحد أو يرميه بحجارة، وأن في خطبته حكمة وفصاحة وحسن تمثيل. فلماذا أهمل بودلي هذه الرواية واعتمد على الأخرى بعد تحريفها؟! إنه الغرض أو الجهل أو متابعة أهل الأغراض والأهواء دون بصر، ودون الرجوع إلى مصادرهم. فكان الخلط والخبط والضلال.
_________________
(١) المغازي (٣/١٠٨٢ـ١٠٨٣)، بإسناده إلى ابن الحليس.
[ ٩٠ ]
لا يخلو كتاب متعصب أو معتدل مزعوم من المستشرقين من الغمز واللمز في مواهب علي ﵁؛ فلامنس أحد مراجع بودلي، يتهمه بعدم الذكاء (١) . ودرمنجهم أحد مراجع بودلي كذلك، يتهمه بمحدودية الذهن، ويشكك في الروايات التي تصفه بالذكاء أو العبقرية (٢) .
_________________
(١) انظر مثلًا: دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الإنجليزية القديمة (٢/١٨٦)، ترجمة فاطمة بنت محمد؛ لامنس: المؤامرة الثلاثية، ص ١٢٢. [Lammens، H.: Le Triumvirat،p.١٢٢] .
(٢) إميل درمنجهم: حياة محمد، ص ٢٢٨، ٢٣٠.
[ ٩١ ]