٣٥- يشكك بودلي (٣) في إسلام النجاشي، فيقول: "وقد قيل إن النجاشي قد قبل الإسلام، ولكن لا يوجد ما يثبت ذلك تاريخيًا".
أقول: هناك ما يثبت إسلام النجاشي تاريخيًا، ومن ذلك ما روى البخاري (٤) ومسلم (٥) أن الرسول ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، في العام التاسع الهجري، وصلى بالمسلمين عليه صلاة الغائب، وقال حين دعاهم إلى الصلاة: "توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه".
وذكر ابن إسحاق (٦) في رواية له أن النجاشي لما مات كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور. ويفهم من هذه الرواية الصحيحة أنه مات مسلمًا. وذكر في رواية أخرى أن قومه خرجوا عليه لأنه أسلم، وقبل أن يخوض حربًا ضدهم هيأ للمسلمين الذين هاجروا إليه، سفنًا ليركبوها إذا
_________________
(١) الرسول ن ص ٢٣٦.
(٢) الفتح (٦/١٤١/رقم ١٢٤٥)، وانظر كلام ابن حجر هنا عن إسلامه.
(٣) صحيحه (٢/٦٥٦/رقم ٩٥١)، وفيه تصريح بأنه النجاشي، وفي روايتين أخريين صرح باسمه "أصحمة"، (٦/٢٢٨/رقم ٩٥٢) .
(٤) ابن هشام (١/٤٢٠)، بإسناد حسن لذاته.
[ ٩١ ]
انهزموا، وكتب كتبًا يُشهد فيها بإسلامه.. وبلغ ذلك النبي ﷺ. فلما مات استغفر له (١) .
فإذا كانت روايات البخاري ومسلم وابن إسحاق لا تعتمد في إثبات الحقائق التاريخية، فروايات من تلك التي تعتمد؟! روايات الواقدي؟! ربما! فالواقدي نفسه يروي أن النجاشي أسلم عندما وصله كتاب الرسول ﷺ يدعوه فيه إلى الإسلام، بل قال: "لو قدرت أن آتيه لأتيته" (٢) . وفي رواية له ضمن حديث عمرو بن العاص ﵁ في قصة إسلامه، أنه أعلن إسلامه لعمرو ابن العاص، بل أسلم عمرو بن العاص على يديه (٣) . وصرح في رواية ثالثة له بإسلام النجاشي، من حديث إسلام خالد بن الوليد (٤) .
ولك بعد هذا أن تعجب من جرأة هؤلاء المستشرقين على اقتحام ميدان التأليف في سيرة النبي ﷺ، وهم لا يملكون أدوات هذه المهنة ولا الحياء الذي لم يحرم الله منه حتى الحيوان. والحمد لله على الابتلاء!!!
_________________
(١) ابن هشام (١/٤٢١)، بإسناد مرسل حسن.
(٢) ابن سعد: الطبقات (١/٢٠٧ـ٢٠٨)، من حديث الواقدي.
(٣) الواقدي: المغازي (٢/٧٤٣) .
(٤) المصدر نفسه (٢/٧٤٦) .
[ ٩٢ ]