يزعم بودلي أن هند بنت عتبة، زوج أبي سفيان بن حرب، ووالدة معاوية ﵃، كانت شهوانية، ولها عشاق، ورفضت أن يمسها أحدهم حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، وأنها لم تُسْلم، وماتت كافرة (١) .
لم تذكر المصادر المعروفة المعتبرة هذه الصفة في هند بنت عتبة، لأنها كانت من الحرائر، ولها شرف في قومها، وكان زوجها زعيم قريش وقائدها في الحروب، وكان والدها عتبة وعمها شيبة ابنا ربيعة من سادة قريش وزعمائها، ولها موقف واضح من هذه الصفة المذمومة، وهو أنه عندما كان الرسول ﷺ يأخذ البيعة من النساء في اليوم الثاني من فتح مكة، وعندما قال ".. ولا تزنين"، قالت هند: وهل تزني الحرة (٢)؟!.
ولعل بودلي يشير في هذا الزعم إلى قصة طلاقها من الفاكه بن المغيرة المخزومي، حين اتهمها بأبي سفيان (٣)، يأتي ذكر هذا قريبًا.
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ١٥٧.
(٢) من رواية الطبري في التاريخ (٣/٦١ - ٦٢)، بلاغًا.
(٣) انظر: ابن حجر: الإصابة (٤/٢٩٦) .
[ ٥٤ ]
أما قوله إن هندًا لم تُسْلم وماتت كافرة، فلا أساس له من الصحة. فقد ذكرنا من رواية الطبري (١) أنها كانت ممن بايع الرسول ﷺ على الإسلام في اليوم الثاني لفتح مكة، وروى ذلك أيضًا ابن سعد (٢) .
وروى البخاري (٣) ومسلم (٤) وغيرهما (٥) خبر مجيئها إلى النبي ﷺ وقولها له: "يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحبَّ إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك..".
أما زعمه بأنه كان لها عشاق، فلم نقف على مصدر هذه المعلومة. والذي نرجحه أنه يشير هنا إلى حديث مسافر وهند، وخلاصته من رواية ابن حبيب (٦) وأبي الفرج الأصفهاني (٧) أن مسافر بن أبي عمرو كان يعشق هندًا بنت عتبة، فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة، فلم ترض ثروته وماله، فوفد على النعمان بن المنذر اللخمي ليستعينه على أمره. فبينما هو عند
_________________
(١) التاريخ (٣/٦١ - ٦٢)، بلاغًا. وانظر رأي ابن كثير في هذا الأثر، التفسير (٨/١٢٤) .
(٢) الطبقات (٨/٩)، من مرسل الشعبي، بإسناد صحيح، كما قال ابن حجر في الفتح (٤/٤٢٥)، وعن ميمون بن مهران.
(٣) مع الفتح (٤/٢٩٦ - ٢٩٧/ح٣٨٢٥) .
(٤) صحيحه (٣/١٣٣٩/ح١١٧١٤) .
(٥) ترجم لها ابن حجر في الإصابة (٤/٤٢٥ـ٤٢٦)، ولم يذكر خبرًا يطعن في حسن إسلامها وموتها على الإسلام الصحيح، ابن سعد (٨/ ٢٣٦) من حديث الواقدي عن موسى بن عقبة، ومغازي ابن عقبة من أصح المغازي كما شهد العلماء، وهو من رجال الكتب الستة.
(٦) المنمق في أخبار قريش، ص ٤٦١ـ٤٦٢، تصحيح وتعليق خورشيد أحمد.
(٧) الأغاني، (٨/٤٩) .
[ ٥٥ ]
النعمان، بلغه خبر زواجها من أبي سفيان، فمرض من الغم، فاستسقى بطنه، فكوي، فمات في طريق عودته إلى مكة.
وواضح من هذه القصة أن عشق مسافر لهند لم يكن عشق فجور، بل عشق عذري يفضي إلى الزواج. وهو أمر لا تنكره الشرائع السماوية.
وفي قصة هند مع الفاكه بن المغيرة دليل على أنها لم تكن ممن يتخذ العشاق. وخلاصة القصة أن هندًا كانت زوجًا للفاكه بن المغيرة قبل أبي سفيان، فطلبت منه الطلاق حين اتهمها في شرفها، فتزوجها أبو سفيان بعد طلاقها (١) .
إن اتخاذ النساء العشاق وممارسة البغاء في الجاهلية لم يكن من ممارسات الحرائر، بل من ممارسات الإماء، اللائي كن يُكْرهن أحيانًا على البغاء كما ذكر الله في القرآن: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] . ولا يعدو هذا الكلام في هند سوى الإساءة إلى أحد رموز الإسلام، معاوية ﵁.
وأما زعمه بأن هندًا رفضت أن يمسها أحد عشاقها حتى تثأر لموت أبيها يوم بدر، فهو كذلك زعم باطل. إذ إن الذي تذكره المصادر أنها أقسمت ألا تبكي على أبيها وأخيها وعمها وبقية أهل بيتها الذين قتلوا ببدر، وألا تمس
_________________
(١) انظر القصة بتمامها عند ابن حبيب في المنمق، ص ١١٨ - ١٢١.
[ ٥٦ ]
الدهن، ولا تقرب فراش زوجها، حتى تأخذ ثأرها من محمد وأصحابه (١) .
فأين هذه الرواية من كلام بودلي؟ ! إنه التشويه المتعمد لحقائق التاريخ (٢) .
_________________
(١) الواقدي: المغازي (١/١٢٤) .
(٢) إن التشويه المتعمد لحقائق التاريخ سمة بارزة في كتابات المستشرقين المغرضين، وقد وقفنا على أمثلة كثيرة من هذا النوع من التشويه عند دراستنا لكتابات لامنس في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي. وتجدر الإشارة هنا إلى بحثنا الثاني عن لامنس بعنوان: " افتراءات المستشرق لامنس على التاريخ الإسلامي"، والذي فيه الكثير من الأمثلة.
[ ٥٧ ]