لم نقف على هذا الزعم في المصادر التي بين أيدينا، بل ذكرت ما ذكره بودلي (٢) في مكان آخر في هذا الصدد، وهو أن يهود خيبر ظلوا يؤلفون خطرًا أمنيًا لدولة الإسلام الناشئة، وبخاصة عندما نزل بعض كبار زعماء بني النضير بخيبر، بعد إجلائهم عن المدينة: سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق وحيي بن أخطب. فلما نزلوها دان لهم أهلها. نزلوها بأحقادهم القديمة ضد المسلمين، ولذا كانوا يتحينون الفرص للانتقام، ووجدوا في قريش وبعض قبائل العرب المشركة مطية ذلول للوصول إلى هدفهم، فحملوهم على غزوة الخندق، وسعوا في إقناع بني قريظة للانضمام إليهم والغدر بالمسلمين. وقد وجد حيي بن أخطب داخل حصن بني قريظة حين حاصرهم الرسول ﷺ، وأخرج، فقال له رسول الله ﷺ "هل أخزاك الله؟ "، قال: قد ظهرت عليَّ، وما ألوم نفسي فيك، فأمر به الرسول ﷺ فقتل (٣) .
وكانت هدنة صلح الحديبية فرصة أمام المسلمين لتصفية هذا المصدر الخطير، ووعد الله المسلمين بمغانم كثيرة يأخذونها إذا فتحوا خيبر، كما أشارت الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
_________________
(١) الرسول، ص ٢٤١.
(٢) المرجع نفسه، ص ٢٤١، ولعله تابع هنا شيخه إميل درمنجهم.
(٣) الهيثمي: المجمع (٦/١٣٨ـ١٣٩)، وقال الهيثمي: في الصحيح بعضه عن عائشة متصل الإسناد؛ عروة بن الزبير: المغازي، ص ١٨٧ـ١٨٨، جمع: الأعظمي.
[ ٦٩ ]
الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: ١٨ـ٢١] . ومما ورد في تفسير: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر ومكة وسائر البلاد عليهم (١) . وقال مجاهد في تفسير قوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني فتح خيبر (٢)، وقال العوفي عن ابن عباس ﵁ أن المقصود من قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ هي خيبر (٣) .
لو استفاد بودلي من مثل هذه الروايات والمصادر والتفاسير، لما زعم ما زعم وتخرص، واستنتج استنتاجات خاطئة. ويكثر مثل هذا في كتابات المستشرقين حتى الذين يوصفون بالاعتدال، أمثال بروكلمان (٤)، فاسمعه يقول: " كان على محمد أن يعوض خسارة أحد التي أصابت مجده العسكري من طريق آخر، ففكر في القضاء على اليهود، فهاجم بني النضير لسبب واهٍ ".
_________________
(١) انظر، ابن كثير: التفسير (٧/٣٢٢)، وفيه بقية التفاسير.
(٢) المصدر والمكان نفسيهما، وفيه بقية التفاسير.
(٣) المصدر نفسه (٧/٣٢٣)، وفيه بقية التفاسير.
(٤) تاريخ الشعوب الإسلامية، ص ٥٢. وللرد على هذا الزعم، انظر: د. مهدي: رزق الله أحمد: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ط١، ط٢، أحداث خيبر.
[ ٧٠ ]
أما المتعصبون منهم فقد بالغوا في مزاعمهم، خاصة إذا كان الأمر يتعلق باليهود.
ومثال ذلك قول يوليوس فلهاوزن (١): ".. أما اليهود فقد حاول محمد أن يظهرهم بمظهر المعاندين الناكثين للعهد، وفي غضون سنوات قليلة أخرج كل الجماعات اليهودية أو قضى عليها في الواحات المحيطة بالمدينة، حيث كانوا جماعات متماسكة كالقبائل العربية، وقد التمس لذلك أسبابًا واهية"، وقول مرغليوت (٢): "عاش محمد هذه السنين الست بعد هجرته إلى اللصوصية والسلب والنهب، ولكن نهب أهل مكة قد يسوغه طرده من بلده ومسقط رأسه وضياع أملاكه، وكذلك بالنسبة إلى القبائل اليهودية في المدينة، فقد كان هناك - على أي حال - سبب ما، حقيقيًا كان أم مصطنعًا، يدعو إلى انتقامه منهم، إلا أن خيبر التي تبعد عن المدينة كل هذا البعد، لم يرتكب أهلها في حقه ولا في حق أتباعه خطأً يعتبر تعديًا منهم جميعًا، لأن قتل أحدهم رسول محمد لا يصح أن يكون ذريعة للانتقام. وهذا يبين لنا ذلك التطور العظيم الذي طرأ على سياسة محمد. ففي أيامه الأولى بالمدينة، أعلن معاملة اليهود كمعاملة المسلمين، لكن الآن - بعد السنة السادسة للهجرة - أصبح يخالف تمامًا موقفه ذلك، فقد أصبح مجرد القول بأن جماعة ما غير مسلمة يعد كافيًا لشن الغارة عليها. وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمد والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة، كما سيطرت على نفس
_________________
(١) الدولة العربية وسقوطها، ص ١٥ـ١٦؛ وانظر الرد عليه عند: د. مهدي: السيرة النبوية..
(٢) (محمد وظهور الإسلام) Margolliuth: Mohammed and the RISE of،pp.) Islam (London،.
[ ٧١ ]
الإسكندر من قبل ونابليون من بعد.. إن استيلاء محمد على خيبر يبين لنا إلى أي حد أصبح الإسلام خطرًا على العالم".
تضمن كلام مرغليوت هذا عدة مغالطات، رددنا على معظمها خلال ردنا على مزاعم وافتراءات ومغالطات بودلي. وإذا كانت هناك نقطة أخرى تستحق الوقوف عندها مرة أخرى فهي إيحاؤه وإيماءاته بأن سبب غزوة خيبر كان قتل أحدهم رسول رسول الله ﷺ إليهم لقبض ما فرض عليهم من مال.
قلت: وهذا خطأ وافتراء عظيم على الحقيقة التاريخية، التي لا نشك أن مرغليوت يعرفها، ولكن التعصب يصم ويعمي. فالصواب والثابت تاريخيًا، وفي الصحيحين (١) بصفة خاصة، أنَّ قَتْلَ أحد يهود خيبر رسول رسول الله ﷺ - عبد الله بن سهيل - كما سبق ذكره في ردنا على بودلي، كان بعد غزوة فتح خيبر، وليس قبلها، ومن هنا يتضح لنا التدليس الذي يمارسه المتعصبون من المستشرقين على القراء، والتحريف المتعمد لحقائق السيرة النبوية بصفة خاصة والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بصفة عامة.
وعلى القارئ أن يتأمل تخبط المستشرقين عند تناول سيرة نبينا محمد ﷺ. فمرغليوت يزعم أن سبب فتح خيبر قتل أحد يهودها رسول محمد ﷺ، ويأتي من بعده بودلي ليقول إن محمدًا أراد تعويض خيبة الأمل التي فرضها على أصحابه في الحديبية، ومن قبلهما يزعم فلهاوزن أن القضاء على اليهود، أو طردهم من الحجاز كان لأسباب واهية.
_________________
(١) انظر البخاري /الفتح ٢٢/٣٤٠/رقم ٦١٤٢، ٦١٤٣، مسلم (٣/١٢٩١- ١٢٩٥/رقم ١٦٦٩)، ورواه غيرهما، اكتفينا برواية الصحيحين للاختصار.
[ ٧٢ ]
وهكذا يتضح من دراسة أسباب فتح خيبر أن ما ذكره بودلي مجرد استنتاج خاطئ تابع فيه أساتذته المغرضين.
[ ٧٣ ]