هذا الزعم باطل، إذ لم يرد في مصادر السيرة الموثوقة، والذي تذكره المصادر أن جعفرًا استشهد في معركة مؤتة، وهي بالشام، دون دمشق، واستشهد معه القائدان الآخران: زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ونعاهم الرسول ﷺ للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب"، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم" (٢) .
ومن المعروف شرعًا أن الشهداء وقتلى المعارك الجهادية يدفنون حيث استشهدوا أو صرعوا، وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك في شهداء وقتلى بدر (٣) وأحد (٤) وحنين (٥) وفتح مكة (٦) وغيرها (٧) .
_________________
(١) الرسول، ص ٢٥٧
(٢) البخاري /الفتح (١٦/١٠٠ـ١٠١/رقم ٤٢٦٢، ٤٢٦٣) .
(٣) انظر، د. مهدي أحمد: السيرة النبوية، ط٢، (١/٤٤٦) .
(٤) ابن ماجه (١/٤٨٦/ك. الجنائز/ب. ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم، وقال السمهودي: وفاء الوفا (٣/٩٤١): " رواه الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر ﵁ قال: كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم، فجاءنا منادي رسول الله ﷺ، فأمرنا بدفن القتلى في مصارعهم، فرددناهم، وليحمل على من يبلغوا به المدينة، والله ﷾ أعلم ") .
(٥) ابن هشام (٤/٣٤٦ـ٣٤٧)، من حديث ابن إسحاق بدون إسناد، وفيه استشهاد عروة بن مسعود ودفنه مع شهداء حصار الطائف حسب وصيته.
(٦) انظر السيرة لمهدي أحمد.
(٧) روى أحمد من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "ادفنوا القتلى في مصارعهم" المسند (٣/٣٠٨، ٣٩٨، ورواه غيره كأبي داود (٢/١٠٨/ك. الجنائز/ب. في الميت يحمل من أرض إلى أرض وكراهة ذلك، النسائي: المجتبى ٤١/٦٥/ الجنائز / أين يدفن الشهيد) .
[ ٨٠ ]
وفي رواية للواقدي (١): "لما التقى الناس بمؤتة، جلس رسول الله ﷺ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال: أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة، وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا! فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلى الدنيا! فمضى قدمًا حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ﷺ، وقال: استغفروا له، فقد دخل الجنة،.."، وذكر حال جعفر وابن رواحة عندما تسلما الراية واستشهدا، والرسول ﷺ يصلي على كل واحد منهم ويدعو له، ويطلب من المسلمين الاستغفار له، ويشهد له بالشهادة والجنة.
والصلاة المشار إليها هنا هي الدعاء، لأن الشهيد لا يستحب الصلاة عليه غائبًا أو حاضرًا (٢) .
ويؤكد هذا رواية عند النسائي والبيهقي عن أبي قتادة أن الرسول ﷺ جمع الناس وصعد المنبر، فأخبرهم باستشهاد القواد الثلاثة واحدًا تلو الآخر، ثم أخذ يستغفر لهم (٣)، وليس فيها ذكر الصلاة.
فلعل بودلي وأمثاله استنتجوا من مثل هذه الرواية أن الصلاة عليهم كانت حاضرة، وهي ليست كذلك، وإنما كانت صلاة غائب بالدعاء.
_________________
(١) المغازي (٢/٧٦٢) .
(٢) انظر: ابن قدامة: المغني (٣/٤٤٢)، ط٢، تحقيق د. التركي.
(٣) أورد ذلك الشامي في السبل (٦/٢٤٢)، وانظره عند الواقدي (٢/٧٦١) .
[ ٨١ ]
ومن السنة كذلك التعجيل بدفن الميت (١) . ومما يؤكد أن المسلمين عملوا بدفنهم في مكان مصرعهم، ما رواه سعيد بن منصور (٢)، من حديث سعيد ابن أبي هلال، الذي نصه: "وبلغني أنهم - أي المسلمين يوم مؤتة - دفنوا يومئذ زيدًا وجعفرًا وابن رواحة في حفرة واحدة". وقد روى البخاري قصة استشهاد القواد الثلاثة يوم مؤتة بإسناد متصل إلى عبد الله بن عمر ﵁ - أحد من شارك في المعركة - وهو إسناد سعيد بن منصور نفسه، ولكن بدون الزيادة المذكورة بلاغًا عند ابن منصور. والبلاغ من أقسام الضعيف عند علماء الحديث، ولكن يشهد لصحة بلاغ سعيد بن أبي هلال ما ثبت في السنة من دفن الشهداء في مكان استشهادهم، جماعةً، وما تؤكده آثار المقابر بالمدينة المنورة، إذ ليس بينها مقابر هؤلاء القادة الثلاثة، ولم يرد خبر يعارض ما ذكرناه.
لم يكن بودلي وحده من بين المستشرقين ممن تخبط في مسألة مكان دفن شهداء مؤتة، فها هو شيخه درمنجهم (٣) يزعم أن المسلمين عندما رجعوا من سرية مؤتة حملوا معهم إلى المدينة جثمان جعفر بن أبي طالب. ولعل هذا الزعم هو مصدر بودلي، فزاد عليه ما زاد كعادة بعض المستشرقين.
_________________
(١) انظر كتب الفقه، أبواب دفن الميت، أبي داود: السنن (٢/١٧٨/ك. الجنائز) .
(٢) السنن (٢/٢٩٧ـ٢٩٨/رقم ٢٨٣٥)، وانظر: ابن حجر: الفتح (١٦/٩٨/ رقم ٤٢٦٠)، وقد أشار إلى رواية سعيد بن أبي هلال عند ابن منصور، ولم ينكرها.
(٣) حياة محمد، ص ٣٤٦. وهكذا فعمدة بودلي هو درمنجهم في كثير من المسائل، وليس مصادر الإسلام الموثوقة. وهذه الثقة العمياء في شيخه وتقريراته، هي التي أفسدت عليه كتابه، وجعلته مشحونًا بالمزاعم والأخطاء التي يعرفها صغار طلاب العلم.
[ ٨٢ ]
إن دفن الموتى من العظماء في مواكب واحتفالات عسكرية موسيقية من عادات أهل زماننا المعاصر. وكأني ببودلي قد أسقط مفاهيم زمانه على أحداث زمان عصر النبوة، وذلك بعد تخيله ما يمكن أن يحدث بعد موت أولئك العظماء. والإسقاط ظاهرة عند المستشرقين.
[ ٨٣ ]