فيقول: ".. ولما كانت عائشة هي موضوع الافتراء، كان الشك يحتمل الوجهين، فقد كان في رأس هذه الفتاة أكثر مما في رأس ألف نابه، وكان لها
[ ٩٢ ]
قدرة الحصول على ما تبغي، فقد كانت متمتعة بكل ما يخلب الألباب، وكانت فاتنة،.." (١) . ويقول في مكان آخر من كتابه: ".. وإن السؤال الذي يظهر أنه لم يجد الجواب العلمي المعقول بعد، هو: هل كانت عائشة بريئة أو غير بريئة؟ كانت حمنة (٢) تصر دائمًا على أن مقابلة عائشة لصفوان (٣) كانت مدبَّرة، فلعلها كانت تتألم من الثمانين جلدة، وحتى لو كان الأمر كذلك ففي رواية عائشة نُقَطٌ ضعيفة. كيف تنطلق دون أن تخبر أحدًا، وهي تعلم أن القافلة وشيكة الرحيل، ثم تضيّع وقتًا طويلًا في البحث عن قلادتها؟! إن عنصر الوقت هنا هام.." (٤) .
لم يخل كتاب مستشرق مغرض من هذه الفرية. وهم يسيرون في طريق أسلافهم من الكفار والمنافقين الذين أثاروا الفرية في حياة الرسول ﷺ.
ولو كان هؤلاء مؤمنين بالقرآن الكريم لصدَّقوا قول الله ﷾ في براءة عائشة ﵂ من تهمة أهل الإفك، وهو الذي سمى ما أشيع حولها إفكًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]، وقال: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢] . وسماه بهتانًا عظيمًا، حين قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ
_________________
(١) بودلي: الرسول، ص ١٩٥.
(٢) هي حمنة بنت جحش، أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش.
(٣) صفوان بن المعطل ﵁، هو الذي اتهمه أهل الإفك بعائشة ﵂.
(٤) بودلي: الرسول، ص ٢٠١.
[ ٩٣ ]
مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] . ولأطاعوا أمر الله، الذي قال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧] . وهذه الآية صريحة في نفي الإيمان عن الذين يعودون لاتهام عائشة بما برأها الله منه. وصرحت آية أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله ﷺ شرعًا ولا قدرًا، وأن الله ما كان ليجعلها زوجًا لرسوله، إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، والآية المعنية هي: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦] . وهي الآية التي ختم الله بها آيات الإفك.
ولو كان هؤلاء مؤمنين كذلك بصحيح السنة والسيرة النبوية، لصدقوا ما جاء فيها من براءة عائشة ﵂. فقد روى خبر براءتها البخاري (١) ومسلم (٢) وأحمد (٣) وعبد الرزاق (٤) والترمذي (٥) وابن إسحاق (٦) وأبو داود (٧)
_________________
(١) الفتح (١٨/٩١٠٥٧/رقم ٤٧٥٠)، من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك.
(٢) صحيحه (٤/٢١٢٩ـ٢١٣٧/رقم ٢٧٧٠)، وهو أتم سياق لحديث عائشة في قصة الإفك.
(٣) كما في الفتح الرباني (٢١/٧٣ـ٧٦)، ومتفق عليه كما ذكر الساعاتي.
(٤) المصنف (٥/٤١٠ـ٤١٩) .
(٥) السنن (٥/١٣ـ١٧/ك. التفسير / ب. سورة النور)، من حديث ابن إسحاق، بإسناد حسن.
(٦) ابن هشام (٣/٤١١ـ٤١٩)، بإسناد حسن لذاته.
(٧) السنن (٤/٦١٨ـ٦١٩/ك. الحدود /ب. في حد القذف)، في خبر من أشاعوا الفاحشة، وجلدوا، وإسناده حسن لغيره، لأن ابن إسحاق لم يصرح بالسماع.
[ ٩٤ ]
وابن ماجه (١) والطبراني (٢) والطبري (٣) والواقدي (٤) وابن سعد (٥) . بل من المؤمنين مَنْ رفض التشكيك في براءة عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها، أمثال: أبي أيوب وأم أيوب (٦) وأبي بن كعب وزوجته أم الطفيل (٧) وسعد بن معاذ (٨) .
ولعلك تلحظ - أخي القارئ الكريم - أن المفسرين والمحدثين وأهل المغازي والسير قد اتفقوا على براءة عائشة ﵂، ولم يشذ منهم سوى الروافض، الذين أصبحت رواياتهم في كتب الإخباريين مرتعًا خصبًا لأمثالهم من أصحاب الأهواء والأغراض الخبيثة والتعصب المذهبي الأعمى المقيت؛ فمن أين لبودلي وأمثاله الشك في هذه البراءة التي نزل بها القرآن الكريم وحسم الأمر إلى يوم الدين؟ إنها مرويات الروافض. والتفسير الوحيد لموقف هؤلاء من قصة الإفك هو رغبتهم التشكيك في القرآن والسنة وأخلاق
_________________
(١) السنن (٢/٨٥٧)، من حديث ابن إسحاق بإسناد حسن، وفيه خبر جلد من أشاعوا الفاحشة في عائشة، وجلدوا.
(٢) المعجم الكبير (٢٣/١٦٣)، من حديث ابن إسحاق بإسناد حسن، في جلد من أشاعوا الفاحشة في عائشة.
(٣) التفسير (١٨/٨٧ـ١٠٠) .
(٤) المغازي (٢/٤٢٦ـ٤٣٩)، وهو من حديث عائشة الطويل في قصة الإفك كما في الصحيح.
(٥) الطبقات (٢/٦٥)، مختصرًا جدًا.
(٦) انظر في هذا: البخاري مع الفتح (٢٨/١١٠/رقم ٧٣٧٠)؛ الواحدي: أسباب النزول (باب ٣٢١)؛ ابن هشام (٣/٤١٨ـ٤١٩)، من حديث ابن إسحاق، بإسناد منقطع، ولكنْ له أصل في الصحيح، الواقدي: المغازي (٢/٤٣٤) .
(٧) الواقدي: المغازي (٢/٤٣٤ـ٤٣٥)، بصيغة التمريض.
(٨) ابن حجر: الفتح (٢٨/١١٠)، وعزاه إلى تفسير سنيد من مرسل سعيد بن جبير.
[ ٩٥ ]
نساء بيت النبوة وصحابته الكرام. والصحابة هم نقلة القرآن والسنة إلينا، والطعن في الناقل طعن في المنقول، كما هو معلوم عند العلماء.
لقد تجاوز بودلي شيخه آرفنج في هذه المسألة، وتابع أسوأ مشايخه. فآرفنج لا يتهم عائشة ﵂ فيما برأها الله منه، ويسلم برواية ثقات المؤرخين المسلمين (١)، فلو تابعه بودلي في هذه المسألة كما تابعه في غيرها لوجدنا له عذرًا في غيرها، وقلنا إنه تابع مشايخه كالأعمى الذي يتبع قائده، ولكن اتضح لنا أنه ينتقي من آراء مشايخه أسوأها، ويهمل ما فيه أي مسحة إنصاف لنبينا محمد ﷺ وآل بيته الأطهار وأصحابه الذين ﵃. إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور!!
_________________
(١) حياة محمد، ص ١٨٠ـ١٨٦
[ ٩٦ ]