يتهمها بالتآمر وتأليب المسلمين بعضهم على البعض بعد وفاة الرسول ﷺ (٢)، وبأنها فعلت أشياء في بيوت النبي ﷺ تخالف مبادئ الإسلام جميعًا، وأن أباها كان ينكر ما تفعله إنكارًا شديدًا (٣)؛ وبأنها كانت متقلبة؛ ومما قاله في تهمة تقلبها: ".. وأودع المصحف عند حفصة، ولا يعرف سبب عدم
_________________
(١) الرسول، ص ٩٣، ١٣٠. وممن سبق بودلي من المستشرقين إلى هذه التهمة شيخه درمنجهم في كتابه: حياة محمد، ص ٣١٩.
(٢) المرجع نفسه، ص ١٣٠.
[ ٩٦ ]
إعطاء المصحف لابنته - يعني أبابكر - ولعله كان يعرف طبيعتها المتقلبة.." (١)؛ ويتهمها بأنها حاربت عليًا لأنه لم يناصرها في حديث الإفك، وقال لمحمد عندما استشاره في أمرها: النساء غيرها كثير (٢)؛ واتهمها بالخبل، هي ونساء النبي ﷺ الأخريات، ومما قاله هنا ".. ولم نر شابات مخبولات كهؤلاء الشابات - يعني نساء النبي ﷺ"، ويقول: ".. فقد كن كعصابة مخبولات.." (٣) .
كل هذه تهم جزافية لا تستند إلى روايات تاريخية صحيحة مبرأة من الأغراض أو غير صحيحة (٤) .
وقد سمعت عائشة ﵂ بعض هذه التهم في حياتها، مثل اتهامها بأنها حاربت عليًا لأنه لم يناصرها في حديث الإفك، فقالت في ردها عليهم، وهي تودع الناس بعد انقضاء موقعة الجمل: ".. يابني، تَعَتَّبَ بعضنا على بعض استبطاءً واستزادة، فلا يَعْتَدَّنَّ أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك؛ إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار"، وقال علي معقبًا على كلامها: "يا أيها الناس، صدقت والله وبرت، ما كان بيني وبينها إلا ذلك،
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ١٥٦.
(٢) المرجع نفسه، ص ١٩٥. وممن سبق بودلي إلى هذا الزعم شيخه درمنجهم: حياة محمد، ص ٣١٢، ولفظه " فلم تعف عائشة عن علي لقوله هذا " وزاد عليه بودلي ما زاد كما نلحظ.
(٣) المرجع نفسه، ص ٢٣٩.
(٤) انظر كذلك درمنجهم، حياة محمد، ص ٣٢٢.
[ ٩٧ ]
وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة" (١) .
وهل كانت عائشة ﵂ مخبولة؟ وهي التي أطنب المؤرخون في وصف ذكائها، ومنهم بودلي نفسه الذي قال عنها: ".. فقد كان في رأس هذه الفتاة أكثر مما في رأس ألف نابه.." (٢) . وأصحاب الأغراض والأهواء دائمًا متناقضون، وهل المخبول هو من ينكث ما غَزَلَه خلال لحظات؟ أو الذي اتفق المؤرخون على ذكائه وفقهه وفهمه وسعة علمه وقوة حافظته؟!
روى ابن سعد (٣) حديث مسروق، ونصه: ".. رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض"؛ وحديث عطاء بن أبي رباح، قال: "كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة"؛ وحديث هشام بن عروة عن أبيه: "ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة" (٤)؛ وحديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه: "ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علمًا" (٥) . وقول الزهري: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء
_________________
(١) الطبري: التاريخ (٤/٥٤٤)، أحداث سنة ٣٦هـ، بسنده عن السري عن شعيب، عن سيف بن عمر عن محمد وطلحة.
(٢) الرسول، ص ١٩٥.
(٣) الطبقات (٨/٦٦)، بإسناد حسن، وقال الساعاتي في الفتح الرباني (٢٢/١٢٨): رواه الطبري وإسناده حسن، وأورده ابن حجر في الإصابة (٤/٣٦٠) .
(٤) وحديث هشام عند أحمد: الفتح (الفتح (٢٢/١٢٤)، وذكر الساعاتي سنده وتخريجه كما هو معروف في منهجه في الفتح، وإسناده صحيح من بعض طرقه، فانظره، وقال الساعاتي كذلك في الفتح (٢٢/١٢٨) " رواه الطبراني بإسناد حسن"، وذكر لها الساعاتي بيتين من الشعر.
(٥) الساعاتي: الفتح (٢٢/١٢٨)، وقال رواه الترمذي وصححه.
[ ٩٨ ]
لكان علم عائشة أفضل" (١)، وقول الزبير بن بكار عن أبي الزناد، قال:"ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة، فقيل له ما أرواك، فقال: ما روايتي في رواية عائشة؟ ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا"؛ وعن معاوية ﵁ قال: "والله ما رأيت خطيبًا قط أبلغ ولا أفصح ولا أفطن من عائشة" (٢)، وقد روت عن النبي ﷺ (٢٢١٠ حديثًا)، وهي رابعة الأربعة الأوائل المكثرين من الصحابة في رواية الحديث عن الرسول ﷺ (٣) .
هل يعقل ألا تقع عين بودلي على مثل هذه النصوص عندما كان يجمع مادة مؤلفه عن حياة محمد ﷺ؟! ولماذا يردد ترهات الروافض ومتعصبة المستشرقين التي تنتقص من قدر عائشة ﵂، ويعرض عن الروايات الكثيرة التي ترفع من قدرها وشأنها؟ ألم تقع عيون مشايخه الذين أخذ عنهم دون الرجوع بنفسه إلى المصادر على ما أخرجه الأئمة الأعلام من آثار عن مناقب عائشة الكثيرة في العلم والتوجيه والزهد، مثل ما أخرجه ابن سعد (٤) من طريق أم ذرة التي قالت:"بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يكون مائة ألف، فدعت بطبق، وهي يومئذ صائمة فجعلت تقسم في الناس. قال: فلما أمست قالت: يا جارية: هاتي فطوري، فقالت أم ذرة - الجارية -:
_________________
(١) الساعاتي: الفتح (٢٢/١٢٨)، وعزاه إلى الهيثمي، وذكر قول الهيثمي فيه، حيث قال: " رواه الطبراني مرسلًا ورجاله ثقات ".
(٢) أورده الساعاتي في الفتح (٢٢/١٢٨)، وعزاه إلى الهيثمي، من حديث معاوية، وقال: قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) انظر في هذا: د. الطحان: تيسير مصطلح الحديث، ص ١٩٩.
(٤) الطبقات (٨/٦٨)، وإسناده صحيح.
[ ٩٩ ]
يا أم المؤمنين، أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحمًا تفطرين عليه؟ فقالت: لا تعنفيني، لو كنت أذكرتيني لفعلت". أم لم تقع أعينهم على ما أخرجه ابن سعد (١) كذلك من حديث عروة عن عائشة ﵂، قال: "رأيتها تصدق بسبعين ألفًا، وإنها لترفع (٢) جانب درعها".
من المخبول إذن؟ من هذه سيرته، أم من يكتب في سيرة أعظم رجل وسيرة أطهر الأصحاب والزوجات ولا يلتفت إلى ما جاء في أشهر المصادر عن مناقبهم وسيرهم في الجوانب التي يتعرض لها؟!!
_________________
(١) المصدر نفسه (٨/٦٦)، وإسناده صحيح.
(٢) لعلها لترقع!.
[ ١٠٠ ]