فالإسراء والمعراج - مثلًا - عنده أسطورة عربية. فتراه يقول في هذا الصدد: ".. إن دانتي قد تأثر بهذه الأسطورة العربية، فالتشابه ملحوظ في القضيتين، فيما يختص بوصف الجنة"، ويقول: ".. فلا يوجد عن محمد ما يثبت أن هذه الرحلة الليلية قد تمت، وما كنت أدري أن مدني [صاحبه المسلم العربي الذي كان يرافقه في الحجاز] كان يقص عليَّ عقيدة يدين بها كثير من العرب، ويعتقدون في صحتها اعتقادهم في القرآن، استنادًا إلى حديث متواتر، وإن كل ما جاء فعلًا عن هذه الرحلة الإلهية على لسان محمد، هو ما ذكر في سورة " الإسراء"، وفي هذه السورة خاصة لا توجد أية إشارة إلى ما ذكره مدني وما يعتقده العرب، وكل ما جاء عن الإسراء في هذه السورة هو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١]، وما الحكاية في الغالب إلا خرافة من الخرافات التي تذكر للتدليل على معجزات محمد، وما قال محمد يومًا إنه أتى بمعجزات" (١) .
_________________
(١) الرسول، ص ١٠١ـ١٠٢.
[ ١٠٢ ]
ويقول في معرض الكلام عن غزوة بدر: ".. وإن الذين يعتقدون في المعجزات يقولون: إن شيئًا غير عادي قد وقع في هذه اللحظة، فإن جيشًا من الملائكة على رأسه جبريل، قد استجاب لنداء محمد، وشاركوا المسلمين في قتالهم.." (١) .
لأن بودلي لا يؤمن بأن القرآن وحي من الله، وليس بعد الكفر ذنب، فقصة الإسراء والمعراج التي يصفها بأنها أسطورة عربية، ثابتة بنص القرآن الكريم، وقد أشار هو بنفسه إلى الآية الدالة على هذا، وهي الآية الأولى من سورة الإسراء. ولم تكن الإشارة إليها في سورة الإسراء فقط - وهي السورة التي سميت باسم هذا الحادث - بل هناك إشارة أخرى لها في سورة النجم، حيث ذكر الله ﷾ قصة المعراج وثمرته، كما في الآيات: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٣-١٨] .
والقصة ثابتة كذلك بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وليس بحديث واحد متواتر يؤمن به المسلمون، كما أشار.
وليس صحيحًا أنه لا يوجد عن محمد ﷺ ما يثبت أن هذه الرحلة الليلية قد تمت، كما يزعم بودلي! وذلك بدليل قول الرسول ﷺ: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار.." (٢)، و: ".. مررت ليلة أسري بي مررت على
_________________
(١) المرجع نفسه، ص ١٤١.
(٢) أحمد: المسند (٣/٢٢٤)، بسند صحيح كما قال محققو الموسوعة الحديثية (٢١/رقم ١٣٣٤٠)؛ أبو داود (٤٨٧٨)، بإسناد صحيح.
[ ١٠٣ ]
قوم.." (١)، و: ".. رأيت ليلة أسري بي.." (٢)، و: ".. لقيت ليلة أسري بي.." (٣)، و: ".. لما كانت الليلة التي أسري بي فيها، أتت عليَّ رائحة طيبة.." (٤) .
إن من أكثر أحداث السيرة بمكة مرويات هي حادثة الإسراء والمعراج التي يشكك فيها بودلي. فمجموع روايتها عند البخاري عشرون رواية، عن ستة من الصحابة ﵃، وعند مسلم نحوًا من ثماني عشرة رواية، عن سبعة من الصحابة.
لم يكن الرسول ﷺ بحاجة إلى الادعاء بأنه أتى يومًا بمعجزات، بل الواقع من سيرته مملوء بالمعجزات، وقد تناول العلماء هذه المعجزات في مجلدات.
وأفردت لها فصلًا في السيرة النبوية، في الطبعة الثانية، إضافة إلى المبثوث في ثنايا أحداث السيرة التي ألفتها بحمد الله تعالى.
وخلاصة الأمر: لم تكن معجزة الإسراء والمعراج - التي يشكك فيها - وحدها التي ثبتت بنص من القرآن الكريم، فهناك أيضًا قصة انشقاق القمر
_________________
(١) أحمد: المسند (٣/ ١٢٠)، بإسناد حسن، وقال محققو الموسوعة الحديثية - المسند (١٩/ح١٢٢١١): حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، لكن قد توبع.. إلخ.
(٢) أحمد (٢/٢٥٣)، وضعفه محققو الموسوعة (١٤/رقم ٨٦٤٠) .
(٣) أحمد (١/٣٧٥)، بإسناد صححه شاكر (٥/١٨٥/ رقم ٣٥٥٦) وضعفه محققو الموسوعة الحديثية، المسند (٦/١٩/ ح ٣٥٥٦)؛ ابن ماجه (٤٠٨١)، بإسناد صحيح؛ الحاكم (٤/٨٨)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) أحمد (١/٣٠٩)، بإسناد صحيح كما قال شاكر (٤/٢٩٥ـ٢٩٧/رقم ٢٨٢٢)؛ وقال محققو الموسوعة الحديثية، المسند (٥/ح ٢٨١٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١٠٤ ]
على عهد النبي ﷺ، كما في الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١-٢]، ووردت أحاديث في الصحيح (١) وغيرهما من عدة طرق تثبت وقوع هذه المعجزة.
بل كل ما حكاه القرآن من قصص الأنبياء والأمم الماضية، وما جاء فيه من أمور علمية أكدها العلم الحديث (٢)، هي من المعجزات الدالة على أنه وحي من الله.
ثم إن المعجزات الأخرى التي وقعت لرسول الله ﷺ أكثر مما وقع لأي نبي من أنبياء الله المرسلين عليهم الصلاة والسلام. وممن جمعها فأوعى أكثر من غيره الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في كتابه: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، الجزء التاسع، في تسعمائة صفحة، وستة أبواب من الجزء الثامن، والإمام البيهقي، في كتابه الموسوعي: دلائل النبوة، في ثمانية مجلدات، والإمام السيوطي، في كتابه: الخصائص الكبرى، في مجلدين، وأبو نعيم الأصبهاني، في جزأين.
إن معظم مرويات المعجزات صحيحة، وقد ألف بعض الباحثين المحدثين كتبًا جمع فيها الصحيح من دلائل النبوة (٣) .
وهل سيصدق بودلي بنبوة محمد ﷺ إذا قال إنه أتى بمعجزات؟ وأيهما أقوى وأبلغ في التصديق: القول أم الفعل؟ بالتأكيد الفعل أقوى وأبلغ في
_________________
(١) البخاري (٣٦٣٦ـ٣٦٣٧ و٣٦٣٨)؛ مسلم (٢٨٠٠و ٢٨٠١ و٢٨٠٢و ٢٨٠٣) .
(٢) انظر في هذا: موريس بوكاي: الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة.
(٣) انظر: الوادعي: المسند الصحيح من دلائل النبوة.
[ ١٠٥ ]
التصديق. فالرسول ﷺ كان يفعل، أي: يُجري الله على يديه الأفعال الخارقة للعادة، وهي المعجزات، وهذه المعجزات هي التي تقول: إن هذا نبي، هذا رسول، وهذا هو الدليل. وماذا يعني يا بودلي أن يعطي الرسول ﷺ أبا قتادة ابن النعمان عرجونًا ويقول له: "خذ هذا العرجون، فتحصن به، فإنك إذا خرجت أضاء لك عشرًا أمامك وعشرًا خلفك"، قال: فخرجت، فأضاء لي العرجون مثل الشمعة.. القصة (١) .
فهل بالضرورة أن يقول الرسول ﷺ لأبي قتادة: هذه معجزتي إليك، أو أن الرسول ﷺ يعلم ما أيده الله به، فأراد أن يحل لصاحبه مشكلة ظلمة الليل بفعل معجز لا يقع إلا على يد نبي مؤيد بالآيات من الله؟
وفوق هذا كله فإن معجزة الإسلام الخالدة التي تحدى بها العرب، أهل الفصاحة والبلاغة والبيان، هو القرآن الكريم نفسه (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] . وقوله تعالى:
_________________
(١) انظرها في: أبو نعيم: دلائل النبوة (٢/٥٦٢/رقم ٥٠٥)؛ الطبراني: المعجم الكبير (١٩/١٤)؛ الهيثمي: مجمع الزوائد (٩/٣١٩)، وقال: رواه أحمد والطبراني والبزار، ورجاله رجال الصحيح، انظر أحمد: المسند (٣/٦٥)، ضمن حديث طويل، بعضه صحيح وبعضه حسن، كما قال محققو الموسوعة الحديثية -المسند (١٨/ح١١٦٢٤) . وقصة قتادة والعرجون رواها ابن خزيمة في صحيحه (١٦٦٠)، كما قالوا.
(٢) انظر كتابنا: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ط٢، ج٢.
[ ١٠٦ ]
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٣-٢٤] . وهكذا تدرج القرآن في تحديه بمعجزته من الكل إلى الجزء.
أما تشكيكه في مشاركة الملائكة في القتال مع المسلمين ضد المشركين يوم بدر، فهو شك في غير محله، لأن هذه المشاركة ثابتة كذلك بنصوص قرآنية؛ منها قول الله ﷾: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]؛ وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]؛ وثابتة بنصوص حديثية صحيحة؛ فقد روى مسلم (١): "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم (٢)، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضرَّ ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ، فقال: " صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة".
_________________
(١) صحيحه (٣/١٣٨٤ـ١٣٨٥/برقم ١٧٦٣) .
(٢) اسم فرس الملك، كما قال النووي في شرح صحيح مسلم (١٢/٨٦)، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (١/٤٦٧) .
[ ١٠٧ ]
وروى أحمد (١) أن ملكًا أسر العباس يوم بدر. وروى الأموي (٢) وغيره أن الرسول ﷺ خفق خفقة في العريش ثم انتبه، فقال: "أبشر يا أبابكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل معتجر بعمامة، آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع [الغبار]، أتاك نصر الله وعدته".
وروى البخاري (٣) أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب". وروى الحاكم (٤) أنه كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجر بها، نزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.
_________________
(١) المسند (٢/١٩٤/شاكر)، بإسناد صحيح كما قال المحقق شاكر.
(٢) نقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية (٣/٣١٢)، من حديث ابن إسحاق بإسناد حسن لذاته.
(٣) البخاري /الفتح (١٥/١٨١/رقم ٣٩٩٥) .
(٤) المستدرك (٣/٣٦١)، بإسناد صحيح.
[ ١٠٨ ]