يزعم بودلي (١) أن غرائز الرسول ﷺ الجنسية كانت خامدة، ثم تحركت في أواخر أيامه. وهذا الزعم في أصله لشيخه إميل درمنجهم (٢)، ونصه: "شعر محمد في العقد الأخير من عمره بميل كبير إلى النساء..".
يستنتج بودلي ومشايخه من المستشرقين (٣) مثل هذه المزاعم من حقيقة تعدد زوجات الرسول ﷺ بعد وفاة خديجة ﵂، حيث كان عمره حينها خمسين عامًا. ولو كان هؤلاء موضوعيين أو منصفين لنظروا أولًا في سيرة كل واحدة من زوجاته والظروف والبواعث التي أحاطت بزواجه من كل واحدة منهن، قبل أن يروِّجوا لتلك المزاعم. وهذا ما فعلناه في كتابنا "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (٤) ".
وخلاصة ذلك:
(١) زواجه ﷺ من خديجة بنت خويلد ﵂:
إن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج – كغيره – هو عدم اهتمام الرسول ﷺ بأسباب المتعة الجسدية، بدليل أنها كانت أكبر منه سنًا بخمس عشرة سنة، ولم يتزوج عليها إلا بعد وفاتها عن خمس وستين سنة، وكان
_________________
(١) الرسول، ص ٣٨.
(٢) في كتابه: حياة محمد، ص ٢٩٩.
(٣) انظر في هذا: د. عبد الحليم محمود: أوروبا والإسلام، ص ١٢١.
(٤) ص ١٣٢ - ١٣٨، ص ٦٩٧ - ٧١٢، الطبعة الأولى (١٤١٢هـ)، وانظر كذلك الطبعة الثانية (١٤٢٤هـ) .
[ ٢٢ ]
عمره حين وفاتها خمسين عامًا، وكانت ثيبًا عندما تزوجها، إذ تزوجت بعتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له بنتًا، وتزوجت أبا هالة بن النباش التميمي، فولدت له ابنها هندًا وبنتًا. وكانت هي التي سعت للزواج من الرسول ﷺ (١) .
(٢) زواجه ﷺ من سودة بنت زمعة:
كانت من المؤمنات المهاجرات إلى الحبشة في سبيل الله مع زوجها السكران بن عمرو، الذي توفي عنها، فخشي النبي ﷺ أن يبطش بها قومها الكفار لعدم رضائهم بهجرتها، فتزوجها على الرغم من كبر سنها (٢)، وعندما طعنت في السن، وذهبت حاجتها في الفراش، خشيت أن يطلقها الرسول ﷺ وتحرم بذلك من الحشر في أزواجه، وهبت ليلتها لعائشة ﵂ (٣) .
(٣) زواجه ﷺ من عائشة بنت أبي بكر ﵄:
رأى رسول الله ﷺ في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن رجلًا يحملها إليه في قطعة بيضاء من جيد الحرير، قائلًا: (هذه امرأتك)، فيكشف فيراها، فيقول: "إن كان هذا من عند الله يمضه. (٤) " وكفى بهذا دليلًا على انتفاء
_________________
(١) ابن إسحاق: السير والمغازي، ص: ٢٤٥، ابن سعد: الطبقات (٨/١٥)، بأسانيد ضعيفة حديثيًا وقبلها العلماء تاريخيًا، منهم ابن حجر كما في الفتح (١٤/٢٨٧) .
(٢) ابن إسحاق: المصدر نفسه، ص:٢٥٤، ابن سعد: نفسه (٨/٥٣)، ابن هشام (٢/٩)، بأسانيد ضعيفة حديثيًا، فهي من الأخبار التاريخية التي قبلها العلماء أمثال ابن حجر كما في الإصابة (٢/٥٩) وابن عبد البر كما في الاستيعاب (٢/١٢٥) .
(٣) البخاري، برقم (٥٢١٢)، ومسلم، برقم (١٤٦٣)؛ وغيرهما.
(٤) البخاري، برقم (٥٠٧٨)، ومسلم، برقم (٢٤٣٨) .
[ ٢٣ ]
الشهوانية، ولم يتزوج بكرًا غيرها (١)، وكان لوالدها دور كبير في نصرة الإسلام، فحرص الرسول ﷺ في مصاهرته لتوثيق عرى المحبة بينهما.
(٤) زواجه ﷺ من حفصة بنت عمر ﵄:
تزوجها للحكمة ذاتها التي تزوج من أجلها عائشة وسودة ﵄، وإضافة إلى رغبته في تخفيف حزنها لفقد زوجها خُنَيس بن حذافة البدري وصاحب الهجرتين (٢)، الذي استشهد نتيجة جراح يوم أحد (٣)، وحزن والدها لحزنها، فعرضها والدها عمر ﵁ على صاحبيه أبي بكر وعثمان ﵄، فاعتذر الثاني وسكت الأول لعلمه برغبة النبي ﷺ في مواساتها بالاقتران بها (٤)، وعندما طلقها الرسول ﷺ أتاه جبريل ﵇، وقال له: "راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة" (٥) .
(٥) زواجه ﷺ من زينب بنت خزيمة الهلالية ﵂:
قيل: إن زوجها عبيدة بن الحارث استشهد يوم بدر (٦)، وقيل: إنه عبد الله ابن جحش الذي استشهد يوم أحد (٧)، وكانت قبلهما تحت الطفيل بن
_________________
(١) البخاري، برقم (٥٠٧٧) .
(٢) البخاري، برقم (٥١٢٢) .
(٣) ابن حجر: الإصابة (١/٤٥٦)؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (١/٤٣٨) .
(٤) البخاري، برقم (١٥٢٢)؛ أحمد: الفتح الرباني (٢٢/١٣٠)، بسند صحيح.
(٥) أحمد: الفتح الرباني (٢٢/١٣١)، من رواية الطبراني برجال الصحيح.
(٦) ابن سعد: الطبقات (٨/١١٥)، من طريق الواقدي.
(٧) ابن عبد البر: الاستيعاب (٤/٣١٣)، معلقًا، ولم يعزه لأحد؛ ابن حجر: الإصابة (٤/٣١٥)، معلقًا، وقد جزم به.
[ ٢٤ ]
الحارث بن عبد المطلب، فطلقها (١)، وقيل: كانت عند جهم بن عمرو بن الحارث (٢) .
ودعيت في الجاهلية بأم المساكين لرحمتها بهم (٣) .
إن امرأة تعاقب عليها هذا العدد من الأزواج، وما عرف عنها من الصلاح والرأفة على المساكين، لجديرة بتكريم الرسول ﷺ لها بالزواج.
(٦) زواجه ﷺ من أم سلمة المخزومية ﵂:
كانت من شهيرات المجاهدات يوم أحد والحديبية، والمهاجرات إلى الحبشة والمدينة.
استشهد زوجها إثر إصابة يوم أحد، وترك لها أربعة من الذرية، فأراد الرسول ﷺ أن يواسيها بجبر مصابها ورعاية أيتامها.
(٧) زواجه ﷺ من جويرية بنت الحارث ﵄:
كانت من بين سبايا غزوة بني المصطلق، وهي ابنة زعيم القوم الحارث ابن أبي ضرار، فتنازل له عنها من وقعت في سهمه، فأعتقها وتزوجها ترغيبًا لأبيها وقومه في الإسلام، فكان أن جاء والدها مسلمًا وأسلم معه قومه، وإكرامًا لمصاهرة الرسول ﷺ قومها أعتق المسلمون سبي قومها.
_________________
(١) ابن سعد (٨/١١٥)، من حديث الواقدي؛ ابن بكار، ص:٤٩، ضعيف.
(٢) ابن إسحاق، معلقًا كما في سيرة ابن هشام (٤/٣٩١) .
(٣) عن هجرتها إلى المدينة، ابن إسحاق، بسند حسن، كما عند ابن هشام (٢/١٢٣-١٢٤)؛ وعن زواجه بها على الرغم من اعتذارها بكثرة الصبية، انظر: مسلم، برقم (٩١٨، ٩١٩)، وغيره.
[ ٢٥ ]
(٨) زواجه ﷺ من زينب بنت جحش ﵂:
هي ابنة أميمة، عمة الرسول ﷺ، زوجها الرسول ﷺ لمولاه زيد بن حارثة، الذي أعتقه وتبناه، وأراد الله ﷾ أن يطلقها ليتزوجها النبي ﷺ لإبطال عادة التبني، ونزل في هذا قرآن كما في الآية: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١) [الأحزاب:٣٧] .
(٩) زواجه ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄:
هاجرت إلى الحبشة، فارتد زوجها هناك، فأراد الرسول ﷺ أن يكرمها لثباتها، ولكيلا يشمت بها الكفار، على رأسهم والدها، الذي كان يتزعم معارضة الدعوة الإسلامية بضراوة، وأراد ﷺ أن يكسر حدة عداوة والدها وقومه بني أمية (٢) .
(١٠) زواجه ﷺ من صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية:
كان في زواجه منها ذات الحكمة في زواجه من جويرية ﵂؛ فهي ابنة زعيم يهودي، مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضد الرسول ﷺ (٣)، فكان لا بد من أن تكون من الصفي بإثر سقوط خيبر، ليتزوجها، فيكسر ذلك حدة عداوة اليهود، وإعطاء الدليل العملي على نفي تهمة العنصرية ضد اليهود.
_________________
(١) البخاري، برقم (٤٧٨٧) .
(٢) انظر: أحمد، كما في الفتح الرباني (٢٢/١٣٣)، بسند جيد؛ ابن هشام (٤/٣٨٩)، بإسناد حسن.
(٣) انظر قصتها عند: البخاري، برقم (٤٢١١)؛ مسلم، برقم (١٣٦٥)؛ ابن سعد: الطبقات (٨/١٢١-١٢٣)، من حديث الواقدي.
[ ٢٦ ]
(١١) زواجه ﷺ من ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂:
كان عمه العباس حريصًا على هذا الزواج، لمعرفته بتقواها، فهي أخت زوجته أم الفضل (١)، ومما يدل على تقواها قول ضرتها عائشة ﵂: "أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم" (٢) .
وفي الاقتران بمثلها تحبيب لقومها في الإسلام.
(١٢) تسرّيه ﷺ مارية القبطية:
أهداه إياها مقوقس مصر، فقبلها (٣) حرصًا على ترغيب القبط في الإسلام، وعندما ولدت له ابنه إبراهيم أعتقها، وقال في هذا: "أعتقها ولدها" (٤) .
وأصبح هذا الحديث من أدلة الحكم الفقهي في أمهات الأولاد (٥) .
(١٣) زواجه ﷺ من ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة:
قيل إنها من بني النضير، وقيل من قريظة، اصطفاها لنفسه فأعتقها وتزوجها (٦) . ويقال عن حكمة زواجه منها ما قلناه عن حكمة زواجه من صفية وجويرية ومارية.
إن هذا الإصهار من قبائل شتى وأعداء ألداء يحمل في طياته حكمة بالغة
_________________
(١) ابن عبد البر: الاستيعاب (٤/٤٠٧)، مرسلًا.
(٢) ابن سعد: الطبقات (٨/١٣٩)، وصحح ابن حجر إسناده في الإصابة (٤/٤١٣) .
(٣) ابن هشام (١/٢٤٧)، بإسناد يعتضد؛ ابن سعد (١/٢٦٠) من حديث الواقدي.
(٤) ابن ماجه، كتاب رقم ١٩، باب ٢٠، بسند يعتضد.
(٥) انظر: ابن قدامة: المغني (٩/٥٢٧ وما بعدها)؛ البيهقي: السنن الكبرى (١٠/٣٤٢-٣٤٩) .
(٦) انظر: ابن حجر: الإصابة (٤/ ٣٠٩)؛ ابن عبد البر: الاستيعاب (٤/٣١٠)؛ الواقدي: المغازي (٢/٥٢١)؛ ابن سعد: الطبقات (٨/١٣٠)، وكلها أخبار قبلها العلماء كابن حجر وابن عبد البر.
[ ٢٧ ]
يعرف قريبًا منها المستشرقون من تاريخ ما عرف بالزواج الدبلوماسي في تاريخ الأسر المالكة في التاريخ الغربي وغيره.
[ ٢٨ ]