(والمشركون بين التسعمائة والألف)، وكان من صنع الله- تعالى- يومئذ أن المسلمين حين رأوا العدو قلله الله في أعينهم تقوية لهم وتنشيطا، فاستصغروا جمعه واستقلوه.
قال ابن مسعود «٣»: «لقد قللوا في أعيننا/ يوم «بدر» حتى قلت لرجل جنبي:
أتراهم سبعين؟!.
قال أراهم: مائة. فأسرنا رجلا منهم؛ فقلنا: كم كنتم؟! قال: «ألفا» . قال- تعالى-: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا «٤» .
_________________
(١) و«عاصم » ترجم له الإمام ابن عبد البر في (الاستيعاب) ٥/ ٢٦٩، ٢٧١ رقم: ٣٠٩ فقال: «عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضيعة العجلاني، ثم البلوى من بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وأخوه «معد بن عدي» حليف بني عبيد بن زيد، من بني عمرو بن عوف، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عمر، شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها. وقيل: لم يشهد بدرا بنفسه؛ لأن رسول الله ﷺ رده عن بدر- بعد أن خرج معه إليها- إلى مسجد الضرار لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره. وقيل: بل كان رسول الله ﷺ قد استخلفه حين خرج إلى بدر، على «قباء» وأهل العالية، وضرب له بسهمه؛ فكان كمن شهدها، وهو صاحب «عويمر العجلاني» الذي قال له: سل لى يا عاصم عن ذلك رسول الله ﷺ في حديث اللعان توفى سنة خمس وأربعين، وقد بلغ قريبا من عشرين عاما ومائة سنة إلخ» اه-: الاستيعاب وانظر (الإصابة) للإمام ابن حجر- القسم الأول- ٥/ ٣٧٠، ٢٧١ رقم: ٤٣٤٦.
(٢) حول استخلاف «عاصم» انظر ترجمته التي تقدمت.
(٣) أثر ابن مسعود أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره ١٣/ ٥٧٢ رقم: ١١٦١٥٦ بلفظ: عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال: «قللوا في أعيننا يوم بدر » إلى قوله: «ألفا» اه-: تفسير الطبري. وانظر: الأحاديث تحت أرقام: ١٦١٥٧، ١٦١٥٨. وانظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٣، ١٤. طبعة الشعب.
(٤) سورة الأنفال، الاية: ٤٤.
[ ٢٤٢ ]
وكان تقليل المسلمين في أعين الكافرين في أول الملاقات عند المواجهة، حتى قال قائلهم:
«إنما محمد وأصحابه أكلة جزور» . ليستدرجهم بذلك إلى مصارعهم، والله يؤيد بنصره من يشاء.
(وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرق الله بين الحق والباطل)، وأهلك فيه رؤوس الكفر، وصناديد قريش، وأظهر وحيه، وتنزيله، وأعز نبيه ودينه، وأذل فيه الشرك، وخرب محله، وأخزى الشيطان وجنده، قال- تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) «١» هذا مع قلة عدد المسلمين، وكثرة العدد والعدد من الكافرين، (وذلك قوله﷿: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) «٢») .
أي: قليل عددكم لتعلموا أن النصر؛ إنما هو من عند الله؛ لا بكثرة الأموال والرجال «٣» .
_________________
(١) - وفى معنى الاية قال ابن هشام: «أى: ليؤلف بينهم على الحرب للنقمة، ممن أراد إتمام النعمة عليه ممن أراد الانتقام منه، والأنعام على من أراد إتمام النعمه عليه أهل ولايته» اه-: السيرة النبوية. وانظر: تفسير الإمام الطبري ١٣/ ٥٧٢.
(٢) سورة الأنفال، من الاية: ٨.
(٣) سورة آل عمران، الاية: ١٢٣.
(٤) حول غزوة «بدر الكبرى» انظر: المصادر والمراجع الاتية: - (السيرة النبوية) للإمام ابن هشام ٣/ ٢٩، ١٣٤. - (مغازي الواقدي) - بدر القتال- ٢/ ١٩، ١٥٢. - (تاريخ الطبري) - وقعة بدر الكبرى- ٢/ ٤٢١، ٤٧٩. - (الثقات) للإمام ابن حبان ١/ ١٥٢، ١٨٢. - (الدرر في المغازي والسير) للإمام ابن عبد البر- غزوة بدر- ص ١١٢. - (تلقيح فهوم أهل الأثر) للإمام ابن الجوزي ص ٥٠، ٥١. - (تاريخ الإسلام- المغازي-) للإمام الذهبي ص ٣١، ٩٥. - (عيون الأثر ) للإمام ابن سيد الناس ١/ ٣٢٢، ٣٧٥.
[ ٢٤٣ ]