قدم لنا الواقدي كتابه المغازي، الذي يمثل الصورة الأخيرة من مراحل تطور السيرة النبوية فى القرنين الأول والثاني للهجرة. وهو لم يرو عن الزهري مباشرة ولكنه اعتمد- فى الأغلب- على الرواة الذين رووا الأخبار عن الزهري، ومما يجدر ذكره أن الشخص الوحيد الذي لم يتعرض الواقدي لذكره من بين تلامذة الزهري، هو ابن إسحاق. ولهذا السبب- أى عدم ذكر الواقدي له- وبسبب التشابه الكبير بين فقرات كتاب السيرة لابن إسحاق وكتاب المغازي للواقدي، زعم هوروفتس [(٢)] وفلهوزن [(٣)] أن الواقدي قد سطا على ابن إسحاق دون عزو إليه، بل إن هوروفتس قد ذهب فى زعمه إلى أبعد من هذا، فهو يرى أن لفظة «قالوا» فى مغازي الواقدي بدلا من الإسناد تدل على ذلك السطو [(٤)] .
وزعم هوروفتس هذا قائم على حجة واهية، ذلك لأنه لم يتنبه إلى الطريقة المتبعة عند بعض المحدثين والمؤرخين الأوائل وهي جمع الرجال فى الأسانيد عند الأخبار، ولم يكن الواقدي وحده هو الذي استعمل هذه الطريقة، فقد سئل إبراهيم الحربي عما أنكره أحمد بن حنبل على الواقدي فقال: إنما أنكر عليه جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن واحدا. وقال إبراهيم: ليس هذا عيبا فقد فعل هذا الزهري وابن إسحاق [(٥)] .
وقد فندت زعم سطو الواقدي على ابن إسحاق فى مقالة لى أفردتها لهذه المسألة، ولا أريد أن أكرر هنا الحجج التي ذكرتها فى تلك المقالة فليرجع إليها من شاء [(٦)] .
_________________
(١) [(١)] الطبري، تاريخ، ج ١، ص ١١٩٥. [(٢)] . seq ٥١٨، ١٩٢٨، J. Horovitz، IslamicCulture [(٣)] . J. Wellhausen، MuhammadinMedina، Introd.، IIseq [(٤)] . ٥١٨، ١٩٢٨، J. Horovitz، IslamicCulture [(٥)] ابن سيد الناس، عيون الأثر، ج ١، ص ٢٠. [(٦)] J. M. B. Jones، IbnIshaqandal- Waqidi: thedreamofAtikaan٢٣٢٦٠٥٢٤١ . ١٩٥٩، Nakhlainrelationt٢٤٢٦٠٥٢٤١ plagiarism، B. S. O. A. A. S.، XXII، I
[ المقدمة / ٢٩ ]
ومن المحتمل- فى هذا الصدد- أن يكون الواقدي قد أعرض عن الرواية عن ابن إسحاق نظرا لعدم توثيق علماء المدينة له.
ولكن الرأى الراجح عندنا فى هذا الترك هو أن ابن إسحاق ترك المدينة قبل أن يولد الواقدي. وكان اللقاء الشخصي بين الرواة من أقوى المظاهر فى تطور السيرة فى القرنين الأول والثاني للهجرة. والدليل على ذلك- كما ذكرنا من قبل- ما أورده ابن حجر فى ترجمة ابن إسحاق بقوله: وكان خرج من المدينة قديما ورواته- أى ابن إسحاق- من أهل البلدان أكثر من رواته من أهل المدينة، لم يرو عنه منهم غير إبراهيم بن سعد [(١)] .
حقا إن أكثر النقاد من المحدثين الأوائل كانوا يضعفون الواقدي فى الحديث، فقد قال البخاري، والرازي، والنسائي، والدارقطني: إنه متروك الحديث. ولكن آراء المحدثين لم تكن ضد الواقدي بالإجماع، فإن منهم من وصفه بأوصاف لا تقل قدرا عما وصف به الثقات، فقد وصفه الحافظ الدراوردي بأنه: أمير المؤمنين فى الحديث. وقال يزيد بن هارون: الواقدي ثقة. ووثقه أبو عبيد القاسم بن سلام، وكذلك أبو بكر الصغاني، ومصعب الزبيري، ومجاهد بن موسى، والمسيب، وإبراهيم الحربي [(٢)] .
ومع أن أغلب العلماء ينكرونه فى الحديث، فإنه- بغير شك- يعتبر إماما فى المغازي. قال ابن النديم: كان عالما بالمغازى والسير والفتوح واختلاف الناس فى الحديث والفقه والأحكام والأخبار [(٣)] .
وبمثل ذلك ذكره ابن سعد [(٤)] . وقال إبراهيم الحربي: الواقدي آمن الناس على أهل الإسلام [(٥)] . ونجد فى تاريخ بغداد أقوالا تدل على عظم قدر الواقدي فى علم المغازي والسير.
_________________
(١) [(١)] تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٤. [(٢)] انظر تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٣٦٤، ٣٦٥. [(٣)] الفهرست، ص ١٤٤. [(٤)] الطبقات، ج ٧ (٢)، ص ٧٧. [(٥)] عيون الأثر، ج ١، ص ١٨.
[ المقدمة / ٣٠ ]
ويبدو واضحا للقارئ الحديث أن من أهم السمات التي تجعل الواقدي فى منزلة خاصة بين أصحاب السير والمغازي تطبيقه المنهج التاريخى العلمي الفنى، فإننا نلاحظ عند الواقدي- أكثر مما نلاحظ عند غيره من المؤرخين المتقدمين- أنه كان يرتب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة منطقية لا تتغير. فهو مثلا يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ محدد للغزوة بدقة، وغالبا ما يذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة، ثم يذكر المغازي التي غزاها النبي بنفسه وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته، وأخيرا يذكر شعار المسلمين فى القتال، كل ذلك بالإضافة إلى وصفه لكل غزوة بأسلوب موحد، فيذكر أولا اسم الغزوة وتأريخها وأميرها، ويكرر فى بعضها اسم المستخلف على المدينة وتفاصيل جغرافية مما كان قد ذكرها فى مقدمة الكتاب.
وفى أماكن كثيرة يقدم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع- أى يجمع الرجال والأسانيد فى متن واحد.
وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيات كثيرة من القرآن، فإن الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها ويضعها فى نهاية أخبار الغزوة.
وفى المغازي الهامة يذكر الواقدي أسماء الذين شهدوا الغزوة وأسماء الذين استشهدوا أو قتلوا فيها. ومن اليسير أن نستدل على فطنة الواقدي وإدراكه كمؤرخ من المنهج الموحد الذي يستعمله.
وإن ما أورده فى الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحى بجهده ومعرفته للدقائق فى الأخبار التي جمعها فى رحلته إلى شرق الأرض وغربها طلبا للعلم وذلك أيضا دليل على أحقيته فى هذا الميدان بما وصفناه به [(١)] .
وقد تبعه فى اهتمامه بهذه التفاصيل الجغرافية كاتبه وتلميذه محمد بن سعد، بل نراه يزيد على تلك التفاصيل التي عند أستاذه الواقدي.
وجدير بالذكر أن هذه التفاصيل الجغرافية التي أوردها الواقدي تعتبر بحق
_________________
(١) [(١)] انظر ما تقدم ذكره فى ص ٦ من هذه المقدمة.
[ المقدمة / ٣١ ]
المرحلة الأولى فى الأدب الجغرافى العربي، إن لم تكن اللبنات والأسس التي بنى عليها كل من جاء بعده مثل ابن سعد، والبلاذري، ومن تلاهما فى التأليف لكتب الفتوح والبلدان.
ومن أهم الخصائص المميزة لمغازى الواقدي هي النظام المتكامل للتواريخ.
وكثير من المغازي غير المؤرخة عند ابن إسحاق مثل غزوة الخرار، وقتل أسماء بنت مروان، وقتل أبى عفك، وغزوة بنى قينقاع، وقتل كعب بن الأشرف، وسرية قطن، وغزوة دومة الجندل، وقتل سفيان بن خالد بن نبيح، وغزوة القرطاء، وسرية الغمر، وسرية ذى القصة، وغزوة بنى سليم، وسرية الطرف، وسرية حسمى، وسرية الكديد، وسرية ذات أطلاح، وغزوة ذات السلاسل، وسرية الخبط، وسرية خضرة، وسرية علقمة بن مجزز، وسرية على بن أبى طالب إلى اليمن، لها كلها عند الواقدي تأريخ معين محدد وذكر خاص.
قلنا إن منهج الواقدي متكامل فى التأريخ للحوادث بصورة أكمل منها عند ابن إسحاق، ولكنه يجب علينا- تحريا للإنصاف- أن نتقبله بحذر فى ذكر تأريخ بعض الحوادث، وهاكم الأمثلة:
(١) نرى الاختلاف فى نص تأريخ مقتل كعب بن الأشرف. قال الواقدي:
إن محمد بن مسلمة خرج إليه- أى إلى كعب- فِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة [(١)] ومشى معه النبي حتى أتى البقيع [(٢)] (ب) ولكن فى قصة ذى أمر يزعم الواقدي أن النبي قد خرج من المدينة إلى غطفان يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأول، ولا يمكن أن يرافق النبي محمد بن سلمة فى الطريق بعد خروجه بيومين.
(ح) ونجد أيضا تأريخين لغزوة بحران فى مخطوطتين من المغازي للواقدي، ففي إحداهما جمادى الأولى وفى الثانية جمادى الآخرة [(٣)] .
_________________
(١) [(١)] المغازي، ص ١٤٨ و١٨٩. [(٢)] المغازي، ص ١٨٩. [(٣)] المغازي، ص ١٩٦.
[ المقدمة / ٣٢ ]
(د) أرّخ الواقدي غَزْوَةُ الرّجِيعِ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ سِتّةٍ وثلاثين شهرا من الهجرة [(١)] وذكر أن الهجوم على المسلمين فى تلك الغزوة كان عقب مقتل سفيان ابن خالد بن نبيح الهذلىّ، ولكن فى مكان آخر أرّخ مقتل سفيان بن خالد بن نبيح على رأس أربعة وخمسين شهرا [(٢)] .
(هـ) ونجد اختلافا آخر فى تفاصيل التأريخ عند الواقدي فى قصة غزوة القرطاء. قَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: خَرَجْت فِي عَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وخمسين شهرا [(٣)] . ولكن الواقدي يقول فى مكان آخر: أربعة وخمسين شهرا [(٤)] .
(و) وفى خبر سرية الميفعة التي أرخها الواقدي فى رمضان سنة سبع [(٥)] ذكر يسارا مولى النبي مع أنه نفسه وصف قتل يسار فى شوال سنة سبع [(٦)] .
(ز) ذكر الواقدي فى أول خبر غزوة بنى لحيان أن النبي خرج من المدينة فى هلال ربيع الأول سنة ست [(٧)]، ولكنه فى نهاية القصة أرخها فى المحرم سنة ست [(٨)]، وفى تلك الغزوة قال إن خبيب بن عدىّ كان يومئذ فى أيدى قريش بمكة، مع أنه وصف قتل خبيب فى خبر غزوة الرجيع، التي أرخها فى صفر سنة أربع [(٩)] .
وعلى الرغم من هذه الاختلافات فى التواريخ، فإننا نجدها أدق وأثبت بعامة فى نظامها من التواريخ المماثلة فى كتب السيرة الأخرى [(١٠)] . هذا فضلا عما انفرد به الواقدي حين يعرض فى مغازيه الأخبار الكثيرة التي لا نجدها عند غيره، مثل وصفه
_________________
(١) [(١)] المغازي، ص ٣٥٤. [(٢)] المغازي، ص ٥٣١. [(٣)] المغازي، ص ٥٣٤. [(٤)] المغازي، ص ٥٣١. [(٥)] المغازي، ص ٧٢٦. [(٦)] المغازي، ص ٥٦٩. [(٧)] المغازي، ص ٥٣٥. [(٨)] المغازي، ص ٥٣٧. [(٩)] المغازي، ص ٣٥٤. [(١٠)]، ٩٥٧ J.M.B.Jones،١٤٢٥٠٧٩٦٢ologyofthemaghazi -atextualsurvey،B.S.O.A.S.،I . ٢، XIX
[ المقدمة / ٣٣ ]
للسرية الأولى إلى ذى القصة [(١)]، وسرية أبى بكر إلى نجد [(٢)]، والسريتين إلى ميفعة [(٣)] وذات أطلاح [(٤)] .
أضف إلى ذلك الإسهاب فى التفصيل والدقة فى الترتيب عند سرده للحوادث المشهورة، مثل أحد، والطائف، بأكثر وأحسن مما هو مذكور فى المراجع الأخرى للسيرة.
كما يلقى الواقدي أيضا الضوء على مشاهد كثيرة من الحياة فى فجر الإسلام، مثل الزراعة، والأكل، والأصنام، والعادات فى دفن الموتى، وعلى تكوين وتنظيم العيرات، وبالجملة على جميع مظاهر الحياة فى المجتمع الإسلامى فى الفترة بين الهجرة وموت النبي.
ومما يزيد فى قيمة هذه الأخبار أن الواقدي يذكر بكل وضوح أنه كان يتبع منهجا نقديا واعيا فنيا فى اختيار وتنظيم أخباره، ثم لا يلبث أن يذكر آراءه وأفكاره عن الأخبار التي كان يسجلها، وكثيرا ما يقول مثلا: «وهو المثبت»، «والثابت عندنا»، «والمجتمع عليه عندنا»، «ولا اختلاف عندنا»، «والقول الأول أثبت عندنا»، «وهو أثبت»، «وهذا الثبت عندنا»، «ومجمع عليه لا شك فيه» إلى غير ذلك من العبارات التي تبرز رأيه الصريح فى تقويم تلك الأخبار.
والتعبير بمثل العبارات السابقة فى المغازي للواقدي شائع جدا فى أسلوبه إلى حد لم نره عند غيره من المؤلفين الأولين، حتى البلاذري الذي توفى بعد الواقدي بسبعين سنة، لا يقدم آراءه الشخصية فى متن أخباره كما فعل الواقدي.
وعلى الرغم مما ذكرت من آراء نقدية مثل الاختلاف الواقع فى بعض تواريخ الحوادث، فلا بد من الاعتراف بأن مغازي الواقدي أكمل وأتم مصدر محايد- دون تعصب- لتاريخ حياة النبي فى المدينة.
_________________
(١) [(١)] المغازي، ص ٥٥١. [(٢)] المغازي، ص ٧٢٢. [(٣)] المغازي، ص ٧٢٦. [(٤)] المغازي، ص ٧٥٢.
[ المقدمة / ٣٤ ]
وبعد:
فإننا نرجو أن تنشر نصوص المصادر الأولى للسيرة النبوية مثل سيرة ابن إسحاق رواية ابن بكير التي لم تر النور بعد، وأن تجمع نصوص المغازي الأولى لموسى بن عقبة، ومعمر بن راشد، وأبى معشر من المصادر المختلفة المخطوطة والمطبوعة التي بين أيدينا، ومقابلة بعضها ببعض ونقدها، بحيث يتوفر لنا الوقوف على نشأة وتطور أدب السيرة فى القرون الأولى للإسلام وفقا للأسس العلمية السليمة.
مارسدن جونس
[ المقدمة / ٣٥ ]