لعل وجود كتابين للواقدي، أحدهما فى مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين، والآخر فى مقتل الحسين خاصة، يوهم أنه كان شيعيا، كما ذكر ابن النديم، منفردا بهذا الرأى دون غيره، حيث يقول: وكان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية، وهو الذي روى أن عليا ﵇ كان من معجزات النبي ﷺ، كالعصا لموسى ﵇، وإحياء الموتى لعيسى بن مريم ﵇ وغير ذلك من الأخبار [(٤)] .
وقد نقل صاحب أعيان الشيعة هذا القول عن ابن النديم، مستدلا به على تشيعه، ومن ثم ترجم له [(٥)] . وكذلك ذكره آغا بزرك الطهراني [(٦)]، حين تحدّث عن تاريخ الواقدي.
_________________
(١) [(١)] انظر بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، الترجمة العربية، ج ٣، ص ١٧. [(٢)] تاريخ، ج ٢، ص ٢٥٠٨. [(٣)] البداية والنهاية، ج ٨، ص ٢٢٩. [(٤)] الفهرست، ص ١٤٤. [(٥)] أعيان الشيعة، ج ٤٦، ص ١٧١. [(٦)] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج ٣، ص ٢٩٣.
[ المقدمة / ١٦ ]
على أنه مما يثير الدهشة أن الطوسي- وهو معاصر لابن النديم- لم يذكر الواقدي فى كتابه «الفهرس» ولم يذكر كتابا من كتبه وخاصة تلك التي تتعلق بمولد الحسن والحسين ومقتل الحسين، على أهمية هذا الأمر الذي شغل جميع علماء الشيعة ومؤرخيهم وجامعى أخبارهم.
ولو سلمنا لابن النديم أن الواقدي كان يلزم التقية، فإن تشيعه كان لا بد أن يظهر على نحو مّا عند الحديث عن على أو فى الرواية عنه، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. بل على النقيض من ذلك نرى الواقدي يذكر أحاديث قد تحط من قدر على أو تهون من شأنه على الأقل، فحين يصف رجوع النبي إلى المدينة من أحد، يذكر أن فاطمة مسحت الدم عن وجه النبي،
وذهب علىّ إلى المهراس ليأتى بماء، وقبل أن يمشى ترك سيفه وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: أَمِسْكِي هَذَا السّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمٍ. ولما أبصر النبي سيف علىّ مُخْتَضِبًا قَالَ: «إنْ كُنْت أَحْسَنْت الْقِتَالَ فَقَدْ أَحْسَنَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَسَيْفُ أَبِي دُجَانَةَ غَيْرُ مذموم» [(١)] .
وحين نقرأ عدد القتلى من قريش يوم بدر عند ابن إسحاق مثلا نرى أن عليا قد قتل طعيمة بن عدىّ [(٢)]، ولكن الواقدي يذكر أن الذي قتله هو حمزة وليس عليا [(٣)] .
ونرى الواقدي أيضا حين يذكر قتل صؤاب يوم أحد، واختلاف الأقوال فيمن قتله، يقول: فاختلف فى قتله، فقال قَالَ: سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ، وَقَائِلٌ: عَلِيّ، وقائل: قزمان، وكان أثبتهم عندنا قزمان [(٤)] .
وأهم من كل ذلك ما ينقله الشيعة أنفسهم، كابن أبى الحديد مثلا فى كتابه، حين ينقل فقرة طويلة عن الواقدي، ثم يورد فيها رواية أخرى مختلفة عن الأولى، ويبدؤها بقوله: وفى رواية الشيعة [(٥)]، مما يدل دلالة قاطعة على أن ابن أبى الحديد لم يعتبر الواقدي مصدرا شيعيا، أو يمثل رأى الشيعة على الأقل.
_________________
(١) [(١)] المغازي، ص ٢٤٩ من هذه الطبعة. [(٢)] السيرة النبوية، ج ٢، ص ٣٦٦. [(٣)] المغازي، ص ١٤٨ من هذه الطبعة. [(٤)] المغازي، ص ٢٢٨ من هذه الطبعة. [(٥)] شرح نهج البلاغة، ج ٣، ص ٣٣٩.
[ المقدمة / ١٧ ]
ومن الطريف أن يلاحظ أن ابن إسحاق يتهم هو الآخر بميوله الشيعية والقدرية [(١)] . ويبدو لنا أن السبب فى اتهام الواقدي وابن إسحاق بالتشيع لا يرجع إلى عقيدتهما الشخصية، وإنما يرجع إلى ما ورد فى كتابيهما من الأقوال والآراء الشيعية التي يعرضانها، وليس ذلك عن عقيدة صحيحة فيها، مما تقتضيه طبيعة التأليف فى مثل هذه الموضوعات.
ولعل السبب فى وصف الواقدي خاصة بأنه يتشيع يرجع إلى ما أورده فى بعض مواضع من كتابه حين يأتى إلى جماعة من الصحابة، ومنهم بعض الخلفاء الراشدين، فيذكر مثلا عمر وعثمان فى عبارات لا تضعهما فى مكانتهما المرموقة. فمثلا فى المخطوطة التي اتخذناها أصلا لهذه النشرة نرى قائمة بمن فر عن النبي يوم أحد، تبدأ بهذه الكلمات «وَكَانَ مِمّنْ وَلّى فُلَانٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، وَسَوّادُ بْنُ غَزِيّةَ، وَسَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَخَارِجَةُ بْنُ عَامِرٍ، بَلَغَ مَلَلَ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ فِي نفر من بنى حارثة» [(٢)]، بينما نرى النص عند ابن أبى الحديد عمر وعثمان، بدلا من فلان، ويروى البلاذري عن الواقدي عثمان، ولا يذكر عمر [(٣)] .
ويظهر بوضوح أن النص فى المخطوطة الأم كان يذكر عثمان وعمر، أو عمر وحده، أو عثمان وحده، ممن ولوا الأدبار يوم أحد. ولكن الناسخ لم يقبل هذا فى حق عمر أو عثمان، فأبدل اسميهما أو اسم أحدهما بقوله: فلان. ولا شك أن نص الواقدي الأصلى وقع فى أيدى طائفة من الشيعة وقرأوا فيه هذه الأخبار التي أوردها فى حق عمر وعثمان مثلا، فاعتقدوا أنه شيعى قطعا.
وفى ضوء ما تقدم من الحجج تظل عبارات ابن النديم عن تشيع الواقدي قاصرة عن أن تنهض دليلا على تشيعه، وستظل تفتقر إلى دعائم أخرى تؤيدها، وخاصة من نصوص الواقدي نفسه.
_________________
(١) [(١)] معجم الأدباء، ج ١٨، ص ٧. [(٢)] المغازي، ص ٢٧٧ من هذه الطبعة. [(٣)] أنساب الأشراف، ج ١، ص ٣٢٦.
[ المقدمة / ١٨ ]