حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ، كَانَتْ تَحْتَ يَزِيدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حِصْنٍ الْخَطْمِيّ، وَكَانَتْ تُؤْذِي النّبِيّ ﷺ، وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ، وَتُحَرّضُ عَلَى النّبِيّ ﷺ، وَقَالَتْ شِعْرًا:
فَبِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ والنّبِيتِ [(٢)] وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ
أَطَعْتُمْ أَتَاوِيّ [(٣)] مِنْ غَيْرِكُمْ فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مُذْحِجِ [(٤)]
تَرَجّوْنَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرّءُوسِ كَمَا يُرْتَجَى مَرَقُ الْمُنْضَجِ
قَالَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أميّة الخطمىّ [(٥)] حين بلغه قولها
_________________
(١) [(١)] كذا فى الأصل، وفى ب، ت: «رخيلة» . قال ابن عبد البر: قال ابن إسحاق: رجيلة بالجيم، وقال ابن هشام: رحيلة بالحاء المهملة. وقال ابن عقبة فيما قيدناه فى كتابه: رخيلة بالخاء المنقوطة. (الاستيعاب، ص ١٨٣) . [(٢)] فى ت: «والبيت» . [(٣)] الأتاوى: الغريب. (شرح أبى ذر، ص ٤٥٨) . [(٤)] مراد ومذحج: قبيلتان من قبائل اليمن. (شرح أبى ذر، ص ٤٥٨) . [(٥)] فى ت: «عدى بن حارثة» .
[ ١ / ١٧٢ ]
وَتَحْرِيضُهَا: اللهُمّ، إنّ لَك عَلَيّ نَذْرًا لَئِنْ رَدَدْت رَسُولَ اللهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ لَأَقْتُلَنّهَا- وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِبَدْرٍ- فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ من بدر جَاءَهَا عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ فِي جَوْفِ اللّيْلِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا، وَحَوْلَهَا نَفَرٌ مِنْ وَلَدِهَا نِيَامٌ، مِنْهُمْ مَنْ تُرْضِعُهُ فِي صَدْرِهَا، فَجَسّهَا بِيَدِهِ، فَوَجَدَ الصّبِيّ تُرْضِعُهُ فَنَحّاهُ عَنْهَا، ثُمّ وَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى صَدْرِهَا حَتّى أَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهَا، ثُمّ خَرَجَ حَتّى صَلّى الصّبْحَ مَعَ النّبِيّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ.
فَلَمّا انْصَرَفَ النّبِيّ ﷺ نَظَرَ إلَى عُمَيْرٍ فَقَالَ: أَقَتَلْت بِنْتَ مَرْوَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله. وخشي عمير أن يكون فتات عَلَى النّبِيّ ﷺ بِقَتْلِهَا فَقَالَ: هَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ [(١)]، فَإِنّ أَوّلَ مَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ النّبِيّ ﷺ. قَالَ عُمَيْرٌ:
فَالْتَفَتَ النّبِيّ ﷺ إلَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِالْغَيْبِ، فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ﵁: اُنْظُرُوا إلَى هَذَا الْأَعْمَى الّذِي تَشَدّدَ [(٢)] فِي طَاعَةِ اللهِ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ الْأَعْمَى، وَلَكِنّهُ الْبَصِيرُ!
فَلَمّا رَجَعَ عُمَيْرٌ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجَدَ بَنِيهَا فِي جَمَاعَةٍ يَدْفِنُونَهَا، فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ حِينَ رَأَوْهُ مُقْبِلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَقَالُوا: يَا عُمَيْرُ، أَنْتَ قَتَلْتهَا؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُمْ بِأَجْمَعِكُمْ مَا قَالَتْ لَضَرَبْتُكُمْ بِسَيْفِي هَذَا حَتّى أَمُوتَ أَوْ أَقْتُلَكُمْ. فيومئذ ظهر الإسلام
_________________
(١) [(١)] لا ينتطح فيها عنزان: معناه أن شأن قتلها هين، لا يكون فيه طلب ثأر ولا اختلاف. (شرح أبى ذر، ص ٤٥٨) . [(٢)] هكذا فى الأصل، وفى سائر النسخ: «تشرّى» .
[ ١ / ١٧٣ ]
فِي بَنِي خَطْمَةَ، وَكَانَ مِنْهُمْ رِجَالٌ يَسْتَخْفُونَ بِالْإِسْلَامِ خَوْفًا مِنْ قَوْمِهِمْ، فَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُ عُمَيْرَ بْنَ عَدِيّ، أَنْشَدَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ:
بَنِي وَائِلٍ وَبَنِي وَاقِف وخطمة دون بنى الخزرج
مَتَى مَا دَعَتْ أُخْتُكُمْ وَيْحَهَا بِعَوْلَتِهَا وَالْمَنَايَا تَجِي
فَهَزّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ كَرِيمَ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
فَضَرّجَهَا [(١)] مِنْ نَجِيعِ الدّمَاءِ [(٢)] قُبَيْلَ الصّبَاحِ وَلَمْ يَحْرَجِ
فَأَوْرَدَك اللهُ بَرْدَ الْجِنَا نِ جَذْلَانَ فِي نِعْمَةِ الْمَوْلِجِ
حَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ قَتْلُ عَصْمَاءَ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، مَرْجِعَ النّبِيّ ﷺ مِنْ بَدْرٍ، عَلَى رَأْسِ تِسْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.