وَكَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ، عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وعشرين شهرا. خرج رسول الله ﷺ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ من ربيع، فغاب أحد عشر يوما.
_________________
(١) [(١)] فى ب: «أتغدر» . [(٢)] فى ب، ت: «ولا قدرت» . [(٣)] فى الأصل: «ولا طياح»، وما أثبتناه عن سائر النسخ. والطباخ: القوة. (القاموس المحيط، ج ١، ص ٢٦٤) . [(٤)] ذو أمر: واد بطريق فيد إلى المدينة على نحو ثلاث مراحل من المدينة بقرية النخيل. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٤٩) .
[ ١ / ١٩٣ ]
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي هُنَيْدَةَ قَالَ: حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي عَتّابٍ، وَحَدّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الضّحّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بن محمد بن أبي بكر، عن عبد اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَزَادَ بَعْضُهُمْ [عَلَى بَعْضٍ] [(١)] فِي الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَدّثَنَا أَيْضًا، قَالُوا: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنّ جَمْعًا مِنْ ثَعْلَبَة وَمُحَارِبٍ بِذِي أَمَرّ، قَدْ تَجَمّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْ أَطْرَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، جمعهم رجل منهم يقال له دعثور ابن الْحَارِثِ بْنِ مُحَارِبٍ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَخَمْسِينَ، وَمَعَهُمْ أَفْرَاسٌ، فَأَخَذَ عَلَى الْمُنَقّى [(٢)]، ثم سلك مضيق الخبيث [(٣)]، ثُمّ خَرَجَ إلَى ذِي الْقَصّةِ [(٤)]، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ بِذِي الْقَصّةِ يُقَالُ لَهُ جَبّارٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَة، فَقَالُوا: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ:
أُرِيدُ يَثْرِبَ [(٥)] . قَالُوا: وَمَا حَاجَتُك بِيَثْرِبَ؟ قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَرْتَادَ لِنَفْسِي وَأَنْظُرَ. قَالُوا: هَلْ مَرَرْت بِجَمْعٍ، أَوْ بَلَغَك [خَبَرٌ] لِقَوْمِك؟ قَالَ: لَا، إلّا أَنّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنّ دُعْثُورَ بْنَ الْحَارِثِ فِي أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِهِ عُزْلٌ. فَأَدْخَلُوهُ على رسول الله ﷺ فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَقَالَ:
يَا مُحَمّدُ، إنّهُمْ لَنْ يُلَاقُوك، إنْ سَمِعُوا [(٦)] بِمَسِيرِك هَرَبُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَأَنَا سَائِرٌ مَعَك وَدَالّك عَلَى عَوْرَتِهِمْ [(٧)] . فَخَرَجَ بِهِ النّبِيّ ﷺ وَضَمّهُ إلَى بِلَالٍ، فَأَخَذَ بِهِ طَرِيقًا أَهْبَطَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَثِيبٍ [(٨)]، وَهَرَبَتْ مِنْهُ
_________________
(١) [(١)] الزيادة عن ب، ت. [(٢)] المنقى: اسم للأرض التي بين أحد والمدينة. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٧٩) . [(٣)] الخبيث: على بريد من المدينة. (معجم ما استعجم، ص ٣٠٦) . [(٤)] ذو القصة: موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٣٦٢) . [(٥)] فى ب، ت، ث: «أردت يثرب» . [(٦)] فى ب، ت: «لو يسمعوا» . [(٧)] فى ث: «عوراتهم» . [(٨)] فى ب، ت، ث: «من كثب» .
[ ١ / ١٩٤ ]
الْأَعْرَابُ فَوْقَ الْجِبَالِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ مَا قَدْ غيّبوا سرحهم فى ذرى الجبال وذراريّهم، فَلَمْ يُلَاقِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحَدًا، إلّا أَنّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَا أَمَرّ وَعَسْكَرَ مُعَسْكَرَهُمْ [(١)] فَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ كَثِيرٌ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ فَأَصَابَهُ ذَلِكَ الْمَطَرُ فَبَلّ ثَوْبَهُ، وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَادِيَ ذِي أَمَرّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ. ثُمّ نَزَعَ ثِيَابَهُ فَنَشَرَهَا لِتَجِفّ، وَأَلْقَاهَا عَلَى شَجَرَةٍ ثُمّ اضْطَجَعَ تَحْتَهَا [(٢)] وَالْأَعْرَابُ يَنْظُرُونَ إلَى كُلّ مَا يَفْعَلُ، فَقَالَتْ الْأَعْرَابُ لِدُعْثُور، وكان سيّدها وأشجعها: قد أمكنت مُحَمّدٌ، وَقَدْ انْفَرَدَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَيْثُ إنْ غَوّثَ بِأَصْحَابِهِ لَمْ يُغَثْ حَتّى تَقْتُلَهُ. فَاخْتَارَ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِمْ صَارِمًا،
ثُمّ أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى السّيْفِ حَتّى قَامَ عَلَى رَأْسِ النّبِيّ ﷺ بِالسّيْفِ مَشْهُورًا، فَقَالَ: يَا مُحَمّدُ، مَنْ يَمْنَعُك مِنّي الْيَوْمَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اللهُ! قَالَ: وَدَفَعَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي صَدْرِهِ وَوَقَعَ السّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَقَامَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُك مِنّي الْيَوْمَ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ. قَالَ:
فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَاَللهِ، لَا أُكْثِرُ عَلَيْك جَمْعًا أَبَدًا! فَأَعْطَاهُ رسول الله ﷺ سيفه، ثُمّ أَدْبَرَ، ثُمّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَمَا وَاَللهِ لِأَنْتَ خَيْرٌ مِنّي. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَنَا أَحَقّ بِذَلِكَ مِنْك.
فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالُوا: أَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ وَقَدْ أَمْكَنَك وَالسّيْفُ فِي يَدِك؟ قَالَ: وَاَللهِ، كَانَ ذَلِكَ وَلَكِنّي نَظَرْت إلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ طَوِيلٍ، دَفَعَ فِي صَدْرِي فَوَقَعْت لِظَهْرِي، فعرفت أنه ملك وشهدت
_________________
(١) [(١)] فى ب، ت: «معسكره» . [(٢)] فى ت: «بجنبها» .
[ ١ / ١٩٥ ]
أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ، وَاَللهِ لَا أُكْثِرُ عَلَيْهِ! وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [(١)] الْآيَةَ. وَكَانَتْ غَيْبَةُ النّبِيّ ﷺ إحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَاسْتَخْلَفَ النّبِيّ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁.