وفي سنة ١٨٠ هـ غادر أبو عبد الله المدينة إلى العراق [(١)] . فيروى الخطيب البغدادي أن الواقدي قال: كنت حناطا (بائع حنطة) بالمدينة، فى يدي مائة ألف درهم للناس أضراب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد [(٢)] . أما ابن سعيد فيقول: إنه ذهب إلى العراق في دين لحقه [(٣)] .
ويبدو أن السبب الحقيقي لنزوحه إلى العراق هو رغبته في لقاء يحيى بن خالد البرمكي، حيث جذبت شخصية الواقدي اهتمام يحيى حين التقيا في الحج بالمدينة، فكأنما أراد الواقدي أن يخرج بعلمه وآماله إلى مجال أرحب، حيث الأضواء تتألق فى بغداد، لؤلؤة الرشيد. ويؤيد هذا ما يذكره ابن سعد في معرض آخر فيقول عن الواقدي: ثم إن الدهر أعضّنا، فقالت لى أم عبد الله: يا أبا عبد الله، ما قعودك وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أن تسير إليه حيث استقرّت به الدار، فرحلت من المدينة [(٤)] . وعند وصوله إلى بغداد، وجد الخليفة والبلاط قد انتقلوا إلى الرقة بالشام، فأزجى مطيته نحو الشام، ولحق بهم هناك [(٥)] . فتلقاه يحيى بن خالد بما عرف عن البرامكة من سماحة وأريحية.
وفي رحاب البرامكة أقبل الخير على الواقدي من كل وجه، فعطاياهم له موصولة بعطايا الرشيد وابنه المأمون. يحدّثنا الواقدي فيقول: صار إلىّ من السلطان ستمائة ألف درهم، ما وجبت علىّ فيها الزكاة [(٦)] . ويرجع الواقدي من الرقة إلى بغداد، ويبقى فيها حتى يعود المأمون من خراسان، ويجعله قاضيا لعسكر المهدى في الجانب الشرقي من بغداد، فيما يذكر ابن سعد [(٧)] .
_________________
(١) [(١)] الطبقات، ج ٧ (٢)، ص ٧٧، تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٤. [(٢)] تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٤. [(٣)] الطبقات، ج ٧ (٢)، ص ٧٧. [(٤)] الطبقات، ج ٥، ص ٣١٥. [(٥)] انظر تفاصيل رحلته إلى الشام في ابن سعد (الطبقات، ج ٥، ص ٣١٥) . [(٦)] تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٢٠. [(٧)] الطبقات، ج ٧ (٢)، ص ٧٧.
[ المقدمة / ٧ ]
أما ابن خلكان، فينقل عن ابن قتيبة، أنّ الواقدي توفى وهو قاض بالجانب الغربي من بغداد [(١)] . وقد ناقش هوروفتس هذا الرأى، مخطئا ابن خلكان، فيقول: إنه- أى ابن خلكان- قد أخطأ في فهم قول ابن قتيبة. ونصّه:
وتوفى الواقدي سنة سبع ومائتين، وصلى عليه محمد بن سماعة التميمي، وهو يومئذ قاض على الجانب الغربي. وواضح من هذا النصّ أن الذي كان قاضيا على الجانب الغربي من بغداد هو محمد بن سماعة، وليس الواقدي [(٢)] .
وليس ثمة شك في أن الواقدي توفى وهو قاض على الجانب الشرقىّ ببغداد، على أنه كان قد أقام مدة في الجانب الغربي قبل أن يوليه المأمون قاضيا على عسكر المهدى، كما أجمعت مصادر عدة على ذلك. ولما انتقل الواقدي من الجانب الغربي يقال إنه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر [(٣)] .
أما ياقوت [(٤)] فيذكر أن هارون الرشيد قد ولى الواقدي القضاء بشرقىّ بغداد قبل أن يوليه المأمون قضاء عسكر المهدى. وهذا أقرب إلى الصواب، فليس من المعقول أن تتأخر تولية الواقدي القضاء حتى يرجع المأمون من خراسان ويوليه، فقد كان الواقدي على صلة طيبة بهارون الرشيد.
وعلى الرغم من صلة الصداقة المعقودة بين الواقدي ويحيى بن خالد والبرامكة، فإن ذلك لم يمنع المأمون من توليته القضاء، بل كرمه ورعاه بعد نكبة البرامكة [(٥)] . وقد ذهب المأمون في تكريم الواقدي إلى أبعد من هذا، إذ ولّاه منصبا يتمتع فيه بقوّة السلطان والنفوذ. فيصف ابن حجر العسقلاني الواقدي بأنه أحد الأعلام، وقاضى العراق وبغداد [(٦)] . ويورد السهمي في أثناء ترجمة الأشعث بن هلال قاضى جرجان، أن
_________________
(١) [(١)] وفيات الأعيان، ج ١، ص ٦٤١. [(٢)] . ٥١٣، ١٩٢٨ IslamicCulture، The earliest biograophet and their auth، J. Horoviz ٠٩٣٧٩٤٢٤١، ١٩٣٧٩٤٢٤١ [(٣)] الوافي بالوفيات، ج ٤، ص ٢٣٨، تاريخ بغداد، ج ٣، ص ٥، عيون الأثر، ج ١، ص ١٨، سير أعلام النبلاء، ج ٧، ورقة ١١٨. [(٤)] معجم الأدباء، ج ١٨، ص ٢٧٩. [(٥)] شذرات الذهب، ج ٢، ص ١٨. [(٦)] لسان الميزان، ج ٦، ص ٨٥٢.
[ المقدمة / ٨ ]
الواقدي ولّاه القضاء من بغداد [(١)] . وأخيرا يتربع الواقدي على قضاء عسكر المهدى مدّة أربع سنوات قبل وفاته [(٢)] .
وعلى الرّغم من الصلات والأعطيات التي أغدقها هارون الرشيد ووزيره يحيى وابنه المأمون على الواقدي فإنه توفى ولم يكن يملك ما يكفن به، فأرسل المأمون بأكفانه [(٣)] . وكان الواقدي قد أوصى إلى المأمون فقبل وصيته وقضى دينه [(٤)] .