فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَقَدِمَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ. وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، فَكِلَاهُمَا قَدْ حَدّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَغَيْرُهُمَا قَدْ حَدّثَنَا أيضا.
[ ١ / ٤٠٢ ]
قَالُوا: أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْنُوَ إلَى أَدْنَى الشّامِ، وَقِيلَ لَهُ إنّهَا طَرَفٌ مِنْ أَفْوَاهِ الشّامِ، فَلَوْ دَنَوْت لَهَا كَانَ ذَلِكَ مِمّا يُفْزِعُ قَيْصَرَ. وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ أَنّ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَأَنّهُمْ يَظْلِمُونَ مَنْ مَرّ بِهِمْ مِنْ الضّافِطَةِ [(١)]، وَكَانَ بِهَا سُوقٌ عَظِيمٌ وَتُجّارٌ، وَضَوَى إلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ الْعَرَبِ كَثِيرٌ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوا مِنْ الْمَدِينَةِ. فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النّاسَ، فَخَرَجَ فِي ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويمكن النّهَارَ، وَمَعَهُ دَلِيلٌ لَهُ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ مَذْكُورٌ، هَادٍ خِرّيتٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُغِذّا لِلسّيْرِ، وَنَكَبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ،
وَلَمّا دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ دُومَةِ الْجَنْدَلِ- وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَوْمٌ أَوْ لَيْلَةٌ سَيْرَ الرّاكِبِ الْمُعْتِقِ [(٢)]- قَالَ لَهُ الدّلِيلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ سَوَائِمَهُمْ تَرْعَى فَأَقِمْ لِي حَتّى أَطّلِعَ لَك. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ.
فَخَرَجَ الْعُذْرِيّ طَلِيعَةً حَتّى وَجَدَ آثَارَ النّعَمِ وَالشّاءِ وَهُمْ مُغَرّبُونَ، ثُمّ رَجَعَ إلَى النّبِيّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ وَقَدْ عَرَفَ مَوَاضِعَهُمْ، فَسَارَ النّبِيّ ﷺ حَتّى هَجَمَ عَلَى مَاشِيَتِهِمْ وَرِعَائِهِمْ، فَأَصَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ أَصَابَ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ فِي كُلّ وَجْهٍ. وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ فَتَفَرّقُوا، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَاحَتِهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، فَأَقَامَ بِهَا أَيّامًا وَبَثّ السّرَايَا وَفَرّقَهَا حَتّى غَابُوا عَنْهُ يَوْمًا ثُمّ رَجَعُوا إلَيْهِ، وَلَمْ يُصَادِفُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، وَتَرْجِعُ السّرِيّةُ بِالْقِطْعَةِ مِنْ الْإِبِلِ،
_________________
(١) [(١)] الضافطة: جمع ضافط، وهو الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، والمكاري الذي يكرى الأحمال وكانوا يومئذ قوما من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت. (النهاية، ج ٣، ص ٢٢) . [(٢)] أعتق الراكب فرسه إذا أعجلها. (القاموس المحيط، ج ٣، ص ٢٦٢) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
إلّا أَنّ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَخَذَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَتَى بِهِ النّبِيّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: هَرَبُوا أَمْسِ حَيْثُ سَمِعُوا بِأَنّك قَدْ أَخَذْت نَعَمَهُمْ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْإِسْلَامَ أَيّامًا فَأَسْلَمَ، فَرَجَعَ النّبِيّ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سباع بن عرفطة.