فَإِنّمَا سُمّيَتْ ذَاتِ الرّقَاعِ لِأَنّهُ جَبَلٌ فِيهِ بُقَعٌ حُمْرٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ [(١)] خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ السّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا. وَقَدِمَ صِرَارًا [(٢)] يَوْمَ الْأَحَدِ لِخَمْسٍ بَقَيْنَ مِنْ الْمُحَرّمِ وَغَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
فَحَدّثَنِي الضّحّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مُقْسِمٍ، وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بن أبى بكر، عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرٍ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُمْ قَدْ حَدّثَنِي بِهِ، قَالُوا: قَدِمَ قَادِمٌ بِجَلَبٍ لَهُ فَاشْتَرَى بِسُوقِ النّبَطِ، وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ جَلَبْت جَلَبَك؟ قَالَ: جِئْت مِنْ نَجْدٍ وَقَدْ رَأَيْت أَنْمَارًا وَثَعْلَبَةَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا، وَأَرَاكُمْ هَادِينَ [(٣)] عَنْهُمْ. فَبَلَغَ النّبِيّ ﷺ
_________________
(١) [(١)] زاد السهيلي على ذلك فقال: سميت ذات الرقاع لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع. (الروض الأنف، ج ٢، ص ١٨١) . [(٢)] صرار: بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة وأقم. (معجم ما استعجم، ص ٦٠١) . [(٣)] هكذا فى سائر النسخ، ولعله تسهيل أهل الحجاز للهمزة، فتكون الكلمة أصلا «هادئين» .
[ ١ / ٣٩٥ ]
قَوْلُهُ، فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانَمِائَةٍ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ، حَتّى سَلَكَ عَلَى الْمَضِيقِ [(١)] ثُمّ أَفْضَى إلَى وَادِي الشّقَرَةِ فَأَقَامَ بِهِ يَوْمًا، وَبَثّ السّرَايَا فَرَجَعُوا إلَيْهِ مَعَ اللّيْلِ، وَخَبّرُوهُ أَنّهُمْ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا وَقَدْ وَطِئُوا آثَارًا حَدِيثَةً. ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فى أصحابه حتى أبى مَحَالّهُمْ، فَيَجِدُونَ الْمَحَالّ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَقَدْ ذَهَبَتْ الْأَعْرَابُ إلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ وَهُمْ مُطِلّونَ عَلَى النّبِيّ ﷺ. وَقَدْ خَافَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ قَرِيبٌ وَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارّونَ. وَخَافَتْ الْأَعْرَابُ أَلّا يَبْرَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى يَسْتَأْصِلَهُمْ.
وَفِيهَا صَلّى رسول الله ﷺ صلاة الخوف. فحدّثنى ربيعة ابن عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فَكَانَ أَوّلَ مَا صَلّى يَوْمَئِذٍ صَلَاةُ الْخَوْفِ، وَخَافَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ وَهُمْ فِي الصّلَاةِ وَهُمْ صُفُوفٌ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلّيْت مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْقِبْلَةَ وَطَائِفَةٌ خَلْفَهُ وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوّ، فَصَلّى بِالطّائِفَةِ الّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمّ ثَبَتَ قَائِمًا فَصَلّوْا خَلْفَهُ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، ثُمّ سَلّمُوا، وَجَاءَتْ الطّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطّائِفَةُ الْأُولَى مُقْبِلَةٌ عَلَى الْعَدُوّ، فَلَمّا صَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثَبَتَ جَالِسًا حَتّى أَتَمّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وسجدتين ثم سلّم.
_________________
(١) [(١)] المضيق: قرية كبيرة قريبة من الفرع. (وفاء الوفا، ج ٢، ص ٢٣٩) .
[ ١ / ٣٩٦ ]
وكان رسول الله ﷺ قَدْ أَصَابَ فِي مَحَالّهِمْ نِسْوَةً، وَكَانَ فِي السّبْيِ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ كَانَ زَوْجُهَا يُحِبّهَا، فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ حَلَفَ زَوْجُهَا لَيَطْلُبَن مُحَمّدًا، وَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ حَتّى يُصِيبَ مُحَمّدًا، أَوْ يُهْرِيقَ فِيهِمْ دَمًا، أَوْ تَتَخَلّصُ صَاحِبَتَهُ.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَسِيرِهِ عَشِيّةَ ذَاتِ رِيحٍ، فَنَزَلَ فِي شِعْبٍ اسْتَقْبَلَهُ فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا اللّيْلَةَ؟
فَقَامَ رَجُلَانِ، عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ نَكْلَؤُك. وَجَعَلَتْ الرّيحُ لَا تَسْكُنُ، وَجَلَسَ الرّجُلَانِ عَلَى فَمِ الشّعْبِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيّ اللّيْلِ أَحَبّ إلَيْك، أَنْ أَكْفِيَك أَوّلَهُ فَتَكْفِينِي آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوّلَهُ.
فَنَامَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وقام عبّاد بن بشر [(١)] يُصَلّي، وَأَقْبَلَ عَدُوّ اللهِ يَطْلُبُ غِرّةً وَقَدْ سَكَنَتْ الرّيحُ، فَلَمّا رَأَى سَوَادَهُ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ: يَعْلَمُ اللهُ إنّ هَذَا لَرَبِيئَةُ [(٢)] الْقَوْمِ! فَفَوّقَ لَهُ سَهْمًا فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمّ رَمَاهُ بِآخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمّ رَمَاهُ الثّالِثَ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الدّمُ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: اجْلِسْ فَقَدْ أَتَيْت! فَجَلَسَ عَمّارٌ، فَلَمّا رَأَى الْأَعْرَابِيّ أَنّ عَمّارًا قَدْ قَامَ عَلِمَ أَنّهُمْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ. فَقَالَ عَمّارٌ: أَيْ أَخِي، مَا مَنَعَك أَنْ تُوقِظَنِي بِهِ فِي أَوّلِ سَهْمٍ رَمَى بِهِ؟ قَالَ: كُنْت فِي سُورَةٍ أَقْرَأهَا وَهِيَ سُورَةُ الْكَهْفِ، فَكَرِهْت أَنْ أَقْطَعَهَا حَتّى أَفْرُغَ مِنْهَا، وَلَوْلَا أَنّي خَشِيت أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا انْصَرَفْت وَلَوْ أُتِيَ عَلَى نَفْسِي. وَيُقَالُ: الْأَنْصَارِيّ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ. قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ:
وَأَثْبَتُهُمَا عِنْدَنَا عَمّارُ بْنُ ياسر.
_________________
(١) [(١)] فى ب: «عبد الله بن بشر» . [(٢)] الربيئة: الطليعة الذي يحرس القوم، يقال ربأ القوم إذا حرسهم. (شرح أبى ذر، ص ٢٩٥) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
فَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: إنّا لَمَعَ النّبِيّ ﷺ إذا جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِفَرْخٍ طَائِرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَأَقْبَلَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا حَتّى طَرَحَ نَفْسَهُ فِي يَدَيْ الّذِي أَخَذَ فَرْخَهُ. فَرَأَيْت النّاسَ عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا الطّائِرِ؟ أَخَذْتُمْ فَرْخَهُ فَطَرَحَ نَفْسَهُ رَحْمَةً لِفَرْخِهِ! وَاَللهِ لَرَبّكُمْ أَرْحَمُ بِكُمْ مِنْ هَذَا الطّائِرِ بِفَرْخِهِ!
قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فِي غَزْوَتِه.
قَالَ جَابِرٌ: فَإِنّا لَفِي مُنْصَرَفِنَا أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا تَحْتَ ظِلّ شَجَرَةٍ فَقُلْت: هَلُمّ إلَى الظّلّ يَا رَسُولَ اللهِ. فَدَنَا إلَى الظّلّ فَاسْتَظَلّ، فَذَهَبْت لِأُقَرّبَ إلَيْهِ شَيْئًا، فَمَا وَجَدْت إلّا جَرْوًا مِنْ قِثّاءٍ فِي أَسْفَلِ الْغِرَارَةِ.
قَالَ: فَكَسَرْته كَسْرًا ثُمّ قَرّبْته إلَيْهِ. فَقَالَ رسول الله ﷺ:
من أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟ فَقُلْنَا: شَيْءٌ فَضَلَ مِنْ زَادِ الْمَدِينَةِ. فَأَصَابَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَقَدْ جَهَرْنَا [(١)] صَاحِبًا لَنَا، يَرْعَى ظَهْرَنَا وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مُتَخَرّقٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا لَهُ غَيْرُ هَذَا؟
فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، إنّ لَهُ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ فِي الْعَيْبَةِ. فَقَالَ له رسول الله ﷺ: خُذْ ثَوْبَيْك. فَأَخَذَ ثَوْبَيْهِ فَلَبِسَهُمَا ثُمّ أَدْبَرَ.
فقال رسول الله ﷺ: أَلَيْسَ هَذَا أَحْسَنَ؟ مَا لَهُ ضَرَبَ اللهُ عُنُقَهُ؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ الرّجُلُ فَقَالَ: فِي سَبِيلِ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فِي سَبِيلِ اللهِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سبيل الله.
_________________
(١) [(١)] أى صبحناه. (الصحاح، ص ٦١٨) .
[ ١ / ٣٩٨ ]
قَالَ: فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَدّثُ عِنْدَنَا إلَى أَنْ جَاءَنَا عُلْبَةُ [(١)] بْنُ زَيْدٍ الْحَارِثِيّ بِثَلَاثِ بَيْضَاتٍ أَدَاحِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَجَدْت هَذِهِ الْبَيْضَاتِ فِي مَفْحَصِ نَعَامٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
دُونَك يَا جَابِرُ، فَاعْمَلْ هَذِهِ الْبَيْضَاتِ! فَوَثَبْت فَعَمِلْتهنّ، ثُمّ جِئْت بِالْبَيْضِ فِي قَصْعَةٍ، وَجَعَلْت أَطْلُبُ خُبْزًا فَلَا أَجِدُهُ. قَالَ: فجعل رسول الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْضِ بِغَيْرِ خُبْزٍ. قَالَ جَابِرٌ: فَرَأَيْت رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَمْسَكَ يَدَهُ وَأَنَا أَظُنّ أَنّهُ قَدْ انْتَهَى إلَى حَاجَتِهِ، وَالْبَيْضُ فِي الْقَصْعَةِ كَمَا هُوَ. قَالَ: ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَكَلَ مِنْهُ عَامّةُ أَصْحَابِنَا، ثُمّ رُحْنَا مُبَرّدِينَ. قَالَ جَابِرٌ: وَإِنّا لَنَسِيرُ إلَى أَنْ أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا لَك يا جابر؟
فقلت: أبى رَسُولَ اللهِ جَدّي [(٢)] أَنْ يَكُونَ لِي بَعِيرُ سُوءٍ، وَقَدْ مَضَى النّاسُ وَتَرَكُونِي! قَالَ: فَأَنَاخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعِيرَهُ فَقَالَ: أَمَعَك مَاءٌ؟
فَقُلْت: نَعَمْ. فَجِئْته بِقَعْبٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَفَثَ فِيهِ ثُمّ نَضَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ وَعَلَى عَجُزِهِ، ثُمّ قَالَ: أَعْطِنِي عَصًا. فَأَعْطَيْته عَصًا مَعِي- أَوْ قَالَ قَطَعْت لَهُ عَصًا مِنْ شَجَرَةٍ. قَالَ: ثُمّ نَخَسَهُ، ثُمّ قَرَعَهُ بِالْعَصَا، ثُمّ قَالَ: ارْكَبْ يَا جَابِرُ. قَالَ: فَرَكِبْت. قَالَ: فَخَرَجَ، وَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ، يُوَاهِقُ نَاقَتَهُ [(٣)] مُوَاهَقَةً مَا تَفُوتُهُ نَاقَتُهُ.
قَالَ: وَجَعَلْت أَتَحَدّثُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثم قال:
_________________
(١) [(١)] فى الأصل: «عليه بن زيد» . وما أثبتناه من ب، ومن ابن عبد البر. (الاستيعاب، ص ١٢٤٥) . [(٢)] فى الأصل: «خذنى ألا يكون»،. وما أثبتناه هو قراءة ب. [(٣)] أى يباريها فى السير ويماشيها، ومواهقة الإبل مد أعناقها فى السير. (النهاية، ج ٤، ص ٢٣٤) .
[ ١ / ٣٩٩ ]
يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَتَزَوّجْت؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيّبًا؟ فَقُلْت:
ثَيّبًا. فَقَالَ: أَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك! فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي وَأُمّي إنّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، وَتَزَوّجْت امْرَأَةً جَامِعَةً تَلُمّ شَعَثَهُنّ وَتَقُومُ عَلَيْهِنّ. قَالَ: أَصَبْت. ثُمّ قَالَ: إنّا لَوْ قَدِمْنَا صِرَارًا أَمَرْنَا بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، وَأَقَمْنَا عَلَيْهَا يَوْمَنَا ذَلِكَ، وَسَمِعَتْ بِنَا فَنَفّضَتْ نَمَارِقَهَا. قَالَ، قُلْت: وَاَللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا [(١)] نَمَارِقُ. قَالَ: أَمَا إنّهَا سَتَكُونُ، فَإِذَا قَدِمْت فَاعْمَلْ عَمَلًا كَيّسًا. قَالَ، قُلْت: أَفْعَلُ مَا اسْتَطَعْت. قَالَ: ثُمّ قَالَ: بِعْنِي جَمَلَك هَذَا يَا جَابِرُ. قُلْت: بَلْ هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ:
لَا، بَلْ بِعْنِيهِ. قَالَ: قُلْت نَعَمْ، سُمْنِي بِهِ. قَالَ: فَإِنّي آخُذُهُ بِدِرْهَمٍ.
قَالَ قُلْت: تَغْبِنُنِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: لَا، لَعَمْرِي! قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي دِرْهَمًا دِرْهَمًا حَتّى بَلَغَ بِهِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا- أُوقِيّةً- فَقَالَ: أَمَا رَضِيت؟ فَقُلْت:
هُوَ لَك. فَقَالَ: فَظَهْرُهُ لَك حَتّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ. قَالَ: وَيُقَالُ إنّهُ قَالَ «آخُذُهُ مِنْك بِأُوقِيّةٍ وَظَهْرُهُ لَك» فَبَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمّا قَدِمْنَا صِرَارًا أَمَرَ بِجَزُورٍ فَنُحِرَتْ، فَأَقَامَ بِهِ يَوْمَهُ ثُمّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ.
قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ: قَدْ أَمَرَنِي النّبِيّ ﷺ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا كَيّسًا. قَالَتْ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَدُونَك فَافْعَلْ. قَالَ: ثُمّ أَصْبَحْت فَأَخَذْت بِرَأْسِ الْجَمَلِ فَانْطَلَقْت حَتّى أَنَخْته عِنْدَ حُجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَجَلَسْت حَتّى خَرَجَ، فَلَمّا خَرَجَ قَالَ: أَهَذَا الْجَمَلُ؟ قُلْت: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ الّذِي اشْتَرَيْت. فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَعْطِهِ أُوقِيّةً، وَخُذْ بِرَأْسِ جَمَلِك يَا ابْنَ أَخِي فَهُوَ لَك. فَانْطَلَقْت مَعَ بِلَال فَقَالَ بِلَالٌ: أنت ابن
_________________
(١) [(١)] فى ب: «ما لها» .
[ ١ / ٤٠٠ ]
صَاحِبُ الشّعْبِ؟ فَقُلْت: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاَللهِ لَأُعْطِيَنك وَلَأَزِيدَنك.
فَزَادَنِي قِيرَاطًا أَوْ قِيرَاطَيْنِ. قَالَ: فَمَا زَالَ ذَلِكَ [(١)] يُثْمِرُ وَيَزِيدُنَا اللهُ بِهِ:
وَنَعْرِفُ مَوْضِعَهُ حَتّى أُصِيبَ هَا هُنَا قَرِيبًا عِنْدَكُمْ- يَعْنِي الْجَمَلَ.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَطِيّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمّا انْصَرَفْنَا رَاجِعِينَ، فَكُنّا بِالشّقْرَةِ، قَالَ لِي رسول الله ﷺ: يا جَابِرُ، مَا فَعَلَ دَيْنُ أَبِيك؟ فَقُلْت:
عَلَيْهِ انْتَظَرْت يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُجَذّ نَخْلُهُ. قال رسول الله ﷺ:
إذَا جَذَذْت فَأَحْضِرْنِي قَالَ، قُلْت: نَعَمْ. ثُمّ قَالَ: مَنْ صَاحِبُ دَيْنِ أَبِيك؟ فَقُلْت: أَبُو الشّحْمِ الْيَهُودِيّ، لَهُ عَلَى أَبِي سِقَةُ [(٢)] تَمْرٍ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَمَتَى تَجُذّهَا؟ قُلْت: غَدًا. قَالَ: يَا جَابِرُ، فَإِذَا جَذَذْتهَا فَاعْزِلْ الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَتِهَا، وَأَلْوَانَ التّمْرِ عَلَى حِدَتِهَا.
قَالَ: فَفَعَلْت، فَجَعَلْت الصّيْحَانِيّ عَلَى حِدَةٍ، وَأُمّهَاتَ الْجَرَادَيْنِ عَلَى حِدَةٍ، وَالْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، ثُمّ عَمَدْت إلَى جُمّاعٍ مِنْ التّمْرِ مِثْلِ نُخْبَةٍ [(٣)] وَقَرْنٍ وَشُقْحَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَنْوَاعِ، وَهُوَ أَقَلّ التّمْرِ، فَجَعَلْته حَبْلًا [(٤)] وَاحِدًا، ثُمّ جِئْت رَسُولَ اللهِ ﷺ فَخَبّرْته، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلُوا الحائط وحضر أبو الشّحم. قال:
_________________
(١) [(١)] فى ب: «فما زال يثمر ذلك» . [(٢)] فى ب: «سقة من تمر» . قال ابن الأثير: السقة جمع وسق وهو الحمل وقدره الشرع بستين صاعا وقد صحفه بعضهم بالشين المعجمة وليس بشيء، والذي ذكره أبو موسى فى غريبه بالشين المعجمة وفسره بالقطعة من التمر. (النهاية، ج ٢، ص ١٦٩) . [(٣)] فى ب: «نحفة» . [(٤)] هكذا فى النسخ. والحبل: قطعة من الرمل ضخمة ممتدة. (النهاية، ج ١، ص ١٩٧) . وكأنه يريد به أن التمر كحبل الرمل.
[ ١ / ٤٠١ ]
فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى التّمْرِ مُصَنّفًا قَالَ: اللهُمّ بَارِكْ لَهُ! ثُمّ انْتَهَى إلَى الْعَجْوَةِ فَمَسّهَا بِيَدِهِ وَأَصْنَافَ التّمْرِ، ثُمّ جَلَسَ وَسَطَهَا ثُمّ قَالَ: اُدْعُ غَرِيمَك. فَجَاءَ أَبُو الشّحْمِ فَقَالَ: اكْتَلْ! فَاكْتَالَ حَقّهُ كُلّهُ مِنْ حَبْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْعَجْوَةُ، وَبَقِيّةُ التّمْرِ كَمَا هُوَ. ثُمّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ بَقِيَ عَلَى أَبِيك شَيْءٌ؟ قَالَ، قُلْت: لَا. قَالَ: وَبَقِيَ سَائِرُ التّمْرِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ دَهْرًا وَبِعْنَا مِنْهُ حَتّى أَدْرَكَتْ الثّمَرَةُ مِنْ قَابِلَ، وَلَقَدْ كُنْت أَقُولُ:
لَوْ بِعْت أَصْلَهَا مَا بَلَغَتْ مَا كَانَ عَلَى أَبِي مِنْ الدّيْنِ، فَقَضَى اللهُ مَا كَانَ عَلَى أَبِي مِنْ الدّيْنِ. فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَالنّبِيّ ﷺ لَيَقُولُ: مَا فَعَلَ دَيْنُ أَبِيك؟ فَقُلْت: قَدْ قَضَاهُ اللهُ ﷿. فَقَالَ: اللهُمّ اغْفِرْ لِجَابِرٍ!
فَاسْتَغْفَرَ لِي فِي لَيْلَةٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرّةً.
حَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ رسول الله ﷺ على الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ ﵁.