وأما محمد بن إسحاق بن يسار فقد ولد بالمدينة سنة ٨٥ هـ تقريبا، وكان مولى لقيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، ثم ترك المدينة فيما بعد، ولا يمكننا أن نحدد تاريخ مغادرته للمدينة.
وقال ابن حجر، قال ابن يونس: قدم الاسكندرية سنة ١١٩ هـ[(٤)]، ولا نعرف إذا كانت هذه الزيارة وقعت قبل مغادرته المدينة نهائيا أم لا، ويبدو أنه كان فى المدينة سنة ١٢٣ هـ[(٥)] .
وعلى أية حال فإنه يحتمل أن يكون قد ترك المدينة قبل بلوغه سن الأربعين.
قال ابن حجر: وكان خرج من المدينة قديما فأتى الكوفة والجزيرة والري وبغداد
_________________
(١) [(١)] الجرح والتعديل، ج ٤، ق ١، ص ١٥٤. [(٢)] تهذيب التهذيب، ج ١٠، ص ٣٦١. [(٣)] كشف الظنون، ج ٢، ص ١٧٤٧. [(٤)] تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٤. [(٥)] ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج ١، ص ٦٢١.
[ المقدمة / ٢٥ ]
فأقام بها حتى مات سنة ١٥١ هـ[(١)] .
وثمة قرينة أخرى تدل على تركه المدينة قبل أن يكتهل، وذلك حين نرى أن رواته من أهل البلدان أكثر من رواته من أهل المدينة لم يرو عنه منهم غير إبراهيم ابن سعد [(٢)] .
ويذكر ابن سيد الناس أن من أهم أسباب ترك ابن إسحاق للمدينة، عداوة هشام بن عروة ومالك بن أنس له [(٣)] .
فأما هشام بن عروة فإنه كره ابن إسحاق لما رواه فى كتابه عن زوجة أبيه عروة.
وليست الرواية عن النساء من غير نظر إليهن مما يجرّح به الإنسان، كما يذكر ابن حجر [(٤)] .
وأما مالك بن أنس- حسبما يرى الأستاذ جيوم- فقد هاجم محمد ابن إسحاق من أجل الأحكام الشرعية التي أوردها فى كتابه «السنن» الذي لم يصل إلينا [(٥)] .
ومن المحتمل أن مالكا كان يعترض على ابن إسحاق لرميه بالقدر [(٦)] .
ولعل السبب الأقوى فى عداوة مالك بن أنس لابن إسحاق كما يقول ابن سيد الناس، هو: تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر، وقريظة، والنضير، وما أشبه ذلك من الغرائب عن أسلافهم [(٧)] .
وقد وصلت إلينا سيرة ابن إسحاق بطرق عدة، أشهرها رواية ابن هاشم عن البكائى. ومن أهمها رواية ابن بكير، التي لم تصل إلينا كاملة ولكننا نجد قطعا كثيرة منها عند ابن سعد، وابن الأثير، وابن كثير، وأخيرا وجدت قطعة منها
_________________
(١) [(١)] تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٤. [(٢)] تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٤. [(٣)] عيون الأثر، ج ١، ص ١١، ١٢. [(٤)] تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٥. [(٥)] . A. Guillaume، ThelifeofMuhammad٢٢٨٤٠٥٢٤١، Introd. XIII [(٦)] ابن حجر، تهذيب التهذيب، ج ٩، ص ٤٢. [(٧)] عيون الأثر، ج ١، ص ١٧.
[ المقدمة / ٢٦ ]
مخطوطة فى مسجد القرويين بفاس، وهي تشتمل على الجزء الأول من الكتاب.
وقد اعتمد الطبري على رواية سلمة بن الفضل الأبرش الأنصارى، واعتمد ابن سعد- زيادة على رواية ابن بكير- على رواية هارون بن سعد. ومع ذلك فإن رواية ابن هشام لا تمثل النص الأصلى الكامل لسيرة ابن إسحاق، لأنه هو والبكائى أيضا قد غيرا فى النص، كما اعترف بذلك ابن هشام فى مقدمته للسيرة [(١)] .
ولم يكن القصد من هذه التغييرات- التي قام بها ابن هشام واعترف بها- مجرد التغيير، أو بغية الاختصار كما زعم، بل إنه وضح تماما أن الهدف الحقيقي لهذا التغيير عند ابن هشام والبكائى هو أن يطرحا من السيرة النبوية تلك الموضوعات التي اعترض عليها النقاد، كبدء الخليقة وقصص الأنبياء والشعر المنحول.
ومن الواجب عند إمعان النظر فى تطور السيرة فى القرنين الأول والثاني للهجرة، أن نذكر ثلاثة أسماء أخرى، هي: معمر بن راشد المتوفى سنة ١٥٤ هـ، وأبو معشر المتوفى سنة ١٧٠ هـ، وأخيرا الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ.