كان للحج آثاره البعيدة المدى من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للعرب بعامة ولمكة بخاصة؛ فقد كانت تقام في موسمه أسواق عامة أهمها عكاظ ومجنة وذو المجاز، وإقامة هذه الأسواق يعد تقليدًا من تقاليد الحج؛ لأنها كانت في
[ ١٥٧ ]
أيام معلومة وأماكن مستقرة، وإذا كانت هذه الأسواق مجالًا لنشاط مكة التجاري؛ فقد كانت من جهة أخرى تقليدًا خطير الشأن جليل النفع، بالنسبة للعرب الذين كان لهم في موسم الحج وأشهره الحرم فرصة الغدو والرواح آمنين مطمئنين، فكانوا يفدون على موسم الحج وأسواقه من كل الجهات: من أطرف الشام والعراق ومن اليمن وتهامة والبحرين، على مختلف القبائل والبيئات والجهات والعقائد، فيلتقون في هذه الأسواق ويتبادلون السلع، ويقيمون أودهم، ويتزودون بما هم في حاجة إليه من العروض كما كانوا يجدون فيها فرصة لإقامة مجال المفاخرة وإنشاد الأشعار والمفاضلة بين الشعراء، ولعقد حلقات السمر، ومجالس القضاء لحل المشاكل والقضايا المعقدة، كما كانت فرصة لبث الأفكار وتسيير الأخبار، وتعارف الزعماء والشعراء والخطباء، كما كانت مجالًا لمزاولة أنواع الرياضة من فروسية وسباق ومصارعة ومناضلة. فهي تشبه "الجمنازيوم" عند الإغريق إلى حد كبير١.
وقد استغل النبي -ﷺ- فرصة هذه الأسواق للقاء وفود العرب وزعمائهم ونبهائهم؛ ليعرض عليهم رسالته ويقرأ عليهم القرآن، وقد تقابل مع وفد يثرب وتم بينهم الاتفاق؛ فكانت الهجرة بعد ذلك وما تلاها من أحداث غيرت وجه التاريخ العربي بل وجه التاريخ العام٢. ونرجح أن الوافدين على هذه الأسواق لم يكونوا كلهم مشركي العرب، بل كان يفد عليها نصارى العرب ويهود يثرب؛ للتبشير والاتجار، ولعل منهم من كان يشترك في مناسك الحج وقد كان قس بن ساعدة الإيادي من نصارى العرب وخطبته في أحد مواسم الحج من الروايات العربية المشهورة٣.
كذلك كان للحج آثار اجتماعية وأدبية عظيمة؛ فالعرب يأتون من كل جهة، ثم يتفرقون وقد امتلأت جعباتهم بالأخبار وذاكراتهم بالأشعار والخطب والكلمات الممتازة، واكتظت أذهانهم بمختلف الصور والمشاهد، الأمر الذي ساعد على تقريب العرب بعضهم من بعض واستقرار معنى القومية المشتركة في أذهانهم، وتوحيد اللغة وتصفيتها، وبعث حركة نشيطة بدت تباشيرها وتطورها التقدمي قبل الإسلام، فيما كان
_________________
(١) ١ البتنوني: الرحلة الحجازية ص١١٩- ١٢٠. ٢ ابن سعد ١/ ٢٠١- ٢٠٢. ٣ ابن كثير ٢/ ٢٣٢- ٢٣٤.
[ ١٥٨ ]
من تطور من الوثنية إلى الشرك، ثم اعتبار الشركاء شفعاء عند الله، ومن استنكار العرب لما بين الكتابيين من نزاع وخلاف، وتنديدهم بهم، وتمنيهم أو توقعهم بعثة نبي منهم، وحلفهم الأيمان بأنهم إذا جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ثم من ظهور طبقة الموحدين الذين أخذوا يشمئزون مما يعبد قومهم، ويطوفون الأرض وينشدون ملة إبراهيم ويتعبدون عليها أو على ما يظنون أنه هي١، ومن اقتباس العرب كثيرًا مما عند الكتابيين وغيرهم من معارف دينية وغير دينية.
ونستطيع أن ندرك ما استفادته قريش من هذا الاحتكاك والاتصال بين العرب الوافدين من مختلف الجهات العربية ومنهم من عرف الفرس ومنهم من عرف الروم، ومنهم من كان من اليمن وعرف الأحباش، في تطوير نظمها والأخذ بأسباب التقدم الأدبي والمادي.
وكان لأهل مكة خاصة ميزة ومركز يشعرانها بما عليهم من واجبات نحو الكعبة والحجاج؛ فقد كانوا يرون لأنفسهم حق الحرمة والميزة على العرب؛ بسبب اختصاصهم بكرامة البيت الحرام، ويعتبرون أنفسهم أهله وأولياءه٢، كما كانوا يدركون مركز بلدهم وكرامتها وقدسيتها، وجعلها مثابة للناس وأمنًا لا يسفك فيها دم ولا يثار فيها نزاع ولا قتال؛ لذلك كانوا يتضامنون في القيام بواجبهم نحو وفود الحجاج من ترحيب وإكرام وقِرى؛ باعتبارهم ضيوف بيت الله في بلدتهم وهم سدنته الأقربون، وقد اختص بعضهم بسقاية الحاج واختص البعض بعمارة البيت٣، والبعض بالقيام على رفادة الحجاج.
ولما كانت مكة بلدًا في وادٍ غير ذي زرع، وأنها تعتمد في حياتها على ما يجلب إليها من الخارج، وما يستطيع أهلها أن يحققوه لأنفسهم من منافع عن طريق البيع والشراء، والتبادل مع الوافدين عليها والمارين بها في رحلات القوافل التجارية، أو القادمين إلى الأسواق التي تقام فيها وحولها، وما يقدمه الحاج إلى بيتها من هدايا
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٤٢- ٢٥١، ابن كثير ٢/ ٢٣٨. ٢ انظر سورة الأنفال ٣٤. ٣ انظر سورة التوبة ١٧- ١٩.
[ ١٥٩ ]
ونذور، فقد كان لا بد أن يضع أهله لهم وللقادمين إليه أنظمة وقوانين؛ لتنظيم الحياة، وتوفير الأمن وحفظ الحقوق وحماية من يفد إليه من الأذى. فالكعبة وهي بيت الله، أرض حرام لا يجوز البغي فيها ولا ارتكاب المعاصي واقتراف الآثام، والمدينة وهي في جوار بيت الله ذات حرمة وقدسية، وسكان البلد الحرام هم في حمى البيت وفي جواره؛ فلا بد من إنصافهم وإحقاق حقهم١. وهذا الإدراك قديم سابق على عهد قريش، فتذكر الروايات أن مضاضَ بن عمرو الجرهمي فكر في حماية التجارة والدفاع عن الأجانب جلبًا للغرباء والتجار، فقال في إحدى خطبه: وقروا حرم الله ولا تظلموا من دخله وجاء معظمًا لحرمته، وآخر جاء بائعًا لسلعته أو مرتغبًا في جواركم٢، كما تروي أن عمروَ بن لحي زعيم خزاعة قد اتخذ من الإجراءات ما يرغب العرب في القدوم إلى مكة والحج إلى بيتها الحرام؛ فجلب الأصنام وأقامها في فناء الكعبة، كما كان يقيم موائد الطعام في موسم الحج حتى لقد قالوا: إنه كان يذبح عشر آلاف بدنة٣.
ولما صار الأمر إلى يد قريش بعد خزاعة نظم زعيمها قصي بن كلاب الوظائف المدنية والدينية بالمدينة المكية، وعمل على إنماء المدينة وتقرير كيانها، وتوسعت قريش فلم تكتف بتقرير حرمة المدينة في داخلها، بل جعلت لها مجالًا في خارجها، وجعلت هذا المجال حرمًا كحرمة المدينة نفسها، وأقامت له علامات يعرف بها، أي أنها حرمت المدينة وحفظت لها مجالًا فيما حولها. كما أقرت حقوق المواطنة لأهل هذا الحرم، وسمت المتمتعين بهذا الحق باسم الحمس.
ولفظ الحمس جمع مفرده أحمس، ومعناه ابن البلد وابن الحرم والوطني المقيم، والذي ينتمي إلى الكعبة والحرم؛ فهو امتياز لأبناء الوطن وأهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنيها. فقال القرشيون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها؛ فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا٤، ثم جعلوا للحمس علامة وهي ألا يعظم الأحمس
_________________
(١) ١ جواد علي ٤/ ٢٠٧- ٢٠٨. ٢ الأغاني ١٣/ ١٠٥ "طبعة مصر". ٣ ابن كثير ٢/ ١٨٧. ٤ ابن هشام ١/ ٢١٦. تفسير الطبري ٤/ ١٠٨.
[ ١٦٠ ]
شيئًا من الحل -أي الأرض التي وراء الحرم- كما يعظم الحرم، وقالوا: إن فعلتم ذلك استخفت العرب١ بحرمكم؛ ولذلك ترك الحمس الوقوف بعرفة -لأنه خارج عن الحرم- والإفاضة منها مع إقرارهم بأنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ويفيضوا منها ٢ إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم؛ فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس والحمس أهل الحرم٣، فأظهروا بذلك شدة تعصبهم لبقعة من الأرض، وترفعوا أن يخرجوا عنها ولو كان في خروجهم إتمام لمشاعر الحج.
أقرب قريش هذا التقليد، ويقول ابن إسحاق: إنه لا يدري أكان ذلك قبل الفيل أم بعده٤، والراجح أنه كان قبل الفيل وربما كان في عهد قصي بن كلاب الذي أقر وظائف مكة، وكان له من المنزلة الكبيرة ومن المكانة ما يسمح له بوضع هذا القرار حتى كان أمره كالدين المتبع في حياته وبعد موته. وأدخلت فيه كنانة وخزاعة، ومنحوا هذا الحق لمن ولد من العرب في الحرم، كما منحوه لمن ولد منهم -وقد كانوا يشترطون على من يتزوج منهم أن ينتقل إليهم، يرون أن ذلك لا يحل لهم ولا يجوز لشرفهم حتى يدان إليهم وينقاد ويتبع مبدأهم٥ -وذلك ليوطدوا صلاتهم بأصهارهم وحلفائهم؛ فاستحق الشرف بحق المولد كما استحقته قريش بحق الدم والأصل. وفي القوانين الدولية الخاصة الحديثة من يكتسب حق المواطنة بالدم، ففكرة الحمس إقرار لحق الوطنية بالانتساب للبقعة وامتياز لمن له هذا الحق. وليس معنى التحمس في الدين كما ورد في القاموس، فإن قريشًا تركت فرضًا هامًّا من فروض الحج تعصبًا للحرم مع أن هذا يتنافى مع دين إبراهيم. وإن الحمس قد ابتدعوا أمورًا من الدين تميزهم عن غيرهم، وتشير إلى ارتباطهم بالكعبة، وتؤكد تمسكهم بحرمة البيت الحرام وتعظيم الحج إليه؛ ليزيد ذلك في شرفهم وشرف البيت، وقالوا: لا
_________________
(١) ١ نفسه. ٢ البخاري ١/ ١٦٣. ٣ ابن هشام ١/ ٢١٦. ٤ نفسه. ٥ الأزرقي ١/ ١١٥. العقد الفريد ٣/ ٣٢٠ وما بعدها. الآلوسي ١/ ٢٤٢.
[ ١٦١ ]
ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، ولا يدخلوا بيتًا من الشعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا١. وهذه الأمور داخلية في باب التزهد؛ إلا أنهم اختصوا أنفسهم بالقباب الحمر تضرب لهم في الأشهر الحرم ٢. وكانت القباب الحمر علامة الشرف والرياسة.
وكانت فكرة الحمس صائبة؛ لأنها ترمي إلى إعزاز أهل الحرم، وتضمن سلامة القاصدين إليهم، وتحجز ما بين الأعداء وتشل أيدي المنتقمين والمتربصين فنشأ حق الالتجاء من حق الحمس، فكان الرجل لو جر جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام أو في الحرم لم يتعرض له، وكان الرجل إذا أراد البيت الحرام تقلد من شعر فأحمته أي جعلته حمًى لا يقرب.
ثم إن الحمس فرضوا على العرب فروضًا حملوها عليها فدانت لهم بها وأخذت بما شرعوه لهم من ذلك، فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس؛ فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها وهو لا أحد غيره أبدًا، وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقي٣. ولكن في أخبار التاريخ ما يدل على أن الطواف مع العري كان مبالغة في التقديس والتطهر، فبنت قريش فرضها هذا الذي فرضته على العرب على تلك العادة القديمة. وما زال حق الحمس يتطور حتى صار دينًا متبعًا.
كل هذا يعني أن قريشًا نظمت الحج والقدوم إلى مكة حسب ما تقتضيه مصلحتها الأدبية والمادية، وكانت تبتدع من الأمور ما يحقق لها الاحترام، ولبلدها القدسية عند العرب، وما يحقق لها الكسب المادي.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢١٩. ٢ الآلوسي١/ ٢٤٤. ٣ ابن هشام: ١/ ٢١٩. البخاري ٢/ ١٦٣.
[ ١٦٢ ]
والحج وأسواقه كانت حافزًا لنشاط قريش التجاري، إذ هم يضربون في الأرض شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا لحمل التجارة بين هذه الجهات، ولمزاولة التجارة الداخلية في أسواق العرب، وفي موسم الحج في مكة. وإن هذه السنن التي فرضوها على العرب جميعًا هي في الحقيقة متصلة بنشاطهم التجاري؛ فإن الناس يطرحون أزواد الحل قبل الدخول في الحرام، حتى يبتاعوا أزوادهم من أهل مكة. وكذلك عدم السماح لهم بالطواف بأثوابهم وإنما عليهم أن يلبسوا المآزر الأحمسية وذلك حتى يشتروا ما يلزمهم من ذلك من قريش، وبذلك كانت توجد سوق نشيطة في مكة في موسم الحج لبيع الملابس، وتخصص بعض التجار في بيع الأطعمة١. وإذا كانت تضيف الحجاج ثلاثة أيام بمنى فليس ذلك بكافٍ، ثم إن الأغنياء من الحجاج لم يكونوا يشاركون في هذه الموائد العامة التي تقيمها قريش، والكل مضطر لشراء طعامه بعد ذلك. وإذا كان من الناس من يستعير ثياب الحمس أو يهداها؛ فليس الجميع كذلك، وكذلك لم يكن الكثير قادرًا على الاستغناء عن ملابسه لتكون: لقي بعد طوافه، ولا كلهم يرضى بالطواف عريانًا وبخاصة وإن كان منهم من يفعل ذلك؛ على أن قريشًا كانت تأخذ إلى جانب ذلك كله ضريبة تسمى الحريم من كل من نزل عليها، تأخذ بعض ثيابه أو بعض بدنته٢.
_________________
(١) ١ الذهبي سير أعلام النبلاء ٢/ ٢٩. ٢ جواد علي ٤/ ٢١٨. شوقي ضيف: العصر الجاهلي٥٠.
[ ١٦٣ ]