كانت المدينة على طريق القوافل التجارية، ومن المستبعد أن يبقى تجارها في غفلة عن الأسفار التجارية كماكان يقوم بهأ اهل مكة، وكان فيها جالية كبيرة من اليهود ومنهم من كان يملك ثروة كبيرة، ومن المستبعد ألا يكونوا قد ضربوا بسهم وافر في النشاط التجاري في الحجاز بعامة وفي المدينة بخاصة، سواء كان ذلك بالرحلات
[ ٣٠٣ ]
التجارية الخارجية أو في الأسواق المحلية والموسمية١. وتحدثنا المصادر عن رجل يهودي كان يتاجر في الحجاز، وكان بارعًا في التجارة حتى لقد أحنق عليه القرشيين أنفسهم وهم على ما هم عليه من براعة وخبرة تجارية؛ فتخلصوا من منافسته بقتله٢. كما تحدثنا عن أبي رافع الخيبري الذي كان يرسل تجارته إلى الشام بواسطة القوافل ويستورد منها الأقمشة المختلفة٣.
وإذا كان سكان المدينة من العرب واليهود قد عملوا بالزراعة وكانت موردهم الرئيسي، وإذا كانوا قد شغلوا بحروبهم وخلافاتهم الداخلية؛ فليس معنى ذلك أنهم أهملوا التجارة، وقد تحدثنا من قبل عن الحركة التجارية النشيطة في الداخل، وليس من المحتمل أنهم لم يزاولوا التجارة الخارجية، وإن لم يضربوا فيها بسهم وافر مثل أهل مكة الذين كانت المورد الأساسي للرزق عندهم. وإن كانت المصادر لم تحدثنا عن قوافل تجارية للمدينة اتجهت إلى الشام أو إلى اليمن، ولكن من المؤكد أن قوافل مكة كانت تمر بالمدينة في رحلاتها التجارية، وأن أهل المدينة يتعاملون مع هذه القوافل المكية٤، كما كانوا يرحلون إلى الأسواق العربية في عكاظ ومجنة وذي المجاز في موسم الحج يبيعون فيها ويشترون٥. كما كانوا يستوردون ما يلزمهم من أقمشة قطنية وحريرية ونمارق مرسومة ووسائل الترف، وما يحتاجون إليه من زيت وزبيب ونبيذ من الشام ومن اليمن، كما كانوا يستوردون العطور والمسك من دارين فرضة البحرين التي كان يحمل إليها المسك من الهند٦. ثم هم كانوا في حاجة إلى تصريف ما لديهم من صناعات وبخاصة الحلي التي اشتهر يهود بني قينقاع بصناعتها في أسواق العرب أو في الأسواق الخراجية، ثم يستجلبون ما يلزمهم من خامات
_________________
(١) ١ دروزة ٨٥. ٢ أنساب الأشراف ١/ ٧٣. ٣ تاريخ الخميس ٢/ ١٢. ٤ ابن هشام ١/ ١٤٨، ١٧٩. ٥ البخاري ٣/ ٦٢. ٦ الدلات السمعية ٦٤٣.
[ ٣٠٤ ]
الذهب والحديد وغيره مما يلزم لصناعاتهم، ومن أحجار كريمة من هذه الجهات، وكان أنباط الشام يأتون إلى المدينة بقوافلهم تحمل الحنطة والزبيب والزيوت١، وكثيرًا ما كان أهل يثرب يدفعون إليهم مقدمًا ثمن البضائع ليضمنوا ورودها٢. ولا يستبعد أن أهل يثرب أنفسهم كانوا يرحلون لجلب ما يلزمهم من الشمال أو من الجنوب؛ بل الأرجح أنهم كانوا يقومون بهذه الرحلات. وكما كانوا يسافرون بالبر كذلك كانوا يتاجرون عن طريق البحر٣، والمدينة ليست على مسافة كبيرة من البحر الأحمر، ولها فرضتها التي كانت ترسو فيها السفن وهي الجار، وبينها وبين المدينة يوم وليلة، وبينها وبين أيلة نحو عشر مراحل، وهي فرضة ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وكانت ميناء هامًّا حتى لقد سمي هذا الجزء من البحر الأحمر من جدة إلى أيلة الجار ٤. فلا بد أن أهل المدينة انتفعوا بالتجارة عن طريق هذا المرفأ وتلقوا منه حظًّا من التجارة العالمية.
وإذا كانت يثرب -نظرًا لظروفها الداخلية- لم تستطع منافسة مكة في مجال التجارة بوجه عام في الفترة التي سبقت الإسلام؛ فإنها لم تلبث أن أخذت تنافسها منافسة خطيرة بعد الهجرة النبوية وقيام الدولة الإسلامية بها؛ فلم يكد المسلمون يستقرون بالمدينة حتى اتجهوا إلى التجارة الخارجية مع مزاولتهم للتجارة الداخلية وتنظيمها، فقد بدأ رجال من المهاجرين من قريش من أمثال طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعيد بن زيد وغيرهم يرحلون إلى الشام يجلبون منها التجارة٥. وفي الوقت الذي أخذت فيها قوات المدينة طريق الشمال على قوافل قريش، أخذت المدينة تحاول أن تخلفها في هذا المضمار، وشيئًا فشيئًا تحول الزمام إلى يثرب بعد أن صارت عاصمة الدولة العربية الموحدة
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٥- ٥٦. ٢ نفسه ٣/ ٨٥- ٨٧. ٣ البخاري ٣/ ٥٦. ٤ ياقوت ٥/ ٩٢- ٩٣. ٥ ابن قتيبة: المعارف ٦٧. السمهودي ١/ ١٧٤ الدلالات السمعية ٦٣٦- ٦٣٨ ابن حزم: جوامع السيرة ١١٩- ١٢٠.
[ ٣٠٥ ]