كانت التجارة الداخلية في يثرب نشيطة، والأخذ والعطاء والتعامل فيها كبيرًا، سواء بين أهلها أنفسهم، أو بينهم وبين جيرانهم من الأعراب الذين كانوا يفدون على المدنية للامتياز منها، ولتصريف منتجات البادية من إبل وغنم وخيل، وصوف ووبر وسمن وأقط وغير ذلك، كما كانت الصناعة في يثرب قائمة وبخاصة صناعة الصياغة حيث كانت تمون مدن الحجاز وبدوها بما يحتاجون إليه من حلي لنسائهم وبناتهم، وكذلك بالمصنوعات الحديدية من أسلحة ودروع وآلات زراعية وغيرها.
وكان في المدينة عدة أسواق، والسوق فضاء واسع لا بناء فيه يضع فيه التجار بضائعهم، والمكان لمن سبق١، وكان الراكب ينزل بالسوق فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق ورحله بعينه يبصره لا يغيبه عنه شيء. وأهم هذه الأسواق سوق بني قينقاع عند جسر وادي بطحان مجاورة لمنازلهم، وكانت سوقًا عظيمة، تكثر فيها الحركة، وتسمع منها ضجة البيع والشراء والتعامل٢، وأهم ما كان يباع الحلي التي تخصص يهود بني قينقاع في صناعتها. ثم سوق أخرى بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب في الشمال الغربي من المدينة، وقد اتسعت هذه السوق وعظم أمرها بعد الإسلام حيث اتخذها المسلمون سوقًا لهم بعد أن فسدت العلاقات بينهم وبين اليهود٣. كما كانت توجد سوق بالعقبة وهي موضع من قباء ٤، وسوق بمزاحم عند مساكن بني الحبلى عشيرة عبد الله بن أبي، وسوق قرب البقيع عرفت ببقيع الخيل، كانوا بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، وكان أكثر ما يباع في هذه السوق الحيوانات ٥.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ٥٤١. ٢ الأغاني ٢١/ ٦٢ "مصر". ٣ السمهودي ١/ ٥٤٠. ٤ ياقوت ١٣/ ١٢٨. ٥ السمهودي ١/ ٥٤٤- ٥٤٥.البخاري ٣/ ٦٣.
[ ٢٩٩ ]
كل هذه الأسواق كان يباع فيها كل ما تنتجه المدينة من تمر وشعير وطعام وخمر، وحتى الحطب الذي كان يباع فيها يجلبه الحطابون من أشجار المدينة أو من الغابة أو من البادية. كذلك كان يباع فيها ما يجلب إليها من الخارج من منتجات البادية من صوف وشعر ووبر وسمن وأقط. كذلك كانت الأشياء المصنوعة تباع فيها سواء كان ذلك من صناعة المدينة نفسها من حلي وسلاح، وآلات زراعية من مساح ومكاتل وكرازين، أو ما يجلب إليها من الخارج من نبيذ وزيت وحنطة ومنسوجات قطنية وحريرية، ونمارق ملونة مرسومة يبتاعها أهل النعمة واليسار، كما كان هناك عطارون يتاجرون في أنواع العطارة والمسك والروائح العطرية. وكان لكل طائفة من الباعة موضع معلوم في السوق١.
وإلى جانب البيع والشراء في منتجات الأرض وفي المصنوعات والمجلوبات الخارجية، كان هناك أناس يعملون بالصيرفة ويعتبرونها نوعًا من التجارة؛ فكانوا يبيعون الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما كانوا يقومون باستبدال النقود وكسرها، ولكنهم كانوا يستغلون جهل الناس فلا يظهرونهم على مدى الجودة أو فارق الوزن في الدنانير والدراهم٢.
وكانت السمسرة حرفة يحترفها بعض الناس، فيتولون البيع نيابة عن أصحاب البضائع وبخاصة من أهل البادية، وكثيرًا ما كانوا يستغلون جهل هؤلاء البدو فيخسرونهم، أو يرفعون في السعر أو ينقصون مضاربة٣.
ولم تكن هناك رقابة مفروضة على البيع والشراء وتنظيم التعامل في هذه الأسواق، إذ لم تكن في المدينة هيئة حكومية؛ وإنما كانت المدينة تحيا حياة قبلية تامة؛ فلم تكن لذلك رقابة على ضبط المكاييل وتنظيم البيع والشراء، وحماية السذج من البدو من الوقوع في يد المحتالين والغشاشين ومع أن الكيل والوزن كان موجودًا؛ إلا أن البيع والشراء مجازفة كان أمرًا سائدًا٤. كما كان من وسائلهم المناجشة في
_________________
(١) ١ انظر البخاري ٣/ ٦٣- ٦٤. السمهودي ١/ ٥٣٩- ٥٥٢. الدلالات السمعية: ٦٤١- ٦٤٣. ٢ الدلالات السمعية ٦٦٤. ٣ البخاري ٣/ ٧١-٧٢ الدلالات السمعية ٦٥٣. ٤ البخاري ٣/ ٨٥-٩٥ الدلالات السمعية ٦٤٩. "بيع الشيء مجازفة: بيعه دون أن يعلم كيله ولا وزنه. القاموس مادة ج ز ف".
[ ٣٠٠ ]
البيع وهي أن يزيد الشخص في السلعة أكثر من ثمنها، لا يشتريها ولكن ليغر غيره فيقع فيها١. كما كان التجار يتلقون الركبان خارج المدينة فيشترون منهم ما يحملون من طعام قبل أن يصلوا إلى السوق حتى لا يعرفوا ثمنه الحقيقي، ثم يجمعونه ليحتكروا بيعه في السوق، وأحيانًا يبيعونه في مكانه قبل أن يصلوا إلى السوق إذا تحقق لهم الربح الذي يريدونه٢. كما كان الغش والمخادعة أمرًا جاريًا في الأسواق، فكانوا يبلون الحنطة والشعير ليكثركيلها، أو يخفون الرديء داخل الطيب، ويخلطون التمر الرديء بالجيد، ويحفلون -يصرون- الإبل والغنم والبقر فلا يحلبونها أيامًا حتى تبدو أنها كثيرة اللبن ثم يبيعونها ٣. كما كان البيع بالنسيئة -تأجيل الثمن- وبالرهن وسيلة من وسائلهم، وهم بذلك يبغون تنشيط البيع من ناحية وتحقيق ربح أزيد من ناحية أخرى.
وكما كان أهل المدينة يتبايعون في المعروضات، كذلك كان يتبايعون فيما بينهم في الممتلكات والمزروعات، فكانت الدور والأرض تباع في المدينة٤. وكانوا يتصرفون في مزروعاتهم ببيعها قبل أن يبدو محصولها فيبيعون التمر على رءوس النخل قبل أن يزهو -يظهر لونه بحمار أو صفار- ويبيعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، كما يبيعون الزرع في سنبله، وكان يحدث من جراء ذلك خسارة من كلا الوجهين؛ فقد تصاب الثمار بالدمان -المرض أو القشام: العاهات- فتحدث خسارة للمشتري، أو يستغل المشتري حاجة البائع فينقص في تقدير المحصول فتلحق الخسارة صاحب الزرع٥.
وقد كان الربا مظهرًا من مظاهر الحركة الاقتصادية والتجارية، ووسيلة من وسائل التعامل في المجتمع العربي بعامة وفي المدن بخاصة. وكان يزاول في المدينة مزاولة كبيرة٦ بين أهلها أنفسهم وبينهم وبين الوافدين إليهم. وكان وسيلة من وسائل زيادة
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٦٩ القاموس مادة "ن ج ش". ٢ البخاري ٣/ ٧١- ٧٣. ٣ السمهودي ١/ ٥٤٦. البخاري ٣/ ٧٠-٧١. ٤ البخاري ٣/ ٦٣- ٦٤. ٥ نفسه ٣/ ٧٦- ٧٨. ٦ نفسه ٣/ ٥٩.
[ ٣٠١ ]
الثروات، إذ كان الربا أحيانًا كثيرة يربو على الدين نفسه، فيذهب بأموال الناس. وقد كان العرب واليهود يزاولونه على السواء؛ فقد ذكرت الروايات أن أحيحة بن الجلاح أحد زعماء الأوس كان يتعامل بالربا حتى مع قومه من الأوس حتى كاد يحيط بأموالهم١. وقد نزل القرآن يندد باليهود وينعى عليهم أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل٢.
وقد كان الربا شديد الرسوخ وكان يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المدينة والمدن الحجازية بعامة، وكان القضاء عليه أمرًا شاقًّا حتى لقد تدرج القرآن في إبطال التعامل به؛ فبدأ بأن نهى عن الربا الفاحش: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران﴾ ثم نزل بتحريمه تحريمًا كاملًا بعد أن بين أضراره: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة] .
وحين قامت الدولة الإسلامية في يثرب بعد الهجرة كانت وسائل البيع والتعامل هذه سائدة في المدينة، فأخذ النبي -ﷺ- يعمل على تنظيمها، وقد ساق أصحاب الحديث أوامر كثيرة أصدرها النبي -ﷺ- تأمر بعدم استخدام الوسائل غير الشريفة في البيع والشراء والمعاملات، فقد نهى أن يبيع حاضر لباد -أي لا يكون له سمسارًا- لما في ذلك من خداع٣ كما نهى عن تلقي الركبان خارج المدينة، وعن بيع الطعام قبل أن يصل إلى السوق٤. كما نهى عن الغش واعتبر الغاش خارجًا على الجماعة٥. كما نهى عن أن يباع الثمر قبل أن يبدو صلاحه٦. وأمر أن يكون الكيل والوزن هو الأساس في المبايعة
_________________
(١) ١ الأغاني ١٣/ ١١٨ "مصر". ٢ النساء: ١٦١. ٣ البخاري ٣/ ٧٢. ٤ البخاري ٣/ ٧٣. ٥ السمهودي١/ ٥٤٦. ٦ البخاري ٣/ ٧٥.
[ ٣٠٢ ]
فمنع بيع المجازفة، وكان كل من روئي يبيع جزافًا يضرب في المدينة١. كما قضى برد كل بيع استعملت فيه المناجشة والخداع٢، كما منع بيع المزابنة، والمحاقلة، والمخاضرة وهي بيع الزرع في سنبله٣ وأمر بالدقة في المعاملة والصيرفة٤: وبذلك وضعت التشريعات لتنظيم التجارة في المدينة وقامت الدولة على مراقبتها وتنظيمها.
وقد أدى هذا إلى رواج التجارة الداخلية، وبدأت الثقة تأخذ طريقها إلى نفوس البدو الذين كانوا يفدون بما لديهم من سلع، وأخذت عرب المدينة بقسط كبير من مزاولة التجارة الداخلية، وبخاصة المهاجرين من قريش الذين انضافت خبرتهم التجارية إلى حركة التنظيم الجديدة؛ فسيطروا على السوق الداخلية وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة، وبدت واضحة مع الأيام فيما كان من ثروات، أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ممن اشتهروا بالتجارة، حتى لقد أسهم عثمان في تجهيز جيش تبوك بتسعمائة وخمسين جملًا وخمسين فرسًا وألف دينار٥، وقد كان لتنظيم المعاملات في سوق المدينة أثر على اليهود الذين كانوا يستغلون فساد المعاملات لزيادة ثرواتهم٦، الأمر الذي كان له أثره على العلاقات بين المسلمين واليهودكان سنوضح فيما بعد.
_________________
(١) ١ نفسه ٣/ ٦٨. ٢ نفسه ٣/ ٦٩. ٣ نفسه ٣/ ٧٤- ٧٥. ٤ نفسه. ٥ ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ١٠٤٠. ٦ السمهودي ١/ ٤٥٠.
[ ٣٠٣ ]