كانت القبيلة العربية وحدة الحياة الاجتماعية كما كانت وحدة الحياة السياسية. وكانت كل قبيلة تؤمن بوجود رابطة تجمع بين أفرادها على أساس من وحدة الدم ووحدة الجماعة. وفي ظل هذه الرابطة وفي ظل القانون العرفي الذي نشأ على أساسها: انقسم المجتمع القبلي إلى طبقات اجتماعية ثلاث:
١- طبقة الأحرار أبناء القبيلة الصرحاء١: وهم الذين يجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك.
٢- طبقة الموالي: وهم من انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار أو الحلف أو العتقاء من الأرقاء فيها.
_________________
(١) ١ العقد الفريد: ٥/ ٢٢٩.
[ ٣٥ ]
٣- طبقة الأرقاء: وهم المجلوبون عن طريق الشراء، أو أسرى الحروب.
ولكل من هذه الطبقات منزلته في السلم الاجتماعي، فنحن أمام مجتمع طبقي تفصل بين طبقاته حدود واضحة.
طبقة الأحرار الصرحاء:
وهي الطبقة التي يعتبر أفرادها بنية القبيلة: فهم أبناؤها الذين يجمعهم نسب واحد ودم مشترك لم تلحقه هجنة. وكانت هذه الطبقة تتمتع بحقوق مدنية كثيرة، يقابلها كثير من الواجبات، نظمها القانون العرفي على أساس من التضامن التام بين الفرد والجماعة، فالحر يتمتع بحماية القبيلة حيًّا وميتًا، فهي المسئولة عن أي جريرة يرتكبها أحد أبنائها، وعليها واجب الانتصار له مظلومًا، والوقوف إلى جانبه ظالمًا، وكان يكفي أن يستغيث فإذا السيوف مصلتة والرماح مشرعة، وإذا الدماء تتصبب لأقل الأسباب:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم للنائبات على ما قال برهانَا١
وهكذا تسبغ القبيلة حمايتها كاملة عليه حيًّا، أما حمايته ميتًا، فإنها تأخذ بثأره إذا قتل ولا تترك دمه يطل٢: كما أن للحر أن يتصرف في بعض شئون القبيلة، وتقر القبيلة هذا التصرف، وكان أهم حق له في هذه الناحية هو حق الإجارة، وهو أبرز حقوق المواطنة في القبيلة العربية وأخطرها، إذ إنه يدخل في القبيلة أفرادًا ليسوا منها فيلحقهم بها ويحملها تبعاتهم، فكل حر في القبيلة أجار رجلًا آخر من قبيلة أخرى أو من قبيلته، يتعين على القبيلة أن تقر ذلك: ولو كان المجير صغيرًا أو كان امرأة ما دام من صميمها٣. ويصبح لهذا الجار ما لأفراد القبيلة من حقوق، كما أن عليه ما عليهم من واجبات، وكانت حماية هذا الجار فرضًا على القبيلة كلها، تدافع عنه وتقاتل طلبًا لثأره كما تقاتل طلبًا لثأر الصريح منها، وكان يبلغ بها الأمر أن تُقيد من القاتل حتى وإن كان من صرحائها٤، أو تأخذ منه الدية٥، على أن الناس كانوا يعرفون
_________________
(١) ١ ديوان الحماسة ١/ ٥. ٢ نفسه ١/ ٣٤٢. ٣ ابن هشام ٢/ ٢٣- ٢٤. العقد الفريد ٥/ ١٧٢. ٤ الأغاني: ٣/ ٤٩- ٦٠. ٥ البلاذري: أنساب الأشراف ١/ ٧٣- ٧٤.
[ ٣٦ ]
أقدارهم؛ فلا يجيرون إلا إذا كانوا قادرين، فإنهم يعلمون أنه قد يجر إلى إثقال كاهل القبيلة بمسئوليات ضخمة منها فقد المال والعرض والحياة١. كما أن العرب الأحرار في القبيلة كانوا يستطيعون الانتقال من قبائلهم إلى قبائل أخرى يجاورونها، بخلاف الرقيق الذي كان مملوكًا ليس له حرية التصرف في نفسه.
وإزاء تلك الحقوق التي يتمتع بها الحر، فإن عليه أن يتضامن مع قبليته، ويعمل من أجلها، ولا يتصرف إلا في حدود النطاق الجماعي الذي يحفظ عليها وحدتها، فلا يخرج على إجماعها، ولا يحملها ما لا تطيق، وعليه من أجل ذلك أن يرفع من إحساسه بالرابطة الجماعية وأن يهدر في سبيلها كل نزعة فردية أو انفصالية من نفسه؛ فهو يضحي لها بنفسه كما يضحي بماله فهي حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بشخصيته وحريته، يعيش لها وتحت إطارها٢، وخير مايصور ذلك قول دريد بن الصمة٣:
وهل أنا إلا من غزية، إن غوت غويت؛ وإن ترشد غزية أرشد
فإذا حدث لسبب من الأسباب أن تصرف في انفصالية فردية خارج ذلك النطاق الجماعي، أو سلك سلوكًا معيبًا من شأنه أن يسيء إلى سمعة القبيلة بين القبائل، كان من حق القبيلة أن تتحلل من العقد الاجتماعي القائم بينه وبينها، فتهدر حقوقه عليها وتتخلي عن حمايته ونصرته، فتطرده من حماها، وتعلن بين القبائل أنها خلعته، أو بعبارة أخرى سحبت منه الجنسية القبلية -كما نقول بتعبيرنا الحديث- فلم تعد مسئولة عنه ولا سائلة أيضًا. وكان إعلان الخلع أمرًا خطيرًا بالنسبة للأفراد؛ فإن الخليع يخرج من حمى قبيلته ليجد نفسه في موقف ضيق ووضع شاذ، فلقد سحبت منه الجنسية القبلية وأصبح فردًا منفصلًا عن قبيلته في مجتمع لا يؤمن بالانفصالية الفردية. وفرص الحياة
_________________
(١) ١ ابن الأثير: الكامل ١/ ٣٤٢ العقد الفريد ٥/ ١٤٧. عن الجوار. انظر. الأغاني ٢/ ١٢٦، ٣/ ٥٩، الآلوسي: بلوغ الأرب ٣/ ١٣٣، ١٤٤. ٢ يشعر الإنسان حين يقرأ الشعر الجاهلي، أن الشاعر في الغالب اندمجت شخصيته في قبيلته حتى كأنه لا يشعر لنفسه بوجود خاص، وخير مثل معلقة عمرو بن كثلوم. وقل أن نعثر على شعر جاهلي ظهرت فيه شخصية الشاعر ووصف فيه ما يشعر به وجدانه، وأظهر فيه أنه يحس لنفسه بوجود مستقل عن قبيلته. ٣ ديوان الحماسة ١/ ٣٣٧. الأصمعيات. "طبع المعارف" ص ١١٣. العقد الفريد ٥/ ١٦٩.
[ ٣٧ ]
في الصحراء محدودة، ومن المستحيل أن يعيش الفرد فيها إلا مرتبطًا بجماعة، ولا يرى الخليع في هذه الحالة أمامه إلا أحد طريقين: إما أن يلجأ إلى قبيلة أخرى يعيش في حماها جارًا لها أو مولى من مواليها، أو أن يلجأ إلى الصحراء ليتخذ من الغزو والسلب وقطع الطرق وسيلة للحياة وأسباب الرزق، معتمدًا على قوته الشخصية في فرض نفسه وإثبات وجوده في مجتمع قطع كل صلة بينه وبينه١.
ومن أهم الواجبات التي تقع على أفراد القبيلة: الأخذ بالثأر ممن سولت له نفسه من القبائل الأخرى أن يعتدي على أحد أبنائها، مهما كلف ذلك من جهد ومال ودماء، ولم يكونوا بطبيعة الحال يفرقون بين القتل العمد والقتل الخطأ أو الضرب الذي يفضي إلى الموت، أي أنهم لم يعرفوا القصد الجنائي ولم يتبينوا النية الإجرامية، ولكنهم كانوا يعالجون القتل بالقتل، حتى صار الأخذ بالثأر عقيدة ثابتة، ولقد كانت مسألة الأخذ بالثأر من المسائل الهامة في حياة القبيلة العربية قبل الإسلام، والغرض منها حمياتها، فالقبيلة إذالم تأخذ بثأرها تسقط بين القبائل. ومن هنا نجد أن الحرص على الأخذ بالثأر لا يعدله حرص على شيء آخر، وهذا أمر طبيعي وضروري في مجتمع لا تحكمه حكومة منظمة تقيم الحدود وترعى القانون بسلطانها؛ وإنما كان المجتمع يعتمد في صيانة حقوقه على قوة الأفراد والجماعات، فمن لم يستطيع الانتصاف لنفسه؛ لم يجد قوة تنتصف له؛ ولذلك فإن الاحتفاظ بوحدة القبيلة والأخذ بالثأر كان أمرًا مقدسًا أشبه بأن يكون نظامًا دينيًّا من أن يكون نظامًا عاديًّا. وكان على الثائر أن يدرك ثأره أو يموت دونه، وفي هذه الحالة ينتقل واجب إدراك الثأر إلى ابنه أو حفيده٢. ولقد كان العرف يجعل الثائر يلتزم باتخاذ شارات خاصة؛ فهو يبتعد عن كل ملذات الحياة؛ فلا يقرب النساء ولا يتطيب أو يتدهن٣، ولا يشرب الخمر٤،
_________________
(١) ١ انظر ابن الأثير ١/ ٣٥٩، ابن هشام ١/ ١٠٢- ١٩٩، الروض الأنف ١/ ١٢٠-١٢١، أنساب الأشراف ١/ ١٠٠- ١٠١، الآلوسي- ٣/ ٢٧- ٢٩. ٢ الأغاني: ٢/ ٩٩، ٣/ ٦٠٤- ٦٠٥. العقد الفريد ٥/ ١٧٥. ٣ العقد الفريد ٥/ ١٧٦، ٢١٥، ابن هشام ٢/ ٤٢٢. ٤ انظر قصيدة تأبط شرًّا، ديوان الحماسة ١/ ٣٤٦ وحاشيتها: حلت الخمر وكانت حرامًا وبلأي ما ألمت تحل
[ ٣٨ ]
ولا يقول الشعر إلا في هجاء أو رثاء، ويظل على هذه الحال أيامًا وشهورًا وأحيانًا أعوامًا، فإذا أخذ ثأره حل له ما حرمه على نفسه، فنظام الثأر كان هامًّا جدًّا في حياة القبائل العربية قبل الإسلام، ولقد قاومه الإسلام مقاومة شديدة؛ ولكنه لم يمت، ولتأصله في نفوس العرب ظل يحيا في المجتمع العربي حتى يومنا هذا.
وكان العرب يعتقدون أن المقتول إذا لم يدرك ثأره ينبعث على قبره طائر اسمه الهامة ينادي بثأره شاكيًا الظمأ، ولا يسكت حتى يُؤخذ ثأره:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني ١
له هامة تدعو، إذا الليل جنها بني عامر، هل للهلالي ثائر؟
وكان الأمر ينتهي بالثائر إلى ثلاث حالات:
إما أن يثار ولي الدم من القاتل أو من عشيرته، وإما أن يأخذ الدية، وإما أن يعفو.
وعند أخذ الدية يلاحظ مكانة الرجل المقتول، فالرجل الحر الشريف غير المولى. ومتوسط الدية مائة من الإبل٢. ودية الحليف نصف دية الصريح٣. أما دية السادة فقد تصل إلى الخمسمائة وإلى الألف٤. على أن هناك نوعًا من الدية يعرف بدية الخفارة، وهي أنه إذا أجار شخص شخصًا آخر فقتل جواره ولم يمنعه، كان عليه أن يدفع لوليه سبعين عُشراء -وهي الناقة التي مضي على حملها عشرة أشهر ٥.
وكانت العرب تعيب من يأخذ الدية ويرضى بها دون درك ثأره وشفاء غيظه، إذ إنها تعتبر الاكتفاء بالدية دليلًا على الجبن والخوف من القاتل؛ ولذلك لم تكن الدية تقبل إلا عند الشعور بالضعف، أو عند التفاني بين القبائل، أو إيثار السلم، كما فعلت قريش في حرب الفجار، فيقوم الصلح على أساس حساب القتلى، ودفع دية الزيادة.
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ١٠٥. ٢ نفسه ٦٣، ٦٥. ٣ نفسه ١٩، ٤٠. ٤ العقد الفريد ٥/ ١٤٨. الآلوسي ٣/ ٢٢- ٢٤. ٥ الأغاني ٤/ ١٥٥.
[ ٣٩ ]
طبقة الأرقاء:
كان في المجتمع العربي طبقة كبيرة من الأرقاء، وكانت كل قبيلة لا تخلو من أفراد من الرقيق من الرجال والنساء، البيض والسود على السواء. والمصدر الأصلي للرقيق هو الحرب، فالقبيلة التي تنتصر على الأخرى تأخذ الأسرى وتستعبدهم، وإلى جانب الحرب وجد الاتجار بالرقيق، وكان هذا النوع من الاتجار شائعًا، فكان العرب يأتون من شواطئ أفريقيا ويبيعونهم في أسواق العرب بالمال، وإذا لاحظنا أنهم يؤخذون بالعنف، تبينا أن الحرب والغزو والقوة هي السبب الأول، كما كانت القبائل المنتصرة تتصرف في بعض الأحيان في أسراها بالبيع١. وقد يغيرون على القوافل المسافرة إلى العراق أو إلى الشام ويتغلبون عليها ويأسرون من فيها ويسترقونهم، وكان هذا هو أصل رق سلمان الفارسي إذ خرج من العراق إلى الشام فاسترق وبيع لبعض يهود المدينة٢ وقد ألحقت القبائل بعض أبنائها بهؤلاء الأرقاء؛ فإن مقياس الشرف عند العربي ألا يجري في عروقه دم أجنبي، وأن يكون من أب عربي وأم عربية، ومن كان هنا حرصه على أن يحفظ لسلالته نقاء الدم وصفته وامتيازه، وفي سبيل هذا الحرص كان يرفض الاعتراف بأبنائه أو إلحاقهم بنسبه إذا جاءوا ثمرة لصلة غير متكافئة بينه وبين إمائه، ومن أجل ذلك أطلق المجتمع الجاهلي على أبناء الإماء من العرب الصرحاء اسم "الهجناء"، وكان أسوأ أبناء الإماء حظًّا في الحياة أبناء الإماء السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم وأطلق عليهم العرب اسم "الأغربة"٣.
وكانت طبقة العبيد من بيض وسود، ومن تجري في عروقهم شائبة من دمائهم من الهجناء والأغربة، في وضع اجتماعي سيئ، فقد سلبتهم الأرستقراطية العربية، المؤمنة إيمانًا عميقًا برابطة الدم، كل ما يمكن أن يكون لهم من حقوق، وفرضت عليهم من الواجبات ما أرهق كواهلهم وأهدر إنسانيتهم، وباعدت بينهم وبين الحياة الإنسانية الكريمة. وضيقت عليهم النطاق في حياة مهينة ذليلة على هامش المجتمع.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٢٣٤. ٢ أنساب الأشراف ١/٤٨٦- ٤٨٧. ٣ ديوان الحماسة ١/ ١٥٨ حاشية.
[ ٤٠ ]
فلقد كانت هذه الطبقة محرومة مما نسميه الآن الحقوق المدنية، فليس لها حقوق الملكية والمقاضاة، وليس للعبد أن يتزوج إلا بإذن سيده على أن يتزوج رقيقًا مثله. كذلك كان أفراد هذه الطبقة يزاولون في المجتمع العربي المهن والصناعات التي يستنكفها العربي الصميم، ففي البادية يرعون الماشية، ويقومون بخدمة المنزل، وفي الحواضر يقومون بممارسة الصناعات الموجودة هناك كالحدادة والنجارة والحلاقة والحجامة وغيرها، إذ إن العرب كانوا يأنفون من أمثال هذه الصناعات. وكان وجود هذه الطبقة أمرًا عامًّا في المجتمع القديم كله يحتمه الوضع الاقتصادي في ذلك الوقت.
على أن العبد كان يمكنه أن يسترد حريته، وذلك بأن يؤدي لسيده خدمة عظيمة، كأن ينقذه هو أو أهل بيته من هلاك محقق -وهذا في الغالب شرط الحرية- أو يظهر شجاعة نادرة في موقعة من المواقع، فتكون هذه الشجاعة شفيعة للتحرر، أو بأن يتفق مع سيده على أن يشتري حريته بالمال، وهذا ما يسمونه بالمكاتبة، والرقيق الذي يتحرر بهذا يقال له المكاتب١. أو بأن يوصي سيده بعتقه بعد وفاته تقربًا للآلهة، ويسمى هذا بالمدبر٢.
ولقد كان للوضع السيئ لهذه الطبقة أثر كبير في سرعة استجابتها للدعوة الإسلامية ونجاحها في أطوارها الأولى، إذ إن الأرقاء والموالي هم الذين سارعوا لتلبيتها؛ لأن الإسلام قام بثورة اجتماعية فسوى بين السيد والعبد لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] وقول النبي -ﷺ-: "كلكم لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى". وقوله: "ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى". وقد أنعشت هذه المبادئ نفوس هؤلاء المستضعفين والمحرومين فلبوا الدعوة التي تنتشلهم من الوهدة التي كانوا فيها.
طبقة الموالي:
إن كلمة مولى كلمة مرنة في اللغة، إذ إنها تسع كل المتناقضات، فهي من باب المشترك اللفظي؛ ففي القاموس: الْوَلْيُ الدنو والقرب، والولاية: النصرة، واستولى
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف ١/ ٤٨٧. ٢ المصباح المنير ١/ ٢٥٦ "طبع وزارة المعارف" أسد الغابة ١/ ٤٣- ٤٤.
[ ٤١ ]
عليه؛ غلب عليه وتمكن منه. والمولى الحليف. والمولى المعتق. والوليُّ المحب الصديق والنصير والملك.
والمولى يطلق على المالك والعبد، والمعتق، والصاحب والجار والحليف، وأولياء الرجل عصبته من إخوته وبني عمه وعشيرته، وتولاه اتخذه وليًّا١، وقد ذكرت كلمة مولى في القرآن الكريم كثيرًا، وأريد بها النصير أو الحليف: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج] .
هذا هو المعنى اللغوي للكلمة، ولكن الاصطلاح حدد معناها، ومع تحديد معناها نجدها شائعة وفيها شيء من الغموض؛ والمقصود من الموالي هم الجار والحليف المعتق.
الجوار: إذا سلك فرد من قبيلة مسلكًا شائنًا يضر بسمعة قبيلته؛ فإن القبيلة تخلعه، أو أنه هو يخلع نفسه منها إذا خاف على نفسه أن يثأر منه إذا كان قد قتل من القبيلة، أو أن يكون قد ضاق بحياته فيها، وعندئذ لا يقربه أحد، ولما كان لا يستطيع أن يعيش منفردًا فإنه يلجأ إلى قبيلة أخرى يتصل بها ويعيش في حماها على أساس الموالاة بالجوار. كذلك قد يجد المرء نفسه غريبًا في أرض قبيلة ويخاف على نفسه فيلجأ إلى طلب الجوار من أحد أبناء هذه القبيلة، وكذلك قد يخرج لطلب ثأر من قبيلة أخرى ويجد في نفسه ضعفًا عن أن يبلغ غايته فيلجأ إلى جوار أحد يحميه حتى يأخذ بثأره٢. وكما يجاور الأفراد تجاور القبائل أو البطون من ترى فيهم الحمية والعزة لحمايتها والاعتزاز بجوارها٣. وقد ورد في القرآن معنى الجوار على أنه نتيجة للضعف طلبًا للحماية والعزة٤. هذه هي الحالات التي تقوم فيها علاقة الجوار. أما كيف يتم عقد الجوار، إذا جاز لنا أن نطلق هذه التسمية على هذه العلاقة العرفية، فإن
_________________
(١) ١ المصباح المنير ٢/ ٩٧٢. ٢ الأغاني ١/ ٦٠٤- ٦٠٥ ابن الأثير ١/ ٣٤٢. ٣ ابن الأثير: نفسه: ٣٧٠. العقد الفريد: ٥/ ١٧٠- ١٧١.
(٢) الإسراء: ١١١. التحريم: ٤.
[ ٤٢ ]
الجوار كان يتم بالطلب الصريح والإجابة، أو بإتيان عمل يفهم منه قيام هذه الرابطة، فالمؤاكلة ودخول البيت ولمس الخيمة أو مجاروتها يقيم رابطة الجوار، وقد توسعوا في هذا فاعتبروا علوق الدلو بالدلو في بئر يلزم حرمة الجوار والذمة١، وإلى هذا أشار أبو تمام يخاطب ابن الزيات٢:
لي حرمة بك لولا ما رعيت وما أوجبت من حقها ما خلتها تجب
بلى، لقد سلفت في جاهليتهم للحق ليس كحقي نصره عجب
أن تعلق الدلو بالدلو القريبة أو يلامس الطنب المستحصد الطنبُ
وغالوا في الجوار حتى شمل الوحش والهوام٣، حتى إنهم كانوا يسمون بذلك مجير الجراد- مجير الغزال- مجير الذئب، ومن الأمثال: أحمى من مجير الجراد، قالوا هو مدلج بن سويد الطائي، وقد يكون هذا نوعًا من العزة وتحريم الصيد في أرض القبيلة. كما كان الجوار أحيانًا يعبر عن نوع من الفروسية والمرءوة الإنسانية، كإجارة كل ظعينة تمر بأرض القبيلة، ومثال ذلك ربيعة بن مكدم الكناني الذي ضربوا به المثل فقالوا: أحمى من مجير الظعن٤.
وحقوق الجار المترتبة على قيام الجوار تتلخص في قول هانئ بن مسعود سيد بني شيبان حين أجار النعمان بن المنذر: قد لزمني ذمامك، وأنا مانعك مما أمنع منه نفسي وأهلي وولدي، ما بقي من عشيرتي الأدنين رجل٥. وكان المجير يعلن إجارته على ملأ من الناس؛ ليكونوا على بينة من الأمر، وبذلك يصبح المستجير في ذمته وحماه كأنه فرد من ذوي قرابته، يتمتع بكل حماية عائلية أو قبلية، وتجيز القبيلة
_________________
(١) ١ الأغاني: ٢/ ١٢٦، ٣/ ٥٩. ٢ الآلوسي: ١/ ١٣٣. ٣ العقد الفريد ٥/ ٢٢٤. ٤ الآلوسي: ١٤٤. ٥ الأغاني: ٢/ ١٢٦.
[ ٤٣ ]
ذلك إقرارًا لحق الفرد في الإجارة -كما أشرنا من قبل- ويصبح هذا الفرد واجب الحماية منهم جميعًا، فقد أصبح لهم جارًا، وحينئذ يتحاشى الناس الإساءة إليه حرمة لعصيبة مجيره، وقد كانت العرب تطلب بثأر الجار كما تطلب بثأر الصريح من أبنائها، وتقيد من القاتل حتى ولو كان من صرحائها، بل كانت تقاتل رعاية لحق الجار وحفاظًا على كرامته؛ وقد قتل كليب سيد ربيعة نتيجة لاعتدائه على حرمة الجوار، بأن قتل ناقة للبسوس جارة جساس بن مرة البكري١؛ وذلك لأنهم كانوا يرون في ذمة الجوار أمرًا خطيرًا فيه كرامتهم، بل وحياتهم ومماتهم٢.
وكما يحمي المجير جاره مادام في كنفه. فإن على الجار أن يلتزم حدود اللياقة في تصرفه فلا يسيء إلى سمعة القبيلة التي أجارته.
ورابطة الجوار رابطة مؤقتة وليست دائمة، فهي تحل نتيجة لخروج الجار من أرض القبيلة التي يحتمي بها، أو حين يرد المستجير على صاحبه جواره، ويبرئ له ذمته على ملأ من الناس، وعندئذ لا يتحمل المجير تبعات ما يقع عليه من اعتداء٣، أو إذا ارتكب الجار أمرًا مشينًا لسمعة القبيلة أو اعتدى على حرماتها٤. فإذا أرادوا إلغاء الجوار أجلوا الجار ثلاثة أيام يخرج فيها من أرض القبيلة٥، وقد ورد في القرآن الكريم آيات ذكر فيها الجوار بمفهومه عند العرب، وهو حماية الجار وإبلاغ المستجير مأمنه ومنع الاعتداء عليه٦.
فالجار إذن ليس من صلب القبيلة، وقد حدد العرف على النحو الذي بيناه حالات الجوار والمراسم التي تنظم قيام هذه العلاقة، وما يترتب عليها من التزامات بالنسبة للمجير والجار، وكيف تنتهي هذه العلاقة.
_________________
(١) ١ ابن الأثير ١/ ٣١٤. ٢ نفسه ٣٤٢. العقد الفريد ٥/ ١٣٩- ١٥٠. ٣ ابن هشام ١/ ٣٩١- ٣٩٢،٣٩٦. ٤ ابن الأثير. نفسه ٣٤٣. ٥ النويري: نهاية الأرب ١٥/ ٣٥٨. ٦ انظر سورة التوبة ٦، المؤمنون ٨٨، الملك ٢٨، الجن ٢٢.
[ ٤٤ ]
الحليف:
هو جار بصفة لازمة، إذ إن صلته ليست مؤقتة كالجار؛ فالحلف جوار دائم، ولفظ الحلف فيه معنى القسم وكانت منزلة الحليف من حليفه كمنزلة القريب، حكمه حكم أفراد القبيلة إلا في حالة الدية، وهذا الحلف يسمى عند المسلمين ولاء الموالاة١. وكان في الجاهلية بين عربي وعربي، وهو في الإسلام بين عربي وغير عربي.
والحليف رجل حر انضم إلى قبيلة غير قبيلته؛ فمركزه الاجتماعي في القبيلة التي ينتمي إليها يلي مركز الحر الصميم فيها، وعليه من التبعات العامة ما على أفراد القبيلة الصرحاء؛ فإذا كان الحلف بين فرد وفرد صار الحليف مولى للرجل الذي حالفه، وأصبح كفرد من ذوي رحمه وقبيلته بالولاء، ويسمى الشخص الملتحق مولى الشخص الملتحق به، وكان أحيانًا يتبنى الرجل مولاه فينتسب له٢. وقد كان الرجلان يشهدان على أنفسهما ويعقدان الحلف بالمواثيق والأَيمان والعهود. وقد أورد الطبري في تفسيره مأثورًا عن الميثاق الذي يشهد عليه الملأ بين الملتحق والملتحق به: دمي دمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، ترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك٢.
وقد كان الحليف يرث حليفه إذا مات، بهذا الحلف في الجاهلية ثم استمر في الإسلام٤. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء] حتى نسخ بآيات الميراث ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال] . وكان قد جعل له السدس من جميع المال في أول الإسلام، ثم نسخ ونقل من الإرث إلى
_________________
(١) ١ المصباح المنير: ٢/ ٩٢٧. ٢ البخاري ٥/ ٨٢. الأغاني ٣/٥- ٤١. الروض الأنف ١/ ٣٩. ٣ جامع البيان: ٨/ ٢٧٥- ٢٧٦. ٤ البخاري: ٥/س ٨٢.
[ ٤٥ ]
الهبة وبقيت عليهم النصرة والنصيحة والرفادة والعقل والولاء والمشورة، ومن هنا ندرك عمق هذه الصلة وبلوغها حد النسب الصحيح، وكان الحليف كالصريح يخلع من القبيلة إذا أتى بعمل مشين. وكما يكون الحلف بين فرد وفرد، وبين فرد وقبيلة، كذلك كان يحدث كثيرًا أن يلتحق بطن أو عائلة من قبيلة بقبيلة أخرى، فيكون أفرادها موالي القبيلة الجديدة١، وتقطع تبعاتها إزاء وحدتها الأولى، وتنتقل إلى تبعات القبيلة الجديدة من حروب ودماء وعقل ومصالح مشتركة، ما عدا الميراث الذي كان يقوم عند الحلف الفردي. وفي كتب التاريخ والسير والتراجم أسماء كثيرين يذكرون، فيقال مثلًا: القرشي ولاء أو الثقفي ولاء، ويراد بذلك هذا الولاء الذي أشرنا إليه، وليس ولاء العبودية والرق.
وكذلك كانت تقوم المحالفات بين القبائل، فتحالف قبيلة قبيلة أخرى أو عدة قبائل. وهذا التحالف يشبه المعاهدات السياسية في الوقت الحاضر؛ فإذا أحست قبيلة بضعفها أمام القبائل القوية انضمت إلى قبيلة قوية لتحميها، وقد تمر الأجيال وتنسى القبائل المتحالفة أسماءها وشخصياتها، وتنضم تحت اسم واحد.
ويظن أن هذه المحالفات لعبت دورًا كبيرًا في تكوين القبائل العربية، إذ كانت تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة؛ لتحميها وترد العدوان عنها، ويقول البكري: فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ والتماسهم المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش واستضعاف القوي الضعيف؛ انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم٢. ومن القبائل التي تمثل ذلك خير تمثيل قبيلة تنوخ التي قامت على أساس حلف عقدته
_________________
(١) ١ الأغاني: ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣، ٣١٦ - ٣ / ٣٨. ابن الأثير ١/ ٣٧٠. ٢ البكري: معجم ما استعجم "طبعة السقا" ١/ ٥٣.
[ ٤٦ ]
بعض البطون الشمالية مع غيرها من قبائل الجنوب، واتخذت القبيلة اسمها من تنخ "تنأ" أي أقام واستقر، وكثر ماله، وذلك لاستقرارها في بادية العراق١.
وبمجرد أن تدخل القبيلة في حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق؛ فهم ينصرونها على أعدائها، ويلبون دعوتها إذا اعتدي عليها، وقد تنفصل بعض القبائل عن الحلف لتنضم إلى حلف آخر يحقق لها مصالحها، ومن ثم كنا نرى أحلافًا تضعف وتحل محلها أحلاف أخرى، وقد انتشر التحالف بين القبائل العربية بصورة واسعة قبيل الإسلام، ولم تبق إلا قبائل قليلة لم تدخل في أحلاف؛ اعتمادًا على قوتها الذاتية وعلى بطولة أفرادها، ولذلك سميت هذه القبائل جمرات العرب٢ ولكنها كثيرًا ما كان يئول أمرها إلى أن تنهك في الحروب، أما القبائل المتحالفة فكانت تهاب فلا يعتدى عليها.
وانتشار المحالفات بين القبائل العربية كان إحساسًا من القبيلة العربية بأنها لا تستطيع أن تعيش: في مجالها الضيق وأنها بحاجة إلى غيرها من القبائل تؤاخيها وتربط مصيرها بمصيرها، وكان هذا بدء نهضة قومية، استفاد منها الإسلام في توحيد العرب في أمة واحدة.
وقيام علاقة الحلف تقترن عادة بمراسيم وطقوس خاصة تحرص القبائل على اتباعها نظرًا لأهمية النتائج المرتبة عليها؛ فقد اتخذت الأحلاف صبغة دينية وطقوسًا خاصة، إذ كانوا يغمسون أيديهم في طيب أو دم، وربما أوقدوا نارًا عند تحالفهم ودعوا الله على مَن ينكث العهد بالحرمان من منافعها. وكانوا يقولون: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلا شدًّا، وطول الليل إلا مدًّا، ما بلَّ بحر صوفه، وأقام رضوى في مكانه إن كان رضوى جبلهم وإلإ ذكروا ما يجاورهم من الجبال٣.
_________________
(١) ١ انظر عن أحلاف الأفراد والقبائل: الأغاني٢/ ٢٤٢- ٢٤٣، ٣١٦، ٣/ ٣٨. القلقشندي: نهاية الأرب ١٨٩. فجر الإسلام٤. الآلوسي ١/ ١١٨. بروكلمان: تاريخ الأدب العربي ١٢٤. وانظر ابن الأثير ج١ عن أيام العرب وفيه كثير ذكر للمحالفات بين القبائل، دائرة المعارف الإسلامية عن تنوخ. المصباح المنير ١/ ١٠٧. ٢ المحبر ١٣٤. جواد ٤/ ٣١٦، العقد الفريد ٣/ ٣٣٦- ٣٣٧، ٣٦٧، المصباح المنير ١/ ١٤٩. شوقي ضيف: العصر الجاهلي ٥٨. ابن خلدون القسم الثالث ٣/ ٦٤. ٣ الجاحظ، الحيوان ٤/ ٣.
[ ٤٧ ]
ومن الأحلاف التي ذكرها التاريخ في مكة حلف المطيبين وحلف الأحلاف وحلف الفضول١. ومن أحلاف العرب المشهورة حلف الرباب٢ وهو بين خمس قبائل: ضبة وثور وعكل وتيم وعدي، وحلف عبس وعامر ضد بطن ذبيان وأحلافهم من تيم وأسد٣. وحلف الحُمْس بين قريش وكنانة وخزاعة٤ وكذلك حلف قريش والأحابيش، ثم إن الإسلام منع أن تقوم أحلاف جديدة، ولكنه أكد الأحلاف التي تمت في الجاهلية.
قال -ﷺ-: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم، وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة" ٥.
العتق:
هو النوع الثالث من الولاء وهو يلي الحلف في درجته الاجتماعية. والمعتق عبد عتقه سيده لسبب من الأسباب، فإذا أصبح العبد معتقًا صار حرًّا، ولكن تبقى هناك صلة بينه وبين معتقه، وهذه الصلة تسمى الولاء، ويظل المعتق ينسب إلى معتقه فيقولون: فلان مولى فلان كما كانوا يقولون: زيد بن حارثة مولى رسول الله أي عتيقه١، وإن كانت أمة فهي مولاته، والجمع موال. وكان المولى أحيانًا ينسب إلى قبيلة المعتق فيقولون مثلًا: مولى بني هاشم، وأحيانًا يعبرون عن ذلك بقولهم: الهاشمي بالولاء، وقد كانوا أحيانًا يبيعون الولاء٢.
وكان بين الحر المعتق وبين سيده واجبات وحقوق؛ فعلى المعتق أن يساعد مولاه إذا ألمت به كارثة، أو إذا اعتدى عليه أحد، كما أن على المعتق أن يقوم بنصرة سيده. وبينما نرى الحليف يرث حليفه فإن المعتَق لا يرث سيده، وللسيد الحق
_________________
(١) ١ ابن هشام: ١/ ١٤٣- ١٤٤. ٢ ابن الأثير: ١/ ٣٧٦. ٣ العقد الفريد: ٥/ ١٤١. ٤ ابن الأثير: ١/ ٣٥٩. الآلوسي ١/ ٢٤٢- ٢٤٣ اليعقوبي ١/ ١٩٩- ٢٠٠. ٥ تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٩- ٢٨٨ "يعني حلف الفضول". ٦ البخاري: ٥/ ٨٢. ٧ الأغاني: ٧/ ١٨٨. فجر الإسلام ٨٨- ٩٠.
[ ٤٨ ]
في أن يرث مولاه إذا مات من غير وارث. وكان يحدث في بعض الأحيان أن يتخذ المعتق مولاه ابنًا أي يتبناه، وفي هذه الحالة كانوا يطبقون ما يطبق بالنسب، بمعنى أنه لا يجوز لمعتق أن يتزوج من زوجة متبناه إذا طلقها أو مات عنها. وهذا هو الباب المفتوح لترقي طبقة العتقاء في السلم الاجتماعي. وقد ظلت هذه الحالة في الجاهلية حتى إذا جاء الإسلام ألغى نظام التبني هذا كله١، فرد المتبنين إلى آبائهم: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب] . ولقد كانت هذه العادة شديدة الاستحكام حتى احتاج أمر إبطالها إلى قوة نفسية خاصة مما جعل النبي -ﷺ- يقوم بذلك بنفسه ومع نفر من آل بيته، ومع ذلك فقد داخل النبي -ﷺ- كثير من الإشفاق، وداخل زينب بنت جحش -وهي ابنة عمته التي زوجها لمتبناه زيد، ثم طلقها زيد فتزوجها محمد ﷺ- وأهلها كثير من التردد حتى احتاج الأمر إلى نذير من القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب] وحتى عوتب النبي -ﷺ- على إشفاقه: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ وحتى نزل القرآن ردًّا على الذين تحدثوا في هذا الأمر ونقدوه على النبي -ﷺ- بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب] .
_________________
(١) ١ البخاري ٥/ ٨٢.
[ ٤٩ ]