بدأت الدعوة إلى الإسلام ذات صفة دينية في الدور المكي من حياة الرسول -ﷺ- أما الصفة السياسية فلم تظهر إلا في الدور المدني. وهذا أمر طبيعي؛ إذ إنه لا بد من أن يبدأ بتقرير العقيدة ثم بث المثل العليا في النفوس، حتى إذا ما تهيأت لذلك أمكن تنظيم المجتمع على هذا الأساس.
وقدمت هذه الدعوة للعرب مفاهيم جديدةلم يكونوا يعرفونها أولم يكونوا يؤمنون بها. وأول هذه المفاهيم هو المفهوم الجديد للوحدانية. وهذه الوحدانية تظهر للإنسان بالنظر العقلي في إثبات وجود الله ووحدانيته؛ ففي نظام الخلق، وترابط الوجود، وقوانين الطبيعة، وما يقوم على الأرض من إنسان وحيوان ونبات، وفي ذات الإنسان نفسه؛ في خلقه وفي عقله ووجدانه، ما يؤدي بالعاقل المتبصر المتفكر إلى إقرار وجود الله وإقرار وحدانيته، والقرآن الكريم حافل بالآيات التي تدعو العقل إلى النظر والتدبر ليصل إلى هذه النتيجة١.
ومفهوم الوحدانية كما جاء بها الإسلام مفهوم جديد، لا على العرب وحدهم، ولكن على الناس جميعًا. حقيقة إن الأديان السماوية كلها قد دعت إلى الوحدانية،
_________________
(١) ١ على سبيل المثال، اقرأ كلًّا من سورة: هود٧، الأحقاف٣، العنكبوت١٩، ٢٠، ٦١، ٦٣، الرعد ٥-١٦، الأنبياء ٣٠- ٣١، الحج ٥، لقمان ١٠، فصلت ٩-١٢، القمر ٤٩-٥٠، الطلاق ١٢، النبأ ٦-٧، آل عمران ٥- ٦، ١٨، ١٩٠ البقرة ١١٦، ١١٧، ١٦٣، ١٦٥، الأنعام ٢١، ٥٦، ٩٤، ١٠٠، ١٠٣، يونس ٣١ - ٣٦، الغاشية ١٧- ٢٦.
[ ٢١٠ ]
ولا يمكن أن تكون قد جاءت بغير ذلك؛ إلا أن هذه الفكرة ما لبثت أن تغيرت وشابتها كثير من الشوائب غيرت من صفائها ووضوحها. بما أدخل على ديانات الرسل ودعواتهم من شوائب الوثنية التي كانت تقوم إلى جوارها، والتي كثيرًا ما كانت القوة المادية والسياسية إلى جانبها.
فقد كان اليهود دعاة توحيد، لكن هذا التوحيد اليهودي لم يكن توحيدًا مطلقًا فالله عند اليهود هو إله إسرائيل اختارهم لنفسه واختاروه لأنفسهم دون الآلهة الأخرى، فربطوا بذلك ديانة موسى بجنسهم، وهم حين عبدوا إلهًا واحدًا اعترفوا للأمم الأخرى بآلهتها١. وهذا ما لا يقره الإسلام إطلاقًا؛ فالوحدانية الإسلامية وحدانية كاملة مطلقة ليس للوجود جميعًا غير رب واحد، وكل ما يلقي ظلًّا على هذه الناحية غير معترف به من الإسلام.
أما المسيحية فإنها تنادي بالتثليث، أي أنها تجعل الإله الواحد ثلاثة أقانيم متساوية في وحدة هي الآب والابن والروح القدس، وهي تؤله المسيح نفسه ٢. والإسلام لا يقر إلا وحدانية مطلقة، وذات الله لا تتعدد ولا تنفصل ولا تشبه الخلق، ولا يشاركه في ملكه أحد ولا يساويه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] . وقد توصل بعض الفلاسفة إلى فكرة الوحدانية، ولكن هذه الفكرة لم تكن واضحة التحديد، ثم إنها لم تجد اعترافًا من العقل الإنساني العام، ومن ثم بقيت فكرة فلسفية وعاش الناس من حولها يحيون حياتهم الدينية الوثنية. والديانات القديمة نادى بعضها بالوحدانية كديانة أخناتون في مصر، ولكن وحدانية أخناتون كانت مشوبة بالوثنية مصورة بمظاهر الطبيعة ٣.
ولذلك يمكن القول بأن الوحدانية كما جاء بها الإسلام كانت جديدة كل الجدة على العرب، وهي بمفهومها الإسلامي جديدة كذلك على العالم، ولأول مرة في حياة البشرية تقوم هذه الفكرة وتستقر وتصبح عقيدة عامة ثابتة.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ٦٣، ٦٦، ٧٥، ٩٢- ٩٣، ١٠١- ١٠٢، ١١٤- ١٧٦، الأعراف ١٦١- ١٧٧، المائدة ١٣- ١٨، ٤١، ٦٨-٧٠، ٧٧، آل عمران ٢٣، ٢٤، ١٨٧، النساء ٤٤-٤٦، الجمعة ٥-١٨. ٢ انظر سورة التوبة ٣٠-٣١، النساء ١٧١، المائدة ١٧، ٧٢، ٧٣، ٧٧، ١١٦، يونس ٦٨، مريم ٣٥، ٨٨، الأنبياء ٢٦، المؤمنون ٩١. ٣ أحمد بدوي، في موكب الشمس ٢/ ٥٦٨- ٥٩٦.
[ ٢١١ ]
والمفهوم الثاني هو الخاص بفكرة الحساب وما يتصل بالحساب من معانٍ، فالله يعلم الجهر وما يخفى، والإنسان رهين بما كسب: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ [المدثر] ١ فإذا جاءت القيامة حوسب المرء على عمله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُم، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة] . ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإسراء] . ثم إن الله حين وضع الحساب فرض على نفسه هداية الناس: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء] ٢ فأرسل إليهم الرسل رسولًا إثر رسول؛ لأن الله لم يكن ليخلق الناس ويتركهم سدى بدون هداية. ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة] . وهذا الحساب يكون في يوم القيامة بعد البعث، وقد أنكر الجاهليون البعث كما أنكروا الحساب: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون] ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد]، ويتساءلون في إنكار: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة﴾ [القيامة] .
والمهم في فكرة الحساب أنها تجعل المرء من نفسه وازعًا يزعه فيتجه به إلى الخير ما أمكن؛ ففكرة الحساب أساس الأخلاق، وفكرة الحساب معروفة في الأديان الأخرى وحتى في بعض الأديان الوثنية كالديانة المصرية القديمة. ولكن مفهوم البعث والحساب لم يكن معروفًا بالصور التي أقرها الإسلام؛ فكل ما عرف من قبل أنه يوجد بعد الحياة الدنيا حياة أخرى يلقى فيها المرء خيرًا أو شرًّا، وقد لا يجديه العمل الصالح بغير شفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء ورضاء الكهنوت. ولكن الإسلام قرر أن الحياة أطوار، من لدن أن يكون الإنسان ماءً دافقًا يخرج من بين الصلب والترائب، إلى أن يكون جنينًا، ثم وليدًا، ثم يجري في طور الحياة الظاهرة إلى أن يموت، فيحيا حياة الروح، ثم يبعث يوم القيامة وقد اكتملت فيه أطوار الحياة فيبعث بجسمه وروحه كما كان خلقه ثم ينال جزاءه حسب عمله. وعمله مسجل عليه في ظاهره وفي باطنه؛ فالإنسان محاسب على الأعمال وما وراء الأعمال من نية وقصد: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وكل ذلك مجموع له لا تشفع فيه شفاعة الشافعين، ولا
_________________
(١) ١ انظر سورة النحل: ١١١. ٢ انظر سورة يونس ٤٧.
[ ٢١٢ ]
تقوم بين الإنسان وبين الله وساطة، ولا يؤخذ المرء بعمل غيره: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار] ﴿يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان] . والعدل المطلق هو الذي يحكم، وإلى جانب العدل كانت الرحمة. وأول ما يحاسب عليه الإنسان هو العقيدة؛ فالإيمان بالله أولًا، فإذا وجد جرى الحساب على الأعمال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء]، وإن لم يوجد فإن الإنسان هالك في النار خالد فيها.
وقد صور القرآن الحياة الأخرى تصويرًا ماديًّا واضحًا، فالمؤمنون المتقون يحيون في جنة حوت كل أنواع النعيم، والصورة التي رسمها القرآن للجنة صورة أخاذة رائعة تأخذ بمجامع النفوس وتغري بعمل الخير والسعي نحو الفضيلة. أما الكافرون فمصيرهم إلى نار حامية يلقون فيه ألوانًا من العذاب تقشعر لوصفه الأبدان وتهلع القلوب.
وعلى غير هذا المفهوم كانت الديانة اليهودية، فإنها لا تميل إلى تصور العالم الآخر، بل عندهم الجزاء ثوابًا وعقابًا، في هذا العالم، وفيما كانوا يخافونه مما قد يسلطه الله عليهم من أنواع الخوف والجوع وما إلى ذلك من عذاب الدنيا. وفيما أورد القرآن من قصص العهد القديم أمثلة لنزعة الحضارة العبرية نحو مفهومات الجزاء الغيبي، من حيث ارتباطه بمصير المجتمع في حياته الحاضرة، ومن الممكن أن نتبين هذا إذا نظرنا مثلًا في قصة نوح أو قصة لوط وفي غيرها من قصص بني إسرائيل؛ فلم يكن تفكيرهم في اتجاهه العام يهتم بخلود الروح بعد الموت؛ وإنما كان تفكيرهم وثيق الصلة بهذه الحياة لا يكاد يحفل بما وراءها من ظواهر. والأديان الأخرى -إذ كانت تعد الموت انحلالًا جسميًّا خالصًا فكانت تفترض البعث للروح وحدها- لم تقل بأي شأن للحواس في الحياة الآخرة١.
وغير هذا أمر الإسلام الذي يقول ببعث الإنسان بعنصريه من كل وجه، وهو إذ يصور نعيم الجنة نعيمًا ماديًّا يجعل أعلى درجات النعيم روحانيًّا؛ فأكرم المؤمنين عند الله من يمتعه الله بالنظر إلى وجهه تعالى غدوًّا وعشيًّا.
_________________
(١) ١ سيديو، تاريخ العرب ٦٥.
[ ٢١٣ ]
والمفهوم الثالث هو ما يختص بفكرة الكتاب المنزل، فالذي يوحى إلى النبي -ﷺ- كتاب منزل من عند الله وليس من قول البشر: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج] يتكفل الله ببقائه وصيانته وعدم نسيانه، وهو من كلام الله بحروفه ومعناه. لا يزيد النبي -ﷺ- فيه شيئًا ولا ينقص، فهو كلام مقدس بنطقه ومعناه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة] والنبي -ﷺ- لا يستطيع أن يتقول على الله شيئًا، وإلا نال من ربه عقابًا شديدًا: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة] .
وقد وجدت الكتب السماوية من قبل القرآن، ولكن استقرار أن الكلام بنصه ولفظه من عند الله لم يكن موجودًا في غير القرآن، فالتوراة كتبت من بعد موسى وتضمنت فصولًا كتبت بعد وفاته، كما حوت تاريخًا ونبوءات من قبل موسى ومن بعده، كذلك تعددت ترجمتها والإضافات إليها. والإنجيل كتبه تلاميذ المسيح وضمنوه جملًا من كلام المسيح نفسه، فليس الإنجيل كله كلامًا منزلًا بنصه وحروفه من عند الله١، وحتى كلام المسيح نفسه لا يمكن أن يقال إنه بنصه وحروفه ولكن بمعناه، ولا يخرج الأمر في الإنجيل عن طريق الحديث عند المسلمين؛ ولذلك تعددت كتابة الإنجيل، بل وتعددت الأناجيل لدرجة كبيرة. ولم يجد المسيحيون ولا اليهود حرجًا من ذلك؛ لأن فكرة الكتاب المنسوب بلفظه ومعناه إلى الله لم تكن موجودة من قبل القرآن، وعلى مثل ذلك كانت الحال في الكتب الدينية الأخرى.
أما الذي نزل على محمد -ﷺ- فقد تقيد محمد -ﷺ- نفسه فيه، بحيث إنه ليس في إمكانه أن يزيد فيه حرفًا أو ينقص حرفًا، وليس في إمكانه أن يأخذ فيه المعنى دون اللفظ، فالله يوحي قوله إلى جبريل، وجبريل يلقيه على محمد -ﷺ- ومحمد يتلوه على الناس كلامًا مقدسًا كما سمعه. والآيات التي أشرنا إليها آنفًا تقر أن النبي -ﷺ- ملزم بألا يستعجل فينطق بالوحي قبل أن يستقر بلفظه كما هو مستقر في نفس النبي -ﷺ- بمعناه، وتشهد بأن النبي -ﷺ- ليس في إمكانه أن يتقول على الله شيئًا.
_________________
(١) ١ انظر الإصحاح الأول من إنجيل لوقا "إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتقنة عندنا كما سلمها إلينا حين كانوا منذ البدء معاينين وخدامًا للكلمة، رأيت أنا أيضًا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك يها العزيز توفليس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ".
[ ٢١٤ ]
وقد كتب القرآن في حياة النبي -ﷺ- حال نزوله- وكان للنبي -ﷺ- كتبة مختصون بتسجيل الوحي١- ثم إن النبي -ﷺ- كان يستعرض القرآن الذي أنزل عليه كل عام مرة٢. وقد نزل القرآن آيات بحسب الحوادث، وكان الوحي يشير إلى النبي -ﷺ- بوضع كل آية في مكانها من السور، فحتى ترتيب الآيات والسور لم يكن للنبي -ﷺ- فيه، وإنما هو مكلف بذلك.
وعلى هذا الأساس حفظ القرآن الكريم، وعلى هذا الأساس جمع في مصحف واحد هو المتداول في أيدي المسلمين حتى الآن لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف، ولم يدخل أي نوع من التغيير في ترتيب آياته وسوره٣، واستقرت قدسيته على ذلك منذ تلاه محمد -ﷺ- عن ربه حتى الآن وإلى أن تقوم الساعة.
وعلى هذا الأساس نقرر أن مفهوم الكتاب المنزل مفهوم جديد على العالم، وهو بصورة أوضح على العرب؛ فنحن نعرف أن وثنية العرب لم يكن لها كتاب، وهم لم يتقبلوا فكرة الوحي والكتاب المنزل في سهولة، فقال: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء] وقالوا: ﴿افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُون﴾ [الفرقان] وقالوا: وقد رد القرآن على ذلك: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء] وتحدى الناس جميعًا بأن يأتوا بمثله أو بمثل بعضه، ثم دمغهم بالعجز حين أنزل قوله تعالى ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء] وهذه الآيات ترينا أن مفهوم الكتاب المنزل كان مفهومًا جديدًا يختلف على صورته التي نعرفها عند الأمم الأخرى، فلم يشهد الناس من قبل تقيدا باللفظ والمعنى كما هو الحال في القرآن، ومن هنا نجد الإنكار والمعارضة، ونجد حتى اليوم من غير المسلمين من يقول بان هذا الكلام من عند محمد، على الأقل بلفظه لأن مفهوم نزول الكتاب بلفظه ومعناه مفهوم جديد لم تعرفه الأمم من قبل الإسلام.
_________________
(١) ١ أنساب الأشراف١/ ٥٣١، البخاري ٦/ ١٨٣- ١٨٤، الدلالات السمعية (مخطوط دار الكتاب) ١٣٤- ١٣٥. ٢ ابن سعد ٤/ ٨- ٩، ١٥٨. ٣ البخاري ٦/ ١٨٣- ١٨٤.
[ ٢١٥ ]
ثم إن النبي -ﷺ- إلى جانب هذه المفاهيم الجديدة التي جاء بها كان معلمًا للأخلاق، يريد أن يثني الناس عن عاداتهم المرذولة القديمة، ويريد أن يهديهم إلى أخلاق كريمة سميت فيما بعد بالأخلاق الإسلامية. وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا الدور الأخلاقي الذي قام به النبي -ﷺ- اليتيم. فالناس قد ألهاهم التكاثر، يجمع أحدهم المال ويعده عدًّا، لا يكرمون ولا يحاضون على طعام المسكين، يأكلون التراث أكلًا لمًّا، ويحبون المال حبًّا جمًّا١. فالرسول -ﷺ- يستنكر هذه المادية التي تقتل الروح وتميت نوازع الخير، ويدعوهم إلى البر والتقوى والإنصات إلى النفس اللوامة. ونستيطع أن نتصور المثل الأعلى الذي دعا إليه النبي -ﷺ- إذا قرأنا الآيات من صدر سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون] .
هذه هي المسائل الرئيسية التي دعا إليها النبي -ﷺ- الناس، فكانت غريبة عليهم حتى قالوا كما عبر القرآن ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص] ٢. ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص] . هذا يؤكد لنا أن هذه الأفكار كانت جديدة غير معروفة في المجتمع العربي، وغير معروفة كذلك في الأديان الأخرى، ومن غير شك كان العرب يخالطون أصحاب الديانات الأخرى، بل منهم من دخل فيها، فمنهم تهود، ومنهم من تنصر، وكان أهل مكة يخالطون أهل الديانات في رحلاتهم التجارية نحو الشمال والجنوب ويتعاملون معهم، ومن غير شك عرف المكيون شيئًا عن مبادئ هذه الديانات٣، بل منهم من قرأ الكتب وعلم أهل الكتاب، فلو كانت هذه الأفكار الإسلامية كما صورناها موجودة عند أهل الكتاب لما قال هؤلاء المكيون مقالتهم التي سجلها القرآن، ولو كانت مقالتهم تخالف الواقع لرد القرآن بتكذيبهم وبتأكيد وجود هذه الأفكار، الأمر الذي يقطع بما نتجه إليه٤.
_________________
(١) ١ انظر سورة الفجر، التكاثر. ٢ انظر سورة المؤمنون. ٣ انظر سورة ص ٧. ٤ ابن كثير ٣/ ٨٨-٨٩. ابن هشام ١/ ٣٨٣.
[ ٢١٦ ]
على أن هذه المثل العليا في الإيمان وفي الأخلاق هي أفكار إنسانية لا تزال الإنسانية تنشدها وتعيش عليها منذ بدء الخليقة، ونعني بها الدعوة إلى الفضيلة والنزوع إلى الكمال الإنساني، ولم تفقد جدتها بعد، ولا يتهم صاحبها بأنه اقتبسها أو قلد بها غيره فهي تراث للإنسانية قديم جدًّا، والقول بهذا الاتهام وقوع في خطأ قديم ابتدأ به الوثنيون حيث قالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان] .
[ ٢١٧ ]