لم تكن منطقة المدينة بلاد رعي؛ فقد كانت الأراضي الصالحة للزراعة تستغل في إنتاج الحاصلات الزراعية، وما وراء منطقة يثرب كان مجالًا لنشاط القبائل البدوية،. ومع ذلك فقد كان لأهل المدينة ثروة من الإبل والماشية والأغنام، يرعونها ما تنبت منطقة المدينة من أشجار وشجيرات رعوية١، كما كانت توجد إلى الشمال الغربي للمدينة منطقة رعوية هي منطقة زغابة والغابة تبدأ من مجتمع الأسيال على سبعة أميال من جبل سلع على طريق الشام، وبها أشجار ومراع يحتطب منها الناس ويرعون شجرها٢، وإلى جنوب المدينة على طريق مكة توجد مراع بين المدينة والربذة حماها النبي -ﷺ - بعد الهجرة لإبل الصدقة ترعاها ٣ كما حما منطقة تسمى نقيع الخضمات في الناحية الجنوبية الغربية من المدينة لخيول المسلمين.
وقد كان أهل المدينة يملكون عددًا من البقر لحرث الأرض، كما كانوا يستخدمون الإبل في ري الأراضي يحملون عليها الماء من الآبار، ويسمونها الإبل النواضح، وكان بعضهم يملك منها عددًا قد يصل إلى المائة يستخدمها لهذا الغرض٥ كما كان البدو يجلبون إلى المدينة أغنامهم وإبلهم يبيعونها لأهلها٦.
لكن ما كان يملكه أهل يثرب من الإبل والدواب والخيول كان قليلًا بالقياس إلى ما كانت تملكه مكة أو تملكه القبائل البدوية منها٧ لكنها زادت شيئًا فشيئًا بعد الهجرة
_________________
(١) ١ إمتاع ١/ ٢٤٧. ٢ ياقوت ١٠/ ١٤١- ١٤٢، ١٤/ ١٨٢. ٣ السمهودي ٢/ ٢٢٢. ٤ ياقوت ٢/ ٤٠٤- ٤٠٥. ٥ "يروي صاحب الأغاني أن أحيحة بن الجلاح الأوسي كان يملك تسعة وتسعين بعيرًا كلها ينتضح عليها" الأغاني ١٣/ ١١٨ "مصر". ٦ البخاري ٣/ ٦٢، ٨٠. ٧ "كانت الإبل التي خرج عليها المسلمون يوم بدر سبعين بعيرًا يعتقبها ثلاثمائة رجل، بينما خرجت قريش ومعها سبعمائة بعير يعتقبها تسعمائة وخمسون رجلًا، وكانت خيول المسلمون فرسين، بينما كانت خيول أهل مكة مائة فرس" "ابن هشام ٢/ ٢٥١. إمتاع ١/ ٦٥".
[ ٢٩٦ ]
تبعًا لحاجة المسلمين إليها في حروبهم، فكثر جلب الخيل من البادية، يأتي بها الأعراب لبيعها، وقد صارت لها سوق خاصة بالمدينة؛ كان بنو سليم المشهورون باقتناء الخيل يجلبونها إليها، وأصبح يطلق على هذه السوق بقيع الخيل١، كما كانت تجلب إلى هذه السوق الإبل والغنم أيضًا. وقد ازدادت ثروة المدينة الحيوانية بالتدريج بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية بها وكثرة الغزوات ضد القبائل العربية التي كانت تناوئ المدينة، بما كان يقع في أيدي المسلمين من غنائم من الإبل والأغنام٢، وبما كان يشتريه المسلمون من الخيول لسد حاجتهم الحربية٣، حتى لقد بلغ عدد الخيول في جيش المدينة عند فتح مكة سنة ٨ هـ ألفي فرس، كان الأنصار يملكون منها خمسمائة فرس ويملك المهاجرون ثلاثين فرسًا والباقي تملكه القبائل التي والت المدينة، وانضمت إليها ٤، وبلغ ما استطاع أن يمد به رجل واحد من المسلمين -هو عثمان بن عفان- جيش تبوك تسعمائة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا٥؛ الأمر الذي يقطع بنمو الثروة الحيوانية في يثرب نموًّا كبيرًا بعد الهجرة النبوية.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ٥٤٤. ٢ "على سبيل المثال: غنم المسلمون في غزوة بني المصطلق ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، وفي غزوة حنين أربعة وعشرين ألف بعير وأربعين ألف شاة". ٣ ابن هشام ٣/ ٣٦٤. ٤ إمتاع ١/ ٣٦٤. ٥ الدلالات السمعية ٦٤١.
[ ٢٩٧ ]