إذاكانت منطقة مكة مجدبة غير صالحة للزراعة، فإن المناطق المجاورة لها -وبخاصة منطقة الطائف والوديان الموجودة بين مكة وجدة -كانت تنبت مختلف النباتات، ويلهم ما في القرآن من آيات كثيرة تحتوي أوصافًا للأعمال الزراعية ونتاجها من زروع وكروم ونخيل وزيتون ورمان وفاكهة، والزرع ذو الحب المتراكب كالقمح والشعير - أن هذه الزراعات كانت قائمة، وأن أهل هذه المناطق من الحجاز كانوا متقدمين شوطًا غير قصير في الأعمال الزراعية١. وأن هذه المناطق الزراعية كانت تمون مكة والقرى الأخرى التي لا تستطيع أن توفر حاجاتها الغذائية بنفسها بسبب جدب التربة وشح المياه، وأن أهل مكة أنفسهم كانوا يملكون مزارع وحدائق وآبارًا بالطائف، وتتحدث الروايات عن رجل من العراق اسمه عدَّاس كان خادمًا في بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة بالطائف٢ وربما كان هذا الرجل خبيرًا زراعيًّا جُلب أو اشتري خصيصًا لهذا العمل.
_________________
(١) ١ انظر كلًّا من سورة البقرة ٦١، ٢٦١، ٢٦٤- ٢٦٦ الكهف ٣٣- ٣٤. ٢ ابن هشام ٢/ ٣٠، الواقدي ٢٣- ٢٤.
[ ١٨٤ ]
كما أن أهل مكة قد مارسوا تربية الماشية من إبل وغنم وأبقار، وأنهم كانوا يرعونها في الوديان والشعاب المجاورة لمنطقة مكة، والتي كانت تنبت الكلأ والشجيرات الرعوية التي تزدهر في مواسم معينة من السنة١، وقد ورد في كتب السيرة أن النبي -ﷺ- كان يرعى الغنم في أجياد، وأن عمر بن الخطاب كان يرعى إبل أبيه بجوار مكة٢. ومدينة تجارية مثل مكة كانت تقوم على تجارة القوافل لا بد أن تكون قد اهتمت بتربية الإبل، ولا يمكن أن تكون اعتمدت كلية على ما تستأجره من إبل الأعراب، بل إن أهلها كانوا يملكون ما يعتمدون عليه في نقل متاجرهم يربونه أو يشترونه من الأعراب ٣، كما كانوا يملكون عددًا من الخيل لاستعمالها في ركوبهم وحروبهم، وربما كانوا يبيعون بعضها مبادلة على الإبل التي كانت حاجاتهم إليها أشد ونفعها لهم أكبر٤.كما كانوا يملكون عددًا من الحمير والبغال. وكان لهذه الحيوانات كلها سوق نشيطة في مكة.
الصيد:
كان الصيد من مشاغل العرب ومعايشهم، بل كان من ضروريات حياتهم المعيشية، وقد ورد في القرآن آيات خاصة بالصيد، سواء منه صيد البر أو صيد البحر١. ويستفاد من هذه الآيات أن العرب في فترة البعثة المحمدية كانوا قد بلغوا شوطًا بعيدًا في فنون الصيد، فكانوا يستعينون عليه بالطيور الجارحة والحيوانات المعلمة كالبزاة والعقبان والصقور والكلاب٢ وكانوا يعلمون هذه الطيور والحيوانات لتقوم بمهمتها
_________________
(١) ١ انظر وصف منطقة مكة في حالة خصبها. أسد الغابة ١/ ١٠١ "روى ابن شهاب الزهري قال: قدم أصيل الغِفاري قبل أن يضرب الحجاب على أزواج النبي -ﷺ- فدخل على عائشة -﵂- فقالت له: يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ قال: عهدتها قد أَخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، قالت: أقم حتى يأتيك رسول الله -ﷺ- فلم يلبث أن دخل عليه النبي -ﷺ فقال: "يا أصيل، كيف عهدت مكة؟ " قال: عهدتها والله قد أَخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأَعزق إذخرها، وأَسلب ثمامها، وأَمشر سلمها، فقال: "حسبك يا أصيل، لا تحزنَّا" أعزق: صارت له أفنان. أسلب ثمامها: أخوص وصار له خوص. أمشر: أورق واخضر. ٢ ابن سعد ١/ ١٠٧- ١٠٨ الاستيعاب ٣/ ١٥٧. ٣ البخاري ٣/ ٦٢، ابن هشام ١/ ٤٩. ٤ ابن الأثير ١/ ٣٤٤. ٥ انظر سورة المائدة ١، ٢، ٤، ٩٤، ٩٦. ٦ البخاري ١/ ٤٢.
[ ١٨٥ ]
على الوجه الأكمل. وقد تحرج المسلمون من أكل الصيد الذي استعين عليه بالجوارح المعلمة، فأحلَّ الله لهم ذلك على شريطة ذكر اسم الله عند الرمي، أو عند إرسال الجارح. كما أن العرب كانوا يستخدمون الرماح في الصيد كما كانوا يستخدمون النبل أو الشراك١.
وكان العرب قبل الإسلام يحرمون الصيد بريًّا وبحريًّا في الأشهر الحرم تبعًا لما كانوا عليه من عادة تحريم سفك الدماء في هذه الأشهر؛ فرفع القرآن عنهم هذا الحرج بالنسبة لصيد البحر؛ وذلك لشدة الضرورة والحاجة المعيشية الماسَّة والخاصة للمسافر بحذاء البحر، وهذا يفيد أن صيد البحر كان مرتزقًا، وضرورة معيشية أوسع نطاقًا من صيد البر.
وليس في القرآن تخصيص للذين كانوا يعملون بالصيد، مما يمكن أن يقال معه إن أهل المدن والبدو كانوا يشتغلون به؛ إلا أنه من المتبادر أن البادية أكثر اشتغالًا به، وأن أهل السواحل أكثر اشتغالًا بصيد البحر. وقد شارك أهل مكة في أعمال الصيد، ومنهم من كان يستفيد منه في معاشه وبخاصة قريش الظواهر، كما كان منهم من يتخذه رياضة من سادات مكة٢.
_________________
(١) ١ انظر سورة المائدة ٩٤. ٢ ابن هشام ١/ ٣١٢، المبرد: الكامل ٢/ ٤٩٣ "تحقيق أحمد محمد شاكر".
[ ١٨٦ ]