ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة مكية ومدنية احتوت مسميات كثيرة ومتنوعة لمصنوعات هي من وسائل حياة أهل المدن. فقد ذكرت الآيات البيوت والغرف والحجرات والأبواب والسقوف والقواعد والمعارج١، والخيام التي تصنع من جلود الأنعام، كما ذكرت الأثاث الذي يصنع من الصوف والأوبار والأشعار٢، والأسرَّة والأرائك والنمارق والزرابي والفرش وبطائنها٣. والأواني المتنوعة من قدور وجفان وصحاف وأكواب وأباريق وكئوس٤، ومصابيح ومشاك وزجاج٥. والحلي والزينة
_________________
(١) ١ انظر سورة الطور ١-٥، الحجرات ٤، الزمر ٢٠، النحل ٢٩. ٢ انظر سورة الرحمن ٢٣، النحل ٨٠. ٣ انظر سورة الغاشية ١٢-١٦، الرحمن ٥٤، الكهف ٣١. ٤ انظر سورة الإنسان ١٦، الواقعة ١٥-١٨، الزخرف ٧١. ٥ انظر سورة النور ٣٥.
[ ١٨٦ ]
بأنواعها١، والثياب من الحرير وغير الحرير٢ والجلابيب والخُمر والسراببيل والقمصان والنعال٣: والسلاح من رماح وسكاكين ودروع٤. والسلاسل والأغلال٥. وأدوات الكتابة من قرطاس وقلم ومداد ورقوق٦ والشراب الذي يصنع من ثمرات النخيل والأعناب٧. والمعادن من حديد ونحاس وذهب وفضة والصلصال والفخار٨.
وورود هذه الأعيان ومسمياتها وأوصافها ووجوه استعمالها في القرآن، ويدل على أن أهل مكة وأهل الحجاز ومدنه كانوا يستعملونها ويملكونها قبل نزول القرآن، حتى ولو جاء ذكرها في معرض الإخبار والتمثيل ووصف نعيم الجنة؛ لأن القرآن لا يمكن أن يخاطب الناس بما لا يفهمونه ولا يعرفونه. ويضاف إلى هذه الأشياء المكاييل والموازين التي كانت موجودة ومستعملة في البيع والشراء.
وواضح أن وجود هذه الأدوات والحاجيات يتطلب وجود طبقة من العمال والصناع: في أعمال البناء ونحت الحجارة، وفي الحدادة والنجارة والتنجيد والصياغة والحياكة والنحاسة والسروجية، وغير ذلك مما تتطلبه حياة المدن مهما كانت درجتها من الحضارة٩. وقد ورد ذكر لأناس كانوا في مكة يقومون بهذه الأعمال، منهم من يقوم بالحدادة أو الصياغة، ومنهم من كان يقوم بالنجارة١٠ أو النسيج أو الخياطة أو الحجامة١١.
_________________
(١) ١ انظر سورة النور ٣١، ٦٠. ٢ انظر سورة الحج ٢٥، الكهف ٣١، سبأ ١٣. ٣ انظر سورة الأحزاب ٥٠، طه ١٢، يوسف ١٨. ٤ انظر سورة النحل ٨١، المائدة ٩٧، يوسف ٣١، النساء ١٠١. ٥ انظر سورة الحاقة ٣٢، غافر ٧١، سبأ ١١. ٦ انظر سورة لقمان ٣٧، الأنعام ٧. ٧ انظر سورة النحل ٦٧. ٨ انظر سورة الحديد ٢٥، الرحمن ١٤، ٣٥، الحج ٢٥، الكهف ٣١. ٩ دروزة عصر النبي ص ٦٩- ٧١. ١٠ أسد الغابة ١/ ٤٣. ١١ البخاري ٣/ ٦٠- ٦٣.
[ ١٨٧ ]
ومهما تكن أسفار الحجازيين البرية أو البحرية، ومهما يكن ما يجلبونه من الخارج؛ فليس من المعقول أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات مصنوعًا جاهزًا؛ بل لا بد أن يصنع بعضها إن لم يكن معظمها محليًّا؛ إذ لا يمكن أن يكونوا أو يظلوا عيالًا على الخارج في هذه المواد الكثيرة التي يستعمل كثير منها استعمالًا عامًّا ويوميًّا، ولا سيما وأن المواصلات بينهم وبين البلاد التي تقدمت عليهم في الحضارة، والتي يمكن أن يجلبوا منها احتياجاتهم -غير سهلة ولا قريبة-. كما أنه يوجد من الأشياء ما لا يمكن جلبه من الخارج، كأعمال البناء والنحت والنجارة؛ وإذن فلا بد من وجود طبقة من الصناع والعمال في المدن الحجازية يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأن أهل هذه المدن، وإن اعتادوا أن يجلبوا شيئًا مما يستعملونه من الخارج، فإن هذا الشيء كان مقصورًا على ما لا تستطيع البيئة المحلية إنتاجه، أو لا تستطيع إجادته، وخصوصًا حاجيات الترف الكمالية الدقيقة الصنع، من أدوات الزينة والزخارف والحرير والأواني الدقيقة وبعض أنواع الأسلحة والنسيج.
ولقد كان في مكة وفي سائر المدن الحجازية جاليات أجنبية يهودية ونصرانية، سورية ومصرية وحبشية ورومية وعراقية. ومن الراجح أن هؤلاء الأجانب كانوا يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأنهم كانوا نواة ومعلمين لطبقات من الصناع المحليين، وأن منهم من كان يعمل لحسابه الخاص، كما كان الحال في يهود يثرب، ومنهم من كان يعمل لحساب سادته١. وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة عند تجديدها، كما أن النبي -ﷺ- قد وجد في الكعبة صورًا ورسومًا للملائكة والأنبياء، لا بد أنها كانت من صنع أمثال هذا العامل الرومي ومن عمل معه من بني جنسه من النصارى، كما وجدَ بها تمثالًا لحمامة من الخشب؛ الأمر الذي يدل عل وجود صناع يتقنون هذه الأعمال في مكة، وأنهم لم يكونوا من العرب ولكنهم كانوا من الرقيق أو من الموالي الأجانب ٢. كما كان بعض النساء يشتغلن بالأعمال الصناعية وبخاصة صناعة الغزل والنسيج٣.
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٥. ٢ الطبري ٢/ ٣٩- ٤٠. ٣ البخاري ٣/ ٦١.
[ ١٨٨ ]