كان اليهود جاليات كبيرة العدد متعددة الفروع، منتشرة في أماكن كثيرة من منطقة يثرب والطريق المؤدية إلى الشام. وكانت كتل اليهود الكبرى -على ما يبدو- تتركز في يثرب بالذات، حيث كانت فيها ثلاث قبائل ربما بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين وهي قينقاع، والنضير، وقريظة١، وإلى جانبها كانت توجد بطون وعشائر يهودية متفرقة، ذكر السمهودي أنها كانت أكثر من عشرين بطنًا، منها بنو القصيص، وبنو ناغصة، وبنو مريد، وبنو معاوية، وبنو ماسكة، وبنو محمم -محمر- وبنو زعورا، وبنو زيد اللات، وبنو حجر، وبنو ثعلبة، وبنو الشطبية، وبنو عكرمة، وبنو مراية، وبنو عوف، وبنو عدل -بهدل-٢.هذا إلى أعداد أخرى من اليهود سكنوا في جهات مختلفة من يثرب.
وقد عاشت قبائل اليهود الثلاثة الكبرى في مساكنها عيشة التكتل والأحياء الخاصة؛ بينما عاشت البطون الصغيرة منتشرة إلى جوارهم أو إلى جوار البطون العربية في ثرب. وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة، وكانت من القوة والمناعة بحيث ظنوا أنها مانعتهم ممن يريدهم، وبحيث ظن العرب ذلك، ومما لا ريب فيه أن هذه الحصون والقلاع والقرى كانت وسيلة لتوطيد مركز اليهود وإقرارًا لهيبتهم في نفوس العرب. كما كانت دليلًا على ما كانوا عليه من قوة وقد ذكر السمهودي أن آطام اليهود في يثرب كانت تسعة وخمسين أطمًا٣.
_________________
(١) ١ كان رجال قينقاع المحاربون سبعمائة كما كان رجال النضير في نحو هذا العدد عند جلائهم عن المدينة، وكان الرجال البالغون من قريظة عند قتلهم بعد الأحزاب ما بين السبمعائة والتسعمائة: ابن هشام ٢/ ٤٢٨، ٢٥٩. ٢ السمهودي: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ١/ ١١٢ وما بعدها، ولفنسون ١٤. ٣ السمهودي ١/ ١١٦.
[ ٢٤٥ ]
وقد سكن اليهود الجهات الخصيبة الغنية في منطقة يثرب؛ فقد أقام بنو النضير بالعوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مذينب، وأقام بنو قريظة إلى شمالهم على وادي مهزور، أما بنو قينقاع فقد أقاموا عند منتهى جسر وادي بطحان مما يلي العالية، وكان لهم هناك سوق من أسواق المدينة عرفت بهم. أما بقية بطون اليهود فكانت منتشرة في أماكن أخرى متعددة من المناطق الغنية في يثرب، فبنو هذل وبنو عوف كانوا إلى جوار قريظة، ونزل بنو القصيص وبنو ناغصة بقباء، وكان بنو مربد وبنو معاوية وبنو ماسكة في شمال وادي مهزور، وبنو زعورا في منطقة العوالي عند المكان المعروف بمشربة أم إبراهيم، وكانوا بنو عكرمة -عكوة- وبنو مراية على طرف حرة واقم من ناحية الشمال في يماني وشمالي منازل بني حارثة الأوسيين؛ بينما كان بنو ثعلبة وجماعات غيرهم من اليهود بقرية زهرة بناحية العريض وكانت من أعظم قرى المدينة، كما كان يعيش في شمال المدينة بقرب أحد جماعات من اليهود١. وهكذا كان اليهود يعيشون في أخصب مناطق يثرب وأغناها.
ويختلف المؤرخون في جنسية يهود يثرب، أهم عرب تهودوا أم هم إسرائيليون نزحوا إلى الأقاليم العربية؟ وعلى الرأي الأول المؤرخ اليعقوبي الذي يرى أن بني النضير وبني قريظة فرعان من قبيلة جذام العربية، تهودوا وسموا باسم المكان الذي نزلوا فيه، فبنوا النضير فخذ من جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به٢. وبنو قريظة فخذ من جذام إخوة النضير يقال إن تهودهم كان في أيام السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له قريظة، فنسبوا إليه٣. وعلى الرأي الثاني عامة المؤرخين العرب. ومن جهة أخرى تجتهد طائفة من المؤرخين الإفرنج في أن تجد لبعض أسماء القبائل اليهودية اشتقاقًا عبريًّا٤.
على أن الاستدلال ببحث لغوي على جنسية اليهود بما توحي إليه الأسماء التي يحملها اليهود قبائل وأفرادًا لا يمكن أن يعتد بها أو يعتمد عليه، سواء أكانت هذه الأسماء عربية أم عبرية، فمن الحق أن بعض أسماء القبائل اليهودية في بلاد العرب عربية محضة
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١١٢- ١١٦. ٢ اليعقوبي ٢/ ٣٦. ٣ نفسه ص ٣٩. ٤ ولفنسون ١٥.
[ ٢٤٦ ]
كما يقول اليعقوبي، ولكنها لا تدل على أنها عربية الجنس، إذ يمكن أن تكون جموع اليهود التي هاجرت إلى بلاد العرب قد اتخذت أسماء الأمكنة التي بها أسماء لها، بل الواقع أن اليهود كانوا قد تركوا منذ أمد طويل الانتساب إلى قبائلهم وأصبحوا يعرفون بأسماء المدن والقرى والأقاليم التي جاءوا منها، فكان يقال فلان الأرشليمي أو فلان الحبروني وهكذا١.
ثم إن الأفراد الذين تسموا بأسماء عربية كانت أسماء آبائهم عبرانية مثل: عبد الله بن صوريا، وكنانة بن صورياء، ووهب بن يهوذا، وزيد بن اللصيت، ونعمان بن آضا، وثعلبة بن شعيا، والزبير بن باطا، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وسلسلة بن برهام، هناك أسماء عبرية قرنت بآباء أسماؤهم عربية مثل: شمويل بن زيد، والنحام بن زيد، وكروم بن قيس. على أن هناك أسماء عبرية محضة مثل عزال بن شمويل. وهكذا ٢.
ويشير إسرائيل ولفنسون إلى آثار اللغة العبرية الظاهرة في أسماء الأماكن التي نزلها اليهود في الحجاز، فيقول: فمع أن أسماء البلدان والأماكن التي سكنها اليهود في الحجاز كانت عربية؛ فقد وجد لبعضها اتصال باللغة العبرية مثل: وادي بطحان، فإن معناه بالعبرية الاعتماد، ووادي مهزور أو محزور معناه مجرى الماء، وقال السمهودي: سمران جبل بخيبر صلى النبي -ﷺ- على رأسه، والعامة تسميه مسمران، وضبطه بعضهم بالشين المعجمة؛ فإذا علمنا أن بفلسطين جبلًا يسمى شمران، أمكننا أن نستنتج أن شمران هذا؛ إنما هو لفظ عبري أطلقه اليهود على ذلك الجبل بعد نزولهم عنده. ثم بئر أريس نسبة إلى رجل يهودي اسمه أريس بلغة أهل الشام، ولكننا نعتقد أن هذا الاسم في الأصل غير علم، بل هو نكرة يطلق في اللغة العبرية والآرامية على الفلاح الحارث. وبئر روما اشتراها عثمان من يهودي ومعناها البئر العالية٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٣٦-١٣٨، تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣. ٢ ولفنسون ١٥. ٣ ابن هشام ٢/ ١٣٦- ١٣٨، تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣.
[ ٢٤٧ ]
ولكي نعرف جنسية اليهود في بلاد العرب؛ فإنه من الأفضل أن ننظر في الأخلاق والتقاليد واتجاه الأفكار والأعمال. ومن هذا السبيل نستطيع أن نحكم بأن يهود يثرب بخاصة وشمال الحجاز بعامة أقرب إلى العنصر اليهودي منهم إلى العنصر العربي.
يحتوي القرآن الكريم معلومات وافية عن اليهود في المدينة ومناطقها، وذلك للموقف الجحودي والحجاجي الذي وقفوه من الدعوة الإسلامية؛ وقد وجه القرآن الخطاب لليهود بتعبير بني إسرائيل، ونعى عليهم موقف اليهود الأقدمين مع موسى والنبيين من بعده، وما كان منهم من إحراج وتعجيز وكفر وتكذيب وغدر ونقض للشرائع وتحريف للكلام عن مواضعه، وقد جعل اليهود المعاصرين والقدماء موضع خطاب وسياق وسلسلة واحدة في كثير من الآيات، حيث يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل أو إلى اليهود بصفة المخاطب القريب، فيقص ما كان من الأقدمين مقارنًا إياه بما يقع من المعاصرين، مما يرجح معه الصلة اللاحمة النسبية بين هؤلاء وأولئك مما جعلهم يصدرون عن جبلة واحدة وخصائص واحدة١. وتوجيه الخطاب إلى يهود يثرب بتعبير بني إسرائيل بهذا الإطلاق والشمول مع هذه الصلة اللاحمة التي يجعلها القرآن بين القدماء والمعاصرين منهم يجعلنا نجزم بأن اليهود في الحجاز كانوا طارئين وأنهم إسرائيليون، وأنهم ليسوا قبائل عربية اعتنقت اليهودية كما ذهب إليه بعض المؤرخين؛ بل وليس في الحجاز قبائل عربية يهودية الدين، وأن العرب الذين تهودوا في الحجاز لم يكونوا سوى أفراد، ولم يكونوا جماعة قبلية محسوسة. هذا إلى أن اليهود أنفسهم لم يكونوا يمليون إلى نشر ديانتهم بين الأمم، وفي ذلك يقول إسرائيل ولفنسون: ولا شك أنه كان في مقدرة اليهودية أن تزيد في بسط نفوذها الديني بين العرب حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكن الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأن الأمة الإسرائيلية لم تمل بوجه عام إلى إرغام الأمم على اعتناق دينها، وأن نشر الدعوة الدينية من بعض الوجوه محظور على اليهود٢.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة٤٠، ٤١، ٤٧، ٥٠، ٧٢- ٧٦، ٨٣، ٨٧، ٢١١، النساء ٥٣، المائدة ٧٨- ٨١. ٢ ولفنسون ٧٢.
[ ٢٤٨ ]
وقد كان اليهود يعتبرون أنفسم شعب الله المختار من بين شعوب الأرض ولا تسمح أنفسهم أن تكون هذه الميزات لشعب آخر ليس منهم١.
ومما يؤيد هذا أنه كان إلى جوار اليهود بالمدينة بطون عربية صغيرة قبل مجيء الأوس والخزرج٢، وقد بقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة، ولم تعتنق اليهودية على الرغم من أنها عاشت زمنًا طويلًا مع اليهود وعلى الرغم من أن اليهود كانوا أصحاب الثروة والنفوذ في يثرب.
وعند الهجرة النبوية كان المفهوم العام عند العرب واليهود على السواء أن اليهود إسرائيليون. ويشير السهيلي إلى نقطة جديرة بالاعتبار عند مناقشته لمعنى قول النبي -ﷺ- في مدح مخيرق أحد بني النضير الذي أسلم واشترك في موقعة أحد وقتل فيها: "مخيرق خير يهود". وقال: "مخيرق مسلم" ولا يجوز أن يقال في مسلم هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه، فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال: "خير يهود" ولم يقل خير اليهود، ويهود اسم علم كثمود، يقال: إنهم نسبوا إلى يهوذ بن يعقوب، ثم عربت الذال دالًا، فإذا قلت اليهود بالألف واللام احتمل وجهين: النسب، والدين الذي هو اليهودية، أما النسب فعلى حد قولهم التيم في التيميين، وأما الدين فعلى حد قولك النصارى والمجوس، أعني أنها صفة لا أنها نسب إلى أب. وفي القرآن لفظ ثالث لا يتصور فيه إلا معنى واحد وهو الدين دون النسب، وهو قوله سبحانه ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة] بحذف الياء، ولم يقل كونوا يهود؛ لأنه أراد التهود وهو التدين بدينهم، ولو قال كونوا يهودًا بالتدين لجاز أيضًا على أحد الوجهين المتقدمين، ولو قيل لقوم من العرب كونوا يهود بغير تنوين لكان محالًا؛ لأن تبديل النسب حقيقة محال. وقد قيل
_________________
(١) ١ العهد القديم: تثنية إصحاح ١٤، آية ١، وما بعدها. ٢ من هذه البطون: بنو الحرمان حي من اليمن، بنو مرئد حي من بلى، وبنو نيف حي من بلى أيضًا، بنو معاوية حي من سليم، ثم من بني الحارث بن بهثة. بنو الشطية حي من غسان. انظر الأغاني ١٩/ ٩٥ طبعة مصر.
[ ٢٤٩ ]
هود جمع هائد وهو في معنى ما قلناه. فلتعرف الفرق بين قولك هودًا بغير ياء، ويهودًا بالياء والتنوين، ويهود بغير تنوين، فإنها تفرقة حسنة صحيحة ١.
وإذا تتبعن المصادر في الأقوال التي يشار فيها إلى اليهود المعروفين بإسرائيليتهم؛ وجدنا كلمة يهود هي الكلمة المستعملة، مما يقطع بأن هذا الاصطلاح كان مفهومًا بمعناه المؤدي إلى النسب سواء لدى العرب أو اليهود على السواء٢.
هذا إلى أن النسابين العرب لم يذكروا إحدى قبائل اليهود في المدينة أو غيرها من أقاليم الحجاز ضمن الأنساب العربية٣، واليهود أنفسهم لم يحاولوا نسبة أنفسهم إلى قبائل العرب، بل حرصوا على نسبة أنفسهم إلى الإسرائيليين؛ فقد كان بنو قينقاع يدعون أنهم من ذرية يوسف الصديق ٤، وبنو النضير وقريظة يسمون الكاهنين٥ وعلى العكس ذكر النسابون أنساب القبائل المتهودة في اليمن والقبائل المتنصرة في الشام، وهذه القبائل المتهودة أو المنتصرة لم تحاول أن تنسب نفسها إلى الإسرائيليين أو غيرهم من الأمم الأخرى؛ فقد كانت القبائل العربية شديدة المحافظة على أنسابها شديدة الأنفة من أن تدعي نفسها إلى غيرها، وتشير الآية القرآنية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران] إلى أن اليهود كانوا يعتبرون ما دونهم من الأمم أممًا ثانوية ليس عليهم أي تبعة نحوها، ويبيحون لأنفسهم كل شيء معها.
_________________
(١) ١ السهيلي ٢/ ٢٦. ٢ على سبيل المثال انظر: ابن هشام ٢/ ١٣٥- ١٤١، ١٤٧، ١٦٧، ١٧٣، ١٨١، ٤٢٦، أسد الغابة ١/ ٧٠، الطبري ٢/ ٢٢٤، ٢٢٥، ابن خلدون ج٢، الكتاب الثاني ص ٢٨، سير أعلام النبلاء ٢/ ٦، / ٦٨، ٧٢، ٩٩. ٣ الأغاني ٣/ ١١٦. ٤ السمهودي ١/ ١١٥. ٥ ابن هشام ١/ ١٦، ٣ ٢٦٠ "روى ابن أسحاق حديث حيي بن أخطب حين قدم للقتل يوم قريظة: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملمحة كتبها الله على بني إسرائيل" السمهودي ١/ ١٢٥.
[ ٢٥٠ ]
وكلمة الأمين في الأصل كان يطلقها اليهود على الأمم الأخرى، وفي الحجاز أطلقوها على العرب، وتعني غير الكتابيين١، ومما يؤيد هذا أنه لم تكن لليهود في المدينة وفي أقاليم الحجاز عصبية قبلية بين العرب؛ وإنما كانت صلاتهم بالقبائل العربية صلة حلف ومصالح مشتركة؛ ولذلك لم يجدوا من قبائل العرب من يقف إلى جانبهم بدافع العصبية حين حاربهم النبي -ﷺ- وطرد بعضهم من المدينة وقضى على بعضهم الآخر؛ بل إنهم حين خرجوا من المدينة لم يلجئوا إلى قبائل العرب ينزلون عليها استنادًا إلى رابطة القربى؛ وإنما لجئوا إلى إخوانهم في خيبر وتيماء ووادي القرى، ثم رحلوا إلى الشام٢.
وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة ليقيموا فيها ويتحصنوا بها في أوقات الحروب حين يغزوهم الأعراب الطامعون في أموالهم وحاصلاتهم الزراعية. ويرجح أن فكرة إقامة الحصون والآطام على قمم التلال في يثرب وفي شمال الجزيرة العربية إنما أتى به اليهود من فلسطين وطنهم الذي وفدوا منه والذي كثرت في جباله الحصون المنيعة، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يطمئنون كل الطمأنية في المجتمع العربي، فعمدوا إلى اتخاذ القرى والحصون ليقووا فيها على الدفاع عن أنفسهم؛ ولذلك كانوا في سكانهم منعزلين عن العرب يعيشون مع بعضهم عيشة التكتل والأحياء الخاصة على ما جرت عليه عاداتهم منذ القديم. كما يدل هذا أيضًا على أن أحداثًا خطيرة كانت تقع بين العرب واليهود من حين لآخر، اضطرتهم إلى إقامة الحصون، ثم إلى عقد المحالفات مع العرب والاندماج الظاهري في تقاليدهم العصبية الاجتماعية والقبلية.
أما لغة اليهود في بلاد العرب فقد كانت العربية بطبيعة الحال؛ ولكنها لم تكن خالصة بل كانت تشوبها الرطانة العبرية٣، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركًا تامًّا، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراستهم، فكان من الضروري أن يدخل في عربيتهم بعض العبرية٤. وقد كان لهم في المدينة كيان طائفي وديني، وكان لهم
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢/ ٢٥٧- ٢٥٩، ٦/ ٢٨١. ٢ الواقدي ١٤١، ٣٩٠. ٣ يقول المقريزي في مقتل أبي رافع اليهودي: "واستفتحوا على أبي رافع فقالت امرأته: ما شأنكم؟ فقال لها عبد الله بن عتيك -وكان يرطن باليهودية: جئت أبا رافع بهدية" إمتاع الأسماع ١/ ١٨٧. وقد أمر رسول الله زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم كتاب يهود وقال: "لا آمن أن يبدلوا كتابي" نفسه. ٤ ولفنسون ٢٠.
[ ٢٥١ ]
معابد ومدارس١، وأحبار وربانيون -وكلمة حبر عبرية الأصل معناها الرفيق، وقد كانت في عهد البعثة تطلق على كل متعلم من اليهود٢- وكان لهؤلاء الربانيين والأحبار احترام عظيم وأثر كبير فيهم، وكان من أعمالهم أن يتولوا القضاء ويفصلوا للناس فيما شجر بينهم٣، كما كانوا أصحاب الأمر والنهي في الشئون الدنيوية، كما يقول القرآن الكريم ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة] وقد نشر اليهود عن أنفسهم -على ما يظهر- علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون، وكانوا يزهون على العرب بهذا وبالدين السماوي، وكانوا يفخرون ويستفتحون، ويظهرون غرورًا وخيلاء ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه٤. ومع ذلك فقد كان لليهود أخلاقهم التي وصفهم القرآن بها، وهي: الأنانية والجشع والبخل٥، والدس والنفاق وإلقاء الشقوق في نفوس الآخرين قصد البلبة والتحكم٦، وتبرير كل وسيلة للوصول إلى الغاية والمنفعة ٧، واستحلال ما في أيدي الغير وعد أنفسهم غير مسئولين عن الأمانة لهم والوفاء بعهدهم ٨ كما كان من خلقهم اللجاج والحجاج والمكابرة، وتلك أخلاق تجعل اللحمة متصلة بين المعاصرين منهم للرسول والقدماء في هذا الخلق.
من كل ما سبق نستطيع الحكم بأن يهود الحجاز كانوا إسرائيليين طارئين على هذه الجهات، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود عرب تهودوا ولكنهم كانوا قلة قليلة إلى جانب كتل اليهود الكبرى.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٧٩: ١٩٣، تفسير الطبري ٢/ ٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٤، ١٠/ ٣٠٣، ٣٠٦. ٢ ولفنسون ٧٠- ٧١. ٣ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة] . ٤ انظر سورة البقرة ٧٩- ٨٠، ٨٩، ٩١ آل عمران ٧٨، ١٨٨، النساء ٤٩، المائدة ١٨، الجمعة ٦، تفسير الطبري ٢/ ٣٣٣، ابن هشام ٢/ ١٩٠، ابن كثير ١/ ٢٣٠. ٥ انظر سورة النساء ٥٣- ٥٤، آل عمران ١٨٠- ١٨١. ٦ انظر سورة البقرة ٧٦، آل عمران ٧٢، ٩٩، ١٠٣، المائدة ٤١. ٧ انظر سورة النساء ٤٤- ٤٦- ٥٠. ٨ انظر سورة البقرة ١٠٠، آل عمران ٧٥، ٧٧.
[ ٢٥٢ ]
أما متى وفد اليهود على يثرب وكيف، فأمر لا يمكن البت فيه برأي قاطع؛ فإن ما لدينا من معلومات هي مجموعة من روايات نقلها أصحاب الأخبار وسردتها المراجع العربية، وهذه الروايات ترجح وصول الإسرائيليين إلى يثرب واستعمارها لها إلى أيام النبي موسى بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وخلاصتها أن المدينة كان يسكنها منذ زمن بعيد قوم من الأمم الماضية يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، وقد ملكوا الحجاز وكان ملكهم به يسمى الأرقم، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم؛ فبعث إلى العماليق جيشًا من بني إسرائيل وأمرهم أن يقتلوهم جميعًا ولا يستبقوا منهم أحدًا. وأن هذا الجيش بعد أن انتصر على أعدائه قتلهم جميعًا إلا ولدًا للأرقم كان وضيئًا فأشفقوا على شبابه؛ فحملوه معهم ليرى موسى فيه رأيه. وحين عاد الجيش إلى الشام كان موسى قد مات، وعد بنو إسرائيل إبقاء الجيش على الشاب العمليقي معصية، ورفضوا السماح للجيش بدخول الشام، فعاد على تعبئته إلى المدينة حيث أقام بها، وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة١.
ويذكر السهيلي هذه الرواية، ويشك في صحتها لبعد عصر موسى -﵇٢. كما يذكرها ابن خلدون ويضيف إليها أنه يشك في صحتها؛ لأن اليهود لا يعرفون هذه القصة٣؛ ولكنه يحدثنا أن دواد لما خرج عليه ابنه وخلع بنو إسرائيل طاعته فر إلى خيبر وأقام بها إلى أن انتصر على ابنه فعاد إلى وطنه٤. ومثل هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنها لا تستند إلى دليل، ولأنه لا يوجد في أسفار العهد القديم ما يؤيدها، وفي ذلك يقول الأستاذ النجار: إن مؤرخي العرب لم تكن لديهم كتب لمتقدميهم في ذلك، وهم إنما يعولون على ما رأوا في سفر العدد من
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ١١٦. ٢ السهيلي ٢/ ١٦. ٣ ابن خلدون ٢/ ٨٨. ٤ نفسه ٢/ ٩١.
[ ٢٥٣ ]
حروب بني إسرائيل والمدنيين والأموريين وغيرهم، ويتوسعون في ذلك إلى أرض الحجاز، ويزيدون على ما عند الإسرائيليين بغير سلطان أتاهم١.
ومن جهة أخرى تتحدث أسفار العهد القديم عن علاقات بني إسرائيل بسكان الجزيرة العربية: فتتحدث عن قوافل العرب التجارية التي كانت تأتي إلى أسواق مدن بني إسرائيل وكنعان٢ وتتحدث عن تجارة اليهود الذين كانوا يرحلون إلى سبأ في عهد سليمان٣. كما تحدثت عن حروب ملوك بني إسرائيل وانتصاراتهم على قبائل عربية وعماليقية غزوها، وأنهم واصلوا غزواتهم حتى وصلوا إلى الجزيرة ٤، ومثل هذه الأخبار التي وردت في أسفار التوراة لا تعطينا شيئًا يمكن الاعتماد عليه في إثبات وصول جموع إسرائيلية إلى الجزيرة العربية، وكل ما يمكن أن يقال والحالة كذلك أن القدماء اعتقدوا أنه قد وجدت في جهات يثرب وخيبر بطون إسرائيلية قبل وصول جموع اليهود المعروفة إلى الأصقاع العربية٥.
أخذت جموع كثيرة من اليهود في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد تهاجر إلى الأقاليم العربية عمومًا وإلى ربوع الحجاز بنوع خاص. ويرد إسرائيل ولفنسون أسباب هذه الهجرة إلى الزيادة المطردة في اليهود حتى بلغ عددهم أكثر من أربعة ملايين، وهو عدد لا تتسع له بلاد ضيقة كفلسطين فاضطروا أن يهاجروا إلى ما حولهم من البلاد المجاورة كمصر والعراق والجزيرة العربية.
_________________
(١) ١ ولفنسون - حاشية ص ٦، ٧. ٢ حزقيال: إصحاح ٢٧، آية ٢١ "العرب وكل رؤساء تيدار هم تجار يديك يأتونك بالخرفان والكباش والأهندة، في هذا كانوا جارك". ٣ الملوك الأول: إصحاح ٩ آية ٢٦ "وعمل الملك سليمان سفنًا في عصيون جابر التي بجانب أيلة على شاطئ بحر سوف في الأرض أدوم. فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان فأتوا إلى أوفير وأخذوا من هناك ذهبًا". ٤ صموئيل ج١ إصحاح ١٥. الأيام الثاني إصحاح ٢٦آية ٧. "وساعده الله على الفلسطنيين وعلى العرب الساكنين في جور بعل". ٥ ولفنسون ٧.
[ ٢٥٤ ]
ثم حدث حوالي القرن الأول ق م أن هاجمت الدولة الرومانية بلاد فلسطين وقوضت أركان الدولة اليهودية المستقلة فيها، وقد استتبع ذلك ثورات متتالية من اليهود أخضعها الرومان بشدة وقسوة، فاضطرت أعداد من اليهود إلى الهجرة إلى جزيرة العربية التي كانت بعيدة عن متناول يد الرومان؛ نظرًا لطبيعتها الصحراوية التي تعوق سير القوات المنظمة وتمنع توغلها؛ فضلًا عن أن هذه البلاد كانت تسودها الأنظمة البدوية الحرة.
وبعد حروب اليهود والرومان٧٠ ميلاديًّا التي انتهت بتدمير بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع يهودية كبيرة بلاد العرب للمزايا السابقة. وتؤيد المصادر العربية كل هذا فتذكر أنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعًا بالشام فوطئوهم ونكحوا نساءهم، خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل -بهدل- هاربين إلى ما بالحجاز من بني إسرائيل لما غلبتهم الروم على الشام، فلما فصلوا عنهم بأهليهم اتبعوا الروم فأعجزوهم وهلك جند الروم في المفاوز والصحاري الخالية من الماء١، وهذه الرويات مأخذوة عن يهود المدينة أنفسهم كما حكى ياقوت٢. ثم أخذت جموع اليهود في الجزيرة العربية تزداد وتكثر بعد اضطهاد الرومان لهم، ثم قصد بنو النضير وقريظة منطقة يثرب، وارتادوا حتى تخيروا أخصب بقاعها فسكنوها.
أفكانت يثرب وخيبر ووادي القرى خالية من السكان حين نزلها اليهود بحيث استعمروها بسهولة دون أن يجدوا من ينازعهم، أم أنها كانت مأهولة ببطون عربية نازعت اليهود ثم غلبت على أمرها؟ لاتعطينا المصادر شيئًا نعتمد عليه في هذا الموضوع. ويقول مؤرخ اليهود ولفنسون: إن هذه المناطق كانت غير آهلة بكثير من العرب، وإن جموع الأعراب كانت تنتجعها ثم ترحل عنها٣. ولكننا لا نستطيع الموافقة على هذا القول. فهذه المناطق بطبيعتها أماكن استقرار دائم عامرة بالقرى، وكانت بها محطات تجارية منذ أيام المعينيين، ثم إنها مناطق خصبة كثيرة الوديان التي
_________________
(١) ١ الأغاني ١٩/ ٩٥ طبعة مصر، السمهودي ٢/ ١١٢، الطبري ١/ ٣٨٤. ٢ ياقوت ١٧/ ٨٤. ٣ ولفنسون ١٢.
[ ٢٥٥ ]
تسيل بالمياه وتكثر فيها الآبار والعيون، ولا يعقل ألا يجذب خصبها السكان إليها والإقامة بها.
وقد ذكرت المصادر أنه كان مع اليهود بالمدينة بطون عربية من اليمن ومن بلى ومن سليم ومن غسان، ثم إن قبائل عربية كبيرة كانت تعيش بجوار هذه الأماكن الخصيبة، حالفها اليهود واتخذوا منها حماة تدافع عنهم كحلف يهود خيبر مع غطفان. ولا تذكر المصادر شيئًا عن الصراع الذي حدث بين اليهود وبين القبائل العربية وهي بذلك تسكت عن تاريخ اليهود جملة ولا نراها تتعرض لشيء من تاريخهم إلا ما كان منه مرتبطًا بالأحداث التي اتصلت بالمسلمين، والأمر من ذلك معلوم وهو أن هذه المصادر أهملت تاريخ اليهود؛ نظرًا لموقفهم العدائي من الدعوة الإسلامية، وقد كرههم العرب فأغفلوا الحديث عنهم إلا من هو متصل بموقفهم العدائي هذا.
ولكننا نستنتج من كثرة الحصون والآطام التي أقامها اليهود للاحتماء بها أنهم لم يكونوا مطمئنين إلى مقامهم وأنهم كانوا يخشون هجوم القبائل عليهم؛ الأمر الذي يجعلنا نشك في أن استعمار اليهود كان هينًا سهلًا، كما نشك في حدوث هجرات يهودية كبيرة دفعة واحدة، وترجح أن هجرات اليهود كانت بأعداد قليلة متتابعة، وأن عددهم ظل يكثر شيئًا فشيئًا حتى غلبوا على هذه المناطق.
[ ٢٥٦ ]