في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها، بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج:
فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها، الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير، وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية، كان أكبر قدوة، فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على
[ ٢٠٦ ]
ظهور المصلح النبي
في بداية القرن السابع الميلادي كانت بلاد العرب مستعدة لتلقي أكبر انقلاب في تاريخها، بل إنه حين حدث كان أعظم انقلاب في التاريخ الإنساني العام، بما ترتب عليه من تغيير شامل في النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية على السواء، وقد كانت الظروف مواتية لهذا الانقلاب تمام المواتاة. فمنذ منتصف القرن السادس كان قد أخذ يمحى ما بين أقوام العرب من خصام؛ وما بين قبائلهم من تنافس، تجاه الخطر الذي كان يتهددهم في الداخل والخارج:
فأما في الداخل فإن الصراع القبلي كان ينهك قوى القبائل ويقضي على أمنها، الأمر الذي حمل الزعماء وأصحاب النفوذ فيهم على العمل للحد من هذا التنازع؛ فكانت سنة الأشهر الحرم لتقليل فرص القتال -كما بينا من قبل- وما استتبع ذلك من تجمعات في الأسواق العامة وفي موسم الحج، مما أدى إلى حل كثير من المشاكل، وإلى تقريب النفوس وقيام التحالفات بين القبائل وأما في الخارج؛ فإن العرب كانوا يشعرون بضرورة الاتحاد، لما رأوا من تهديد الروم في الشمال، وتهديد الفرس في الشرق، وتهديد الأحباش في الجنوب، وكان من نتيجة الحوادث الأخيرة -التي أشرنا إليها- وهي زوال ملك الحيرة واضطراب أحوال الغساسنة وضياع استقلال اليمن، أن أخذت المبادئ القومية تنمو في نفوس العرب إلى حد كبير، وكان على زعمائهم أن ينظموا عناصر المقاومة تجاه هذا الضغط المضاعف، وقد نلمس هذه المقاومة في وقوف القبائل العربية المختلفة في وجه الحملة الحبشية على مكة، وقد يكون هذا عملًا تلقائيًّا، ولكنه يدل على الشعور بالارتباط العام بالإحساس بالمصير المشترك. وحين استطاع الحجاز أن يحبط الحملة الحبشية، كان أكبر قدوة، فاستردت مكة زعامتها التي أريد نزعها منها، وعلت منزلة قريش الأدبية علوًّا كبيرًا واتجهت إليها الأنظار، وعملت هي من جانبها على تدعيم هذا المركز وعلى ربط جميع القبائل حوله. ولم يكن ذهاب عبد المطلب بن هاشم على
[ ٢٠٧ ]
مكة ومن قريش ظهر محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم نبيًّا يدعو إلى رسالة جديدة، جوهرها الإقرار بالألوهية لإله واحد، هو الله الخالق المبدع الذي تنزه عن المشاركة والمصاحبة وتفرد بالربوبية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ونبذ ما عدا ذلك من أصنام وأوثان وكل ما يلقي ظلًّا من المشاركة مع الله. وأن الناس كلهم أبناء أب واحد وأم واحدة، لا فضل بينهم إلا بما يقدم أحدهم من عمل صالح يرضي الله ويعود على الإنسانية بالخير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات] فالناس جميعًا سواء أمام الله مهما اختلفت أجناسهم أو لغاتهم أو مراكزهم الاجتماعية، ويجب لذلك أن يتساووا في الحقوق والواجبات بصفتهم إخوة في الإنسانية، وبصفتهم جميعًا عبادًا لرب واحد، وأن النبي -ﷺ- جاء ليقر العدالة ويقر مكارم الأخلاق.
ومحمد إذ بُعث نبيًّا؛ كانت له صفاته الشخصية التي هيأته للاضطلاع بدور الزعيم النبي -ﷺ-. وإذا قرأنا كتب السيرة القديمة، وجدنا هذه المصادر تقدم لهذا الدور بنوع من التفسير لعبقرية النبي -ﷺ- فهم يوردون أخبارًا تدل على اكتسابه نوعًا من الخبرة الني يكتسبها كل إنسان من تجاربه، ثم يوردون أخبارًا أخرى تدل على أن النبي نال من العناية الإلهية والفضل الرباني والعلم اللدني الذي يلقيه الله في نفس العبد بدون واسطة، وأن هذه النفحات الإلهية أتمت للنبي -ﷺ- شخصيته وأكملت تجاربه.
يذكر المؤرخون أن النبي -ﷺ- شارك في الحياة العامة في مكة منذ طفولته مشاركة كان لها أثر كبير في حياته، فقد شارك في الحياة السياسية في المدينة المكية، فقد اشترك في حلف الفضول، وكان هدف هذا الحلف هدفًا ساميًا لم تألفه القبائل المعتزة بعصبيتها، هذا الهدف هو نصرة المظلوم بصرف النظر عن قرابته وقبيلته١. ومن قبل كان قد اشترك إلى جانب أعمامه من هاشم وقريش في حرب الفجار، وهي حرب وقعت في الأشهر الحرم فسميت بالفجار٢، فاكتسب إلى جانب خبرته السياسية خبرة حربية، ثم إنه اشترك في تنظيم القوافل التي كانت تسيرها قريش إلى الشام، فسافر مع
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤٥، ابن سعد ١/ ١١٠. ٢ ابن هشام ١/ ٢٠١.
[ ٢٠٨ ]
عمه وهو صبي١، وسافر في تجارة لخديجة وهو شاب٢، كما مارس التجارة في مالها بعد أن تزوجها؛ فاكتسب خبرة بالمعاملات التجارية ومعرفة بطبيعة الإنسان يقدر بها على تقدير قيمة الرجل الأدبية من فور. كما اكتسب خبرة بالبلاد وأحوال الناس، ثم إنه كان قد اشتغل بالرعي حين كان صبيًّا، فأكسبه ذلك صفة خلقية هي التواضع وتمجيد العمل أيًّا كان نوعه٣. ثم إنه اشتهر بصفة خلقية هي الأمانة حتى سمي بين الناس قبل البعث بالأمين٤، فكان له إلى جانب تجاربه، أخلاقه المرتضاة التي كانت تحببه إلى الناس قبل أن يعارض آراءهم. وثمة صفة أخرى اشتهر بها هي صفة القدرة على الحكم وسرعة البديهة في حسم الأمور، يشهد بذلك حكمه بين أهل مكة حين جددت قريش بناء الكعبة، واختلفت بطونها على من ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من البناء، فأظهر من سرعة الخاطر وقوة البديهة ما حسم الموقف وأرضى المتنازعين، كما كشف هذا الموقف عن قيمة محمد -ﷺ- في الحياة الاجتماعية في مكة بحيث ارتضاه رجال الملأ حكمًا ورضوا بحكمه٥. ثم إنه كان إلى هذا كله يتيمًا فقيرًا ذا طبيعة دينية على ما يمكن أن نستنتج من ميله إلى التحنث -وهو التفكير والتأمل والتعبد- معتزلًا بكهف بالجبل شهرًا من كل عام ٦؛ فالنبي -ﷺ- رجل اكتسب صفات على نحو ما يكتسبه الناس، وتلقى من الله توفيقات وإلهامات. فهو بشر ارتفع بنفسه على نحو ما يرتفع كبار الفلاسفة بأنفسهم عن مستوى تفكير عامة الناس، إلا أن النبي يرتفع بعقله وقلبه في آن واحد، على حين يرتفع الفيلسوف بعقله فقط.
ثم إن النبي -ﷺ- وجد بعد زواجه من خديجة بنت خويلد -وهي إحدى النساء الغنيات الشريفات في مكة ٧- نوعًا من الراحة النفسية التي يجدها المرء إذا وفق إلى
_________________
(١) ١ ابن سعد ١/ ١٠١. ٢ نفسه ١/ ١١١. ٣ ابن هشام ١/ ١٧٨. ٤ نفسه ١/ ١٤. ٥ ابن هشام ١/ ٢١٤. ٦ نفسه ١/ ١٥٣، الطبري ٢/ ٤٧. ٧ ابن هشام ١/ ٢٥٢، الطبري ٢/ ٤٧.
[ ٢٠٩ ]
شريكة توافق ميوله. وقد كان هذا الزواج من العوامل التي جعلته يتخفف من بعض أعباء الحياة ومن بعض عناء السعي؛ فخديجة الغنية بمالها، والتي كانت امرأة نَصَفة قد فارقت عهد الشباب الأول، وكانت لها تجربة إدارة أموالها، كانت أقدر على حياة زوجية هادئة رصينة، هيأت لمحمد -ﷺ- أن يتخفف من أعباء الحياة لأفكاره الذاتية، ولحياته الداخلية القوية التي تشغل عزلته كلما أمعن في العزلة -والعزلة لا يطيقها إلا الذين حفلت نفوسهم بالأفكار الذاتية- ثم من ناحية أخرى تتصل بهذا، يشهد بها بعض الرواة نقلًا عن زوجته عائشة، وهي أن أول ما بدئ به النبي -ﷺ- أنه كان يرى الرؤية واضحة كبلج الصبح١. ومعنى هذا أن حياته الداخلية كانت امتدادًا لحياته الخارجية؛ فهو في يقظته وفي نومه يجد نفسه مشغولًا بأمر واحد، وهو أمر الدين الذي يتهيأ لقبوله وتلقيه، والإنذار به والدعوة إليه.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٢٥٢، الطبري ٢/ ٤٧.
[ ٢١٠ ]