علاقة الحجاز باليمن قديمة جدًّا ترجع إلى أيام الدولة المعينية، ثم السبئية والحميرية ١٣٥٠ ق م- ٥٢٥م الذين امتد نفوذهم إلى شمال بلاد الحجاز، حيث أسسوا لهم مستعمرات على طول الطريق التجاري في معان والعلا كما تشهد بذلك النقوش التي وجدت في هذه المناقط١. وفي أيام هذه الدول لم تكن مكة أكثر من
_________________
(١) ١ حتى: نقوش أشار إليها ٤٩، ٥٠، ٦٤جواد علي ١/ ٣٨١، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٨. Gerald do Garury Rulers of Mecca P.٢٤
[ ١٣٤ ]
محطة تمر بها القوافل ويجد معبدها الاحترام وبخاصة من ملوك التبايعة، حيث تذكر الروايات أن التبع تبان أسعد أبا كرب الحميري كان أول من كسا البيت الحرام وعظمه وأوصى بتعظيمه وكسوته١. وقد كانت القبائل الجنوبية هي أول مَن سكن مكة، وكان لقبيلة خزاعة، التي هي فرع من الأزد دور في عمارة مكة، وتنشيط الحج إلى بيتها الحرام.
وفي عهد قريش اتصل أحد رجال مكة وهو المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن الحميريين وعقد معهم اتفاقًا على أن تقوم قريش بالمتاجرة في أرضهم، وقد اتصلت تجارة قريش باليمن منذ ذلك الوقت -حوالي بداية القرن السادس- وسيطرت قوافلها التجارية تمامًا على نقل هذه التجارة. وقد تضاءل شأن تجار اليمن واكتفوا بالتجارة مع قريش، وكان قصاراهم أن يبيعوا بضائعهم لتجار مكة إذا قدموا إلى الشمال.
وكما حظيت مكة وبيتها الحرام بنفوذ كبير بين عرب الشمال، كذلك أصبح لها مكانة عظيمة في نفوس عرب الجنوب الذين فقدوا استقلالهم، وتطلعوا بدافع القومية إلى هذا البلد العربي المستقل، حتى لقد غضبوا حين جهز أبرهة حاكم اليمن الحبشي حملة لغزو مكة. وتصدت له بعض القبائل اليمنية وقاتلته، وقد قامت علاقات صداقة ومودة بين زعماء مكة ورجالات اليمن؛ فتحدثنا الروايات عن صداقات عبد الملطب بن هاشم وبعض أقيال اليمن ووفاداته عليهم٢. وقد قدم وفد مكة لتهنئة سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الأحباش. وربما كان قدوم هذا الوفد تعبيرًا عن الابتهاج بهزيمة الحبشة التي كانت قد غزت مكة من قبل، ولكنه كان على كل حال تعبيرًا عن الغبطة بانتصار رجل عربي على أعدائه، ودليلًا على حسن الصلة والمودة. وقد أكرم سيف الوفد وحباه، وحظي عبد المطلب زعيمه بعظيم عطفه وكرمه٣.
أما علاقة مكة بالحبشة فإنها بدأت منذ خرجت مكة بتجارتها إلى المجال الخارجي، فإنه في الوقت الذي اتصل فيه المطلب بن عبد مناف بأقيال اليمن، اتصل
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٩- ٢١. ٢ ابن كثير ١٧١- ١٧٢ "كان عبد المطلب صديقًا لذي نفر الحميري، وهو الذي تصدى لحملة أبرهة عند خروجها متجهة إلى مكة وقاتلها، ولكنه هزم، وكان ذو نفر من أشراف أهل اليمن وملوكهم". ٣ ابن كثير ٢/ ٣٢٩.
[ ١٣٥ ]
أخوه عبد شمس بالنجاشي، وأبرم معه اتفاقًا مماثلًا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الحبشة لقريش وجهًا ومتجرًا١.
وكانت الحبشة مصدرًا هامًّا من مصادر التجارة الشرقية، فقد كانت تنتج البخور واللادن والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل. كم كانت منطقتها المصدر الأول لتجارة الرقيق الأسود، وكانت قريش إذ تحصل منها على هذه السلع الهامة تحمل إليها ما تحتاج إليه من حاصلات الشام ومصنوعاته، ومن حاصلات الجزيرة العربية نفسها.
ولما استولت الحبشة على اليمن، لم تستطع أن تقوم بدور كبير في التجارة التي أصبحت نقلها يتم على أيدي التجار المكيين، الذين أصبحوا الوسطاء المسيطرين على قوافل التجارة الخارجية، كما كفل قيام البيت الحرام وإقرار هدنة الأشهر الحرم، وقيام الأسواق في منطقة مكة -السيطرة على تجارة شبه الجزيرة العربية الداخلية. وقد فكر حاكم اليمن الحبشي أبرهة أن ينافس مكة في هذه المكانة؛ لعله ينتزع منها التجارة الداخلية، فأقام كنيسة في صنعاء، حرص على أن تكون غاية في الفخامة والروعة؛ ليجلب إليها العرب للحج والمتاجرة٢، ولكن عمله هذا لم يأت بنتيجة؛ وذلك لأن الكتلة العظمى للقبائل العربية كانت وثنية، وقد كانت مكة مأوى أصنام العرب، ثم إن البيت الحرام كان محل تعظيم العرب جميعًا؛ لأنه البيت الذين بناه إبراهيم وإسماعيل اللذان يرد العرب أنسابهم إليهما، فكان اتجاههم إلى مكة يرضي عاطفتهم الدينية والقومية على السواء. وقد دعا الفشل واحتقار العرب للكنسية التي أقامها أبرهه إلى قيامه بحملة ضد مكة لتدمير بيتها الحرام فتسقط بذلك مكانتها الدينية، ومن ثم تذهب مكانتها بين العرب من ناحية، وليسيطر على هذه المحطة التجارية من ناحية أخرى؛ ليتم اتصال الحبشة عبر الطريق البري بحليفتها بيزنطة التي كانت تسيطر على بلاد الشام، والتي ربما كانت من وراء هذا الغزو الحبشي؛ ليصبح هذا الطريق الهام في يدها ويد حلفائها، وإن كانت لم تظهر على مسرح الحوادث في هذا الموضوع٣. وقد فشلت
_________________
(١) ١ الأغاني ٨/ ٥٢. ٢ حتى ٧٦. ٣ لا يستبعد أوليري oLEARY أن بعض التجار الروم في مكة كانوا يقومون بأعمال التجسس لحساب بلادهم.
[ ١٣٦ ]
حملة أبرهة بظروف بعيدة عن عمل المكيين ١؛ فقد تفشَّى المرض في جيش أبرهة وهو على أبواب مكة بعد أن عجزت القبائل عن التصدي لهذا الجيش، كما عجزت مكة عن تهيئة قوة لحربه والوقوف في وجهه، وقد زاد هذا الحادث من مكانة مكة الأدبية، وأكد زعامتها السياسية والروحية.
وعلى الرغم من هذا العمل العدواني من جانب الحبشة؛ فإن العلاقات ظلت قائمة بين البلدين؛ لحاجة كل منهما إلى الآخر، ولأن الحبشةلم تفكر بعد ذلك في تكرار هذا العمل العدواني، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بطردها من اليمن؛ ولأن قريشًا اطمأنت لمركزها بعد تراجع الأحباش عنها وبعد خروجهم من الجزيرة العربية كلها بعد هزيمتهم أمام الفرس. ولم يصبح أمام الحبشة إلا هذا الوسيط العربي الذي يقوم على التجارة، فإنه لم يكن من المستطاع أن تخلق تجارة مع الفرس أعدائها وأعداء حلفائها الروم.
وفي أيام البعثة النبوية كانت علاقة مكة مع الحبشة علاقة وطيدة، وكان تجار قريش على صلة دائمة وعلاقات طيبة مع هذه البلاد وعلى معرفة أحوالها؛ الأمر الذي جعل النبي -ﷺ- يفكر أول ما يفكر في الحبشة حين اضطر إلى أن يشير على أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليها ووجدوا فيها ملجأ وحماية، وفي حسن استقبال هؤلاء المهاجرين ورعايتهم، وفي إرسال قريش سفارة قابلت النجاشي وفاوضته في رد هؤلاء المهاجرين ٢ ما يدل على أن العلاقة كانت وطيدة بين البلدين. وقد ظلت العلاقات الطيبة قائمة بينهما بعد ذلك مدة طويلة.
ولا بد أن صلة مكة التجارية بالجنوب قد ازدادت بعد قفل طريقها الشمالي إلى الشام بعد هجرة النبي -ﷺ- إلى يثرب ودخوله في صراع مع قريش، فإن بلدًا مثل مكة لا يقوى على عدم المتاجرة وإلا أكل رءوس أمواله وهدد بالخراب.
_________________
(١) ١ انظر سورة الفيل. ٢ ابن هشام ١/ ٢٤٣، ٣٥٦-٣٦١. Oleary، P. ١٨٤.
[ ١٣٧ ]