الفصل الرابع: علاقات مكة الخارجية
شهد القرن السادس الميلادي ذروة الصراع بين الإمبراطورية البيزنطية ومن لف في فلكها. كدولة الأحباش. وبين الإمبراطورية الفارسية، وكان ميدان هذا الصراع بلاد الشرق الأوسط، وهدفه بسط نفوذ الدولتين على ربوع هذا الشرق؛ بغية السيطرة على طرق التجارة العالمية التي تمر ببلاد هذا الشرق. وقد وصل هذا الصراع ِإلى ذروته العظمى في نهاية هذا القرن، وبلغ غايته بانتهاء الربع الأول من القرن السابع، حيث انتهى نهاية أبدية؛ وذلك لأن دولة جديدة فتية قامت في جزيرة العرب، وهي منطقة لم تشهد قيام دولة موحدة من قبل، ولم يخطر ببال أحد أن تقوم بها مثل هذه الدولة، فوضعت حدًّا أبديًّا لهذا النزاع؛ فإنها لم تلبث بعد أن قامت إلا قليلًا حتى خرجت إلى المجال الخارجي، واصطدمت بالإمبراطوريتين الكبيرتين اللتين كانتا تتحكمان في مصير العالم وقتذاك؛ فالتهمت إحداهما وهي الإمبراطورية الفارسية، وطردت الأخرى عن هذه المنطقة؛ فلم تعد إليها مرة أخرى، بل ما لبثت أن تعقبتها في عقر دارها حتى سقطت على يد رجال يدينون بدين هذه الدولة الفتية ويخضعون خضوعًا معنويًّا لها، فقد سقطت القسطنطينية عاصمة بيزنطة في يد الترك العثمانيين المسلمين سنة ١٤٥٣م.
والصراع على الاستيلاء على تجارة الشرق بالسيطرة على طرقها صراع قديم سابق على ميلاد المسيح بقرون طويلة، ربما يرجع إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة الفرعونية ١٥٨٠ ق. م التي سيرت أساطيلها في البحر الأحمر إلى أرض البخور على شاطئ البحر الأحمر في الجنوب١، ثم جاء العصر الإغريقي فحاول الإسكندر الأكبر حين فتح
_________________
(١) ١ أحمد بدوي: في موكب الشمس ٢/ ٣٧٧، ٤٦٠- ٤٦٢. جورجي زيدان.
[ ١٣١ ]
بلاد الشرق أن يمد نفوذه على بلاد الغرب حيث تمر طرق التجارة فلم يتم له ما أراد١.ثم نجح البطالمة خلفاء الإسكندر في مصر، فوصلت أساطليهم إلى الجنوب، واستطاعت أن تحول جانبًا كبيرًا من تجارة الشرق إلى طريق البحر الأحمر ثم مصر. ثم لم تلبث الأساطيل الرومانية -بعد البطالمة- أن مخرت عباب البحر الأحمر لنقل هذه التجارة٢. ولكن الطريق البري ظل مفتوحًا. فأرسل الرومان حملة بقيادة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق. م في عهد القيصر أغسطس للاستيلاء على الطريق البري بالاستيلاء على رأسه الجنوبي -اليمن- بعد أن أصبح في أيديهم رأسه الشمالي -الشام- ولكن هذه الحملة باءت بالفشل٣.
ولما حل البيزنطيون محل الرومان، وقامت في المشرق دولة الفرس الساسانية، اشتبكت الدولتان في صراع امتد على الزمن وتعددت وسائله، فقد استخدمت فيه القوة المسلحة، كما استخدمت السياسة والدين٤.
وكانت بلاد الشرق الأوسط محور هذا النزاع وميدان التصارع بين الدولتين. وقد دخلت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية في مجال هذا الصراع؛ بل إن الاستيلاء عليها باعتبارها رؤوس طرق التجارة الشرقية كان هو الهدف من وراء هذا التطاحن بين الدولتين الكبيرتين، وشهد القسم الشمالي من الجزيرة العربية أعنف المعارك الحربية بينهما، كما شهد القسم الجنوبي أنواع الصراع السياسي والديني. أما د داخل شبه الجزيرة العربية فلم يدخل في دائرة الصراع إلا في القرن السادس الميلادي، إذ إن التجارة كانت في يد اليمنيين الذين قاموا على نقلها منذ زمن مبكر جدًاّ، في عهد الدولة المعينية ١٣٥٠ ق. م، ثم السبئية والحميرية، ولم يكن في فتح داخل شبه الجزيرة الصحراوي مطمع لفاتح، لقلة خيراتها وصعوبة تسيير الجيوش إليها، كما لم تكن مدن الحجاز لتزيد على كونها محطات تجارية تنزلها القوافل للراحة والتزود؛ ولذلك لم نسمع عن غزو وجه إلى داخلية شبه الجزيرة أو إلى مدنها الواقعة على طرق
_________________
(١) ١ جورجي زيدان نفسه ١١٥. ٢ جواد علي ٣/ ١٩، ٢٠ حتى تاريخ العرب ٧٢. ٣ حتى نفسه ٧٠. ٤ نفسه ٦٧- ٧٣- ٧٥.
[ ١٣٢ ]
التجارة، ومع أن حملة أليوس جالوس سنة ٢٤ ق م اخترقت شبه الجزيرة ووصلت إلى منطقة مأرب١ فإنه لم يذكر أنها توقفت عند مكة أو عند يثرب أو الطائف، كذلك لم نسمع عن جيوش رومية أو فارسية قصدت هذه المنطقة؛ لبعد الشقة وصعوبة وصول الجيوش إليها، فظلت بعيدة عن متناول يد الدول الكبرى. وحتى في القرن السادس الميلادي لم تفكر بيزنطة في إرسال جيوشها عبر جزيرة العرب، حين طلب إلى القيصر أحد الفارين المسيحيين من نجران النجدة ضد الملك اليهودي الذي نكل بالمسيحيين فيها، فقد اعتذر له القيصر بأن بلاده بعيدة٢، وظهر أن الروم لم ينسوا الدرس الذي تلقته حملة أليوس جالوس من قبل. كذلك تردد كسرى في إجابة ملتمس سيف بن ذي يزن حين طلب إليه تسيير جيوشه لتخليص اليمن من حكم الأحباش، برغم أن سيف عرض حكم بلاده على كسرى٣. وقد تحالفت بيزنطة مع الحبشة القريبة من بلاد العرب واتخذت منها أداة لبسط نفوذها على بلاد اليمن، كما اتخذت الدولتان من الدين وسيلة لإضعاف هذه البلاد وبسط نفوذهما عليها، فحاولت بيزنطة نشر المسيحية بين أهل اليمن.. وردت فارس على هذا بأن شجعت الديانة اليهودية المعادية للمسيحية. وقد كان من نتيجة ذلك أن قامت الخلافات الداخلية؛ مما أدى إلى إضعاف دولة الحميريين، ثم أدى إلحاح الأحباش عليها بالغزو إلى سقوطها في أيديهم سنة ٥٢٥ م، ثم سقوطها بعد ذلك تحت الحكم الفارسي سنة ٥٧٥م ٤.
وبسقوط اليمن تحت الاحتلال الحبشي ثم الفارسي، وقيام الخلافات الداخلية فيها؛ فقدت قدرتها على النهوض بدورها الذي اضطلعت به قرونًا طويلة في نقل التجارة العالمية. ولما كان النزاع بين الفرس والروم قد أدى إلى قفل طريق التجارة الشرقي المار ببلاد العراق إلى الشام، وكان الطريق البحري عبر البحر الأحمر قد خلا من سفن الروم، ولم تقو البحرية الحبشية على سد الفراغ فيه، وأصبح ميدانًا لسفن القراصنة فوق صعوبة الملاحة نفسها في هذا البحر بسبب الرياح الشمالية التي تعاكس السفن في إبحارها نحو الشمال، ولوجود الشعب المرجانية وخلو شواطئه من المرافئ الصالحة
_________________
(١) ١ جواد ٢/ ٣٨٤- ٣٨٦. ٢ ابن هشام ١/ ٣٦. ٣ نفسه ١/ ٦٦. ٤ ابن هشام ١/ ٧٣.
[ ١٣٣ ]
لرسو السفن وحمايتها وقلة الماء والمؤن على جانبيه؛ فإن الطريق البري عبر تهامة والحجاز أصبح هو الطريق الوحيد المفتوح أمام التجارة، وكان لا بد بعد زوال النشاط اليمني أن يوجد مَن يسد الفراغ ويقوم بدور الوسيط المحادي بين المتنازعين لنقل هذه التجارة١.
وقد وجد هذا الوسيط المحايد ممثلًا في مدينة مكة، التي حظيت بنوع من التنظيم والاستقرار على يد قبيلة قريش منذ منتصف القرن الخامس الميلادي، وقد حظيت بمكانة سامية بين عرب الشمال الذين بدت فيهم نهضة قومية في ذلك الحين، وأخذوا يتطلعون إلى زعامة عربية تتجه إليها عواطفهم، وبخاصة بعد أن وقعت أطراف الجزيرة العربية الجنوبية والشمالية، ممثلة في اليمن والحيرة والغساسنة تحت النفوذ الأجنبي.
وبقيام مكة على نقل التجارة بدأت تطرق المجال الخارجي، وبدأت تتخذ لها علاقات مع الدول المحيطة بالجزيرة العربية والتي أصبحت هي الوسيط في نقل التجارة منها وإليها. وقد عمل رجال قريش على ألا يزجوا بأنفسهم في مجال هذا الصراع الدولي؛ بل حرصوا على الحيدة التامة بين المتنازعين، وقد أعانهم على اتخاذ موقف الحياد رغبة المعسكرين في وجود مثل هذا الوسيط المحايد من ناحية، وبُعد مكة وصعوبة الوصول إليها من ناحية أخرى، ومع ذلك فلم تسلم مكة من محاولة السيطرة عليها محاولات حربية وسياسة باءت بالفشل؛ بفعل عوامل خارجة عن قدرة المكيين مرة، وبإصرار رجال مكة على حيادهم واطمئنانهم إلى موقفهم مرة أخرى٢.
_________________
(١) ١ HUsayyen. Arabia and the Ear East B، ١٤٢- ١٤٣ ٢، ٣ حتى: نقوش أشار إليها ٤٩، ٥٠، ٦٤جواد علي ١/ ٣٨١، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٨. Gerald do Garury Rulers of Mecca P.٢٤
[ ١٣٤ ]