ويشتمل الحجاز على مدن وقرى كثيرة أهمها مصرًا بلاد العرب: مكة والمدينة أويثرب، كما توجد به الطائف وخيبر، ووادي القرى.
والاعتبارات الجغرافية والاقتصادية هي التي ساعدت على نشوء هذه المدن الحجازية فالحجاز -كما قلنا- إقليم جبلي مساير للبحر الأحمر من الجنوب إلى الشمال، من اليمن إلى فلسطين، وكان يمر به أحد طريقي التجارة البريين الهاميين بين الشرق والغرب مبتدئًا من مواني اليمن مخترقًا تهامة والحجاز، مارًّا بمكة ويثرب. حتى يصل إلى أيلة على خليج العقبة، ثم مواني البحر المتوسط. والتجارة بين الشرق والغرب هامة جدًّا وضرورية، وذلك لاختلاف المناخ بين أقطار الشرق الهندي والغرب الأوربي، مما استتبع اختلاف الغلات وحاجة كل منهما إلى منتجات الآخر، وفي هذا نجد سر الأهمية الكبيرة التي اتفقت لِتَدْمُر المدينة القديمة الواقعة في البادية، فكانت تحمي القوافل وتضمن سلامة المواصلات١. وأصبح العرب، بعد أن خرب الرومان تدمر، سادة مطلقين لتلك الطرق بالتدريج، وقد أعانهم معرفتهم بالبادية ودروبها وتعودهم الحياة فيها، على أن يتصرفوا تصرف السادة في تلك البقاع بلا منازع، كما مكنتهم تربيتهم للإبل -وهي الحيوان الوحيد القادر على السير في الصحراء مدة طويلة- من نقل المتاجر والقيام على تنظيم القوافل؛ والإبل معروفة منذ أقدم الأزمنة التاريخية
_________________
(١) ١ جورج فضلو: الملاحة في المحيط الهندي: ٥٨.
[ ٢٣ ]
في الجزيرة العربية؛ فقد وجدت رسومها على النقوش١. وتحدثت عنها التوراة٢. وتنظيم القوافل استتبع اتخاذ محطات ومنازل لإراحتها وتزويدها بما تحتاج إليه من ماء. ومن البديهي أنه عندما تريد قافلة أن تنزل لتريح دوابها، لابد أن تختار مكانًا مناسبًا يتوافر فيه الخصب والماء لتجد الإبل ما تطعمه ولتتزود القافلة بالماء، كذلك يتوفر فيه حصانة الموقع حتى تطمئن إلى حراسة الأموال والتجارة التي معها. وعلى مر الزمن صارت محطات هذه القوافل ومنازلها مدنًا شيئًا فشيئًا، وكانت أغلب هذه المدن في الحجاز، وأهمها:
_________________
(١) ١ انظر جواد علي ج١ النقش بين صفحتي ٣٩٢- ٣٩٣، ج٢٠ بين ص ٢٩٨- ٢٩٩، ٣٠٢- ٣٠٣. ٢ التوراة: سفر القضاء إصحاح: ٥-٦.
[ ٢٤ ]