لم تحدثنا المصادر عن العلاقات التي كانت بين القبائل والبطون اليهودية بعد قدومها إلى يثرب واستقرارها بها؛ ولذلك فإنه ليس أمامنا إلا الاستنتاج نعتمد عليه من دراسة أحوالهم في الفترة التي سبقت الهجرة مباشرة وفي عهد الهجرة النبوية.
وقد بينا -من قبل- كيف قدم اليهود إلى يثرب، وأنهم جاءوا في هجرات متتابعة نتيجة للظروف التي كانت تواجههم في موطنهم في فلسطين. وهم حين جاءوا إلى هذه المناطق من أرض الحجاز كانوا طارئين عليها، فكان من مصلحتهم أن يكونوا على علاقات طيبة فيما بينهم، وكان على السابق منهم أن يفسح مجالًا للاحق، بدافع الشعور بالمحنة المشتركة وحتى يكثر عددهم ويقووا على حماية أنفسهم في بيئتهم الجديدة.
وقد شغلوا في فترتهم الأولى بتدبير أمر أنفسهم والتقوي على مواجهة جيرانهم من البطون العربية النازلة في يثرب، ومن القبائل التي تجاورم وترجح أن حياتهم الأولى لم تكن سهلة ميسرة، وأن أحداثًا وقعت بينهم وبين جيرانهم مما جعلهم يتوسعون في إقامة الحصون والآطام حتى يقووا على مواجهة أي هجوم عليهم؛ وهم مع ذلك يعملون لاستثمار الأراضي الخصيبة التي نزلوا فيها. وقد نجحوا في كلا
[ ٢٦٦ ]
الأمرين نجاحًا كبيرًا، فاستقروا، وتجمعت في أيديهم الثروة، وعلا شأنهم حتى أصبحوا أصحاب الكلمة العليا في يثرب.
وحين استقرت أمورهم وتم لهم الغلب بدأ الدافع على التضامن يضعف لديهم. فلم يحافظوا على الروح الجامعة بينهم، بل انحدروا إلى الروح القبلية، وأخذت روح الانفصالية والتنافس تظهر بين جماعاتهم. ويبدو أن أحداثًا وحروبًا وقعت بين طوائفهم، كان من نتيجتها ذلك التفكك الذي بدا واضحًا بينهم حين وقع النزاع بينهم وبين الأوس والخزرج بعد ذلك، فإنهم لم يستطيعوا أن يجمعوا كلمتهم ويقفوا صفًّا واحدًا في وجه خصومهم، كما أنهم لم يحتفظوا بكيانهم فيما تلا ذلك من أحداث؛ فتفرقت بطونهم ودخل بعضها في محالفات مع الأوس ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، واشترك كل فريق في القتال إلى جانب حلفائه ضد الفريق الآخر١، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، فقد قسا بنو النضير وقريظة على بني قينقاع وأثخنوا فيهم ومزقوا شملهم في حرب بعاث بين الأوس والخزرج، مما جعل أحد شعراء اليهود من بني النضير يتألم لهذه الحالة٢.
ولا نستطيع أن نفهم سببًا لهذه القسوة إلا أن عداء كان قد استحكم بين بني قينقاع وبين بني النضير وقريظة، كما أنه لا بد من أن أحداثًا وقعت بينهم، جعلت بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم ويقتصرون على الصناعة؛ فإنهم حين أجلاهم النبي - ﷺ- عن المدينة لم يكن لهم بها أرض ولا مزارع٣، وليس من المحتمل أن يكون بطن كبير مثلهم قد رغب عن الأعمال الزراعية كلية. ومما يؤيد ما كان يقع بين اليهود من قتال وسفك دماء، وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم جريًّا وراء المصالح والمنافع الخاصة، ما ذكرته آيات القرآن الكريم في وصفهم والتنديد بأعمالهم هذه مع مخالفتها لشريعتهم ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ٢٤. ٢ الأغاني ١٩/ ٩٥ "طبعة مصر" ولفنسون ٦٩. ٣ الواقدي ١٤٠.
[ ٢٦٧ ]
عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة] ١.
وبعد الهجرة كانت قبائل اليهود وبطونهم في حالة واضحة من التفكك، وكان إحساسهم بالترابط منعدمًا؛ فلم يبد أي بطن من بطونهم أي إحساس بالعطف نحو الآخرين حين وقعوا في خلاف مع النبي -ﷺ.
كل ذلك يقطع بأن العلاقات بين اليهود في يثرب لم تكن حسنة في عصر الهجرة النبوية، وقد سيطرت عليهم المنفعة الشخصية وأهدروا في سبيلها كل مصلحة مشتركة.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢/ ٣٠٥.
[ ٢٦٨ ]