كانت مكة لحرمتها ووحدة أهلها واستقرار أمورها ملجأ لكثيرين من العائدين المحتمين بحرمها، كما كان في حياتها التجارية مجال لطلاب الكسب، ممن وجدوا في أسواقها وقوافلها فرصة لاستثمار أموالهم في قوافل قريش والاتصال ببيوتها التجارية أو العمل في دوائر أعمالها١؛ ولذلك كثر الموالي في قريش عن طريق الجوار، أو من
_________________
(١) ١ "مثال ذلك، صهيب بن سنان المعروف بصهيب الرومي، الذي قدم مكة وحالف عبد الله بن جدعان أحد أثريائها الكبار، وعمل معه ونال من وراء ذلك ثروة اضطرته قريش إلى التخلي عنها حين أسلم وهاجر". أسد الغابة ٢/ ٣١.
[ ١٩٠ ]
الحلفاء من كافة قبائل الجزيرة العربية ممن أقاموا في مكة إقامة دائمة وشاركوا في حياتها العامة مشاركة فعالة١. وقد أتاحت مكة لعدد منهم أن يقتني الثروات الكبيرة. وهيأت لهم الحياة الآمنة المطمئنة. وقد تمتع بعض الموالي بمركز كبير في المجتمع المكي، حتى أصبح مسموع الكلمة مطاعًا بين مواليه مثل الأخنس بن شريق الثقفي، الذي بلغ من أمره أن أثر على حلفائه بني زهرة، فأقنعهم بالرجوع وعدم المشاركة في موقعة بدر -مع إجماع القبيلة على الخروج- فرجعوا؛ فلم يشهدها زهري واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعًا٢، كما كانت دار بديل بن ورقاء الخزاعي بمكة ملاذ الخزاعيين حين هاجمتهم بنو بكر وأعانها قريش٣، وبديل نفسه كان أحد الثلاثة الذين خرجوا فاتصلوا بالنبي -ﷺ- حين قدومه لفتح مكة وأعلنوا له تسليم البلد، وأخذوا منه لأهل مكة الأمان، وهم: أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء٤.
وقد أفسحت قريش صدرها لهؤلاء الموالي وأحلتهم هذه المنزلة الرفيعة؛ تبعًا لسياسة قريش العامة التي قامت على تنشيط التجارة، وإشراك القبائل العربية فيها والحرص على حسن الصلة معها، ورغبة في أن تبرز حرمة البلد الحرام، وأنه ملجأ العرب ومهوى نفوسهم، وهذا إلى الرغبة في الانتفاع بجهود هؤلاء الموالي وخبراتهم.
فطبقة الموالي في مكة كانت أرفع شأنًا وأكثر فاعلية في المجتمع المكي من مثيلتها بين القبائل الأخرى، ولقد أخلص هؤلاء الموالي إخلاصًا شديدًا لقريش وقاتلوا في صفوفها، واعتمدت اعتمادًا كبيرًا عليهم في صراعها ضد يثرب بعد الهجرة النبوية، وإن نظرة إلى قائمة القتلى والأسرى من قريش في يوم بدر لتعطينا فكرة عن مقدار مشاركة هؤلاء الموالي لقريش في هذا الصراع، فإنهم قد تحملوا حوالي ٤٠% من هذه الخسائر ٥. ومن هذه القائمة -ومن قائمة المهاجرين- مع النبي -ﷺ- إلى يثرب نستطيع
_________________
(١) ١ ابن حزم، جوامع السيرة ١١٤- ١٢٣. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٥٨. ٣ ابن هشام ٤/ ٥، ابن حزم ٣٢٣. ٤ ابن هشام ٤/ ١٨. ٥ ابن هشام ٢/ ٣٥٠-٣٦٧.
[ ١٩١ ]
أن ندرك أن هذه الطبقة كانت كبيرة العدد في قبيلة قريش، وأنها كانت تكوِّن نسبة كبيرة من مجموع السكان، فقد بلغ عدد المهاجرين إلى يثرب بعد بيعة العقبة الكبرى ستة وثمانين، كان منهم من صليبة قريش واحد وأربعون، والباقون من الموالي، وكانت غالبية هؤلاء الموالي ممن ارتبطوا بقريش عن طريق الحلف١. أما من ارتبط بالقبيلة عن طريق الجوار؛ فمن المحتمل أن يكون عددهم كبيرًا، إلا أنهم لم يقوموا بدور فعال؛ نظرًا لأن الجوار بطبيعته صلة مؤقتة أدت إليها دوافع وقتية لا تربط صاحبها بالقبيلة ارتباطًا يحمله على المشاركة الشديدة فضلًا عن التضحية بالمال أو بالنفس؛ فإنما هو جاء يطلب الحماية والعون لا أن يبذلها لغيره.
_________________
(١) ١ ابن حزم، جوامع السيرة ١١٤- ١٢٣.
[ ١٩٢ ]