كانت هذه الطبقة كبيرة العدد بمكة؛ نظرًا لأعمال أهل مكة التجارية الواسعة، وانشغالهم بها واحتياجهم إلى من يقوم على خدمتهم والاشتغال لصالحهم، سواء في التجارة أو في الرعي أو في الزراعة -حيث كانت لهم بساتين ومزروعات في الطائف- أو في الصناعة التي لا بد كانت موجودة في مكة لسد حاجة هذا المجتمع الذي أخذ بأسباب التحضر، ولما كان تجار مكة قد نالوا حظًّا وافرًا من الثروة، وعاش بعضهم عيشة رافهة بالنسة لغيرهم من المجتمعات القبلية الأخرى في الجزيرة العربية؛ فقد جلبوا كثيرًا من الرقيق للقيام على خدمتهم ولإرضاء نوازع شهواتهم، وقد أغرم المجتمع المكي بالشراب والسمر والمنادمة، ومثل هذا المجتمع يحتاج إلى أعداد من الغلمان والجواري السود والبيض على السواء للخدمة والتسلية وإرضاء الشهوات، وقد بلغ عدد الرقيق في مكة حدًّا كبيرًا، وقد كان أكثر هؤلاء العبيد من السود من أصل أفريقي اشتراهم أثرياء مكة؛ للعمل لهم في مختلف الأعمال ولخدمتهم١، ولعل مما يدل على كثرتهم المفرطة أن هندًا بنت عبد المطلب أعتقت في يوم واحد أربعين عبدًا من عبيدها، كما أعتق سعيد بن العاص مائة عبد، اشتراهم فأعتقهم جميعًا٢. والرقيق في
_________________
(١) ١ الاغاني ١/ ٦٥. ٢ الجاحظ، المحاسن والأضداد ٧٢. المبرد، الكامل ٢، ٩٦. شوقي ضيف، العصر الجاهلي ص ٥١.
[ ١٩٢ ]
تلك الأزمنة كان بضاعة ضرورية لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة، فهم آلات ذلك العصر ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، كما أنهم سلاح يستخدم للدفاع عن السادة والأثرياء في أيام السلم الحرب. ومكة وهي بلد الأثرياء والتجار في إقليم الحجاز، لا بد لها من استيراد هذه الآلات البشرية للاستفادة منها في تمشية الأعمال، وفي توسيع التجارة وزيادة رءوس الأموال، وقد كان بنو مخزوم من قريش يملكون عددًا كبيرًا من العبيد السود، يستخدمونهم في مختلف الأعمال وفي الحروب، وبخاصة تلك التي خاضتها ضد يثرب١.
وقامت بخدمة قريش طائفة أخرى ممن الرقيق، هي أدق عملًا، وأحسن خدمة وأرقى في الإنتاج، من الشمال في بلاد الشام والعراق، هي الأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة ومنها ينقلون في أنحاء الجزيرة العربية للقيام بمختلف الأعمال، يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوربا لبيعه في أسواق الشرق. وكان هذا الرقيق أغلى ثمنًا من الرقيق الأسود نظرًا لأنه كان أكثر ثقافة وكان يحسن من الأعمال ما لا يحسنه العبيد السود. ومن جملة ما وكل إلى هذا الرقيق الأبيض من أعمال: إدارة المبيعات٢، والقيام بالحرف التي تحتاج إلى خبرة ومهارة وفن، وهي من اختصاص أهل المدن المستقرين مثل أعمال البناء والنجارة الدقيقة، وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة حين قامت قريش على تجديدها قبل البعثة٣، كما أشاروا إلى ما وجد بجوفها من صور ورسوم وتماثيل خشبية دقيقة٤، لا بد أنها من عمل هذا العامل ومَن عمل معه من عمال على شاكلته.
وكما كان في مكة كثير من الرجال الأرقاء سود وبيض، كذلك كان بها عدد كبير من الإماء: منهن السوداوات اللاتي كن يقمن على الخدمة في البيوت، ومنهن البيضاوات من الروم والفرس وغيرهن، كن يقمن على الخدمة والمنادمة وإرضاء نوازع
_________________
(١) ١ الأغاني ١/ ٦٥. ابن هشام ٧/ ١٢. جواد علي ٤/ ١٩٨. ٢ ابن هشام ١/ ٤٢٠. ٣ ابن هشام ١/ ٢٠٩- ٢١٠. الطبري ٢/ ٣٩-٤٠. ٤ ابن هشام ٤/ ٣١-٣٢.
[ ١٩٣ ]
النفس ١. وكانت عادة تسري الإماء فاشية، ولم يكن عدد الإماء اللاتي يتسراهن الرجل محدودًا، ينكحهن بدون عقد ولا مهر، وله أن يهب أو يبيع من ينكحها دون طلاق إذا لم تكن قد ولدت له. وكان الإماء مادة البغاء، فكن أكثر تعرضًا له وارتكاسًا فيه، وكان أمرًا مستساغًا بالنسبة لهن، وحين وضع الإسلام عقوبة الزنا جعل على الأَمة نصف عقوبة الحرة٢، إذ إن ارتكاس الإماء في الفاحشة أكثر توقعًا منهن، وتعرضهن للبغاء أكثر احتمالًا، وعارُ ذلك أقل شدة. وقد كان الشباب والفساق وطلاب الشهوة يتعرضون للإماء في الطرقات؛ ولذلك فرض الإسلام على الحرائر أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين٣، بأن يخلط بينهن وبين الإماء في المظهر فيتعرض لهن فينالهن الأذى.
وقد ترك هؤلاء الرقيق في نفوس أهل مكة، وفي نفوس العرب الآخرين ممن كان لهم رقيق أثرًا ليس إلى إنكاره من سبيل، وإن المصطلحات الفارسية والرومية والحبشية التي كانت معروفة عند العرب قبل ظهور الإسلام، ولا سيما ما يتعلق منها بالصناعات والأعمال التي يأنف العربي من الاشتغال بها، إنما دخلت لغتهم وشاعت بينهم عن طريق هؤلاء٤.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ٣٨٧، ٤/ ١٣٣٢، ٥/ ٩٤، ٤٦٢. ٢ انظر سورة النساء ٥. ٣ انظر سورة الأحزاب ٥٩. ٤ أسد الغابة ٥/ ٥٧٩ مسلم، الصحيح ٢/ ١٨٩. جواد علي ٤/ ١٩٤. الحوفي، الحياة العربية من الشعر الجاهلي ص ٦٨، ٨٠، ١٠٣- ١٠٥.
[ ١٩٤ ]