تعريف الخلق:
الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية قاله ابن الأثير في غريب الحديث،
[ ٣٨ ]
وفي الاصطلاح يطلق إطلاقين أحدهما أعم من الثاني فيطلق على الصفة التي تقوم بالنفس على سبيل الرسوخ ويستحق الموصوف بها المدح أو الذم، ويطلق على التمسك بأحكام الشرع وآدابه فعلا وتركا، ومن الأول قوله ﷺ: لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة قال يا رسول الله أخلقين – تخلقت بهما أم جبلت عليهما قال "بل جبلت عليهما" قال: "الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله" ومن الثاني قوله ﷺ: "البر حسن الخلق" وقول عائشة ﵂ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: "كان خلقه
[ ٣٩ ]
القرآن".
هذا تعريف الخلق في اللغة والاصطلاح. ننتقل بعده إلى الحديث عن أخلاقه الفاضلة وسجاياه الحميدة في جميع مراحل حياته ﷺ، فقد كان ﷺ أحسن الناس خلقا أجتمع فيه من أوصاف المدح والثناء ما تفرق في غيره، قد صانه الله سبحانه وحفظه من أدنى وصف يعاب صاحبه كل ذلك حصل له من ربه فضلا ومنه قطعا لألسنة أعدائه الذين يتربصون به ويقفون في طريق دعوته مؤذين له محذرين منه أحب شيء إليهم تحصيل شيء يعيبونه به وأنى لهم ذلك.
فقد نشأ ﷺ في أول أمره إلى آخرة لحظة من لحظاته متحليا بكل خلق كريم، مبتعدا عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس وأنصحهم وأفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، وأكثرهم حياء، يضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف. أدبه الله فأحسن
[ ٤٠ ]
تأديبه فكان أرجح الناس عقلا، وأكثرهم أدبا، وأوفرهم حلما، وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة، وأكرمهم نفسا، وأعلاهم منزلة، وبالجملة كل خلق محمود يليق بالإنسان فله ﷺ منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه شهد له بذلك العدو والصديق.
وفيما يلي أورد بعض الشهادات التي شهد له بها الموالون له والمعادون الدالة دلالة بينة على تمسكه بالأخلاق الحسنة قبل أن يبعثه الله تعالى وذلك معلوم من الدين بالضرورة:
١- شهادة خديجة ﵂:
لما أوحى الله إلى نبيه ﷺ في غار حراء لأول مرة ورجع إلى خديجة أخبرها الخبر وقال: "لقد خشيت على نفسي".
[ ٤١ ]
فقالت له ﵂: "كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق".رواه البخاري.
٢- شهادة كفار قريش عند بنائهم الكعبة:
ولما قامت قريش ببناء الكعبة قبل بعثة محمد ﷺ تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى مكانه، واتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم الباب، فكان أول داخل رسول الله ﷺ ففرحوا جميعا وقالوا جاء الأمين جاء محمد. وقد كانوا يلقبونه بلقب الأمين لما يعلمونه من أمانته صلوات الله وسلامه عليه
٣- شهادة كفار قريش بصدقه ﷺ:
ثبت في صحيح البخاري أنه ﷺ لما نزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي – لبطون قريش – حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم
[ ٤٢ ]
يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي" قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال: أبو لهب: "تبا لك ألهذا جمعتنا.."
٤- شهادة أبي جهل بصدقه ﷺ:
تقديم الحديث الذي رواه الحاكم بسند على شرط الشيخين أن أبا جهل قال للنبي ﷺ: "إنا لا نكذبك لكن نكذب ما جئت به". فأنزل الله ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .
ولما قال له الأخنس بن شريق: "يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ " فقال: "ويحك والله إن محمدا صادق وما كذب محمد قط" الخ..
٥- شهادة أبي سفيان بين يدي هرقل ملك الروم بصدق رسول الله ﷺ ووفائه: فقد
[ ٤٣ ]
روى البخاري في صحيحة عن ابن عباس ﵁ أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا ذهبوا إلى الشام لأجل التجارة في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادا فيها أبا سفيان وكفار قريش.فأتوه بإيليا فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: "أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي" فقال: "أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا" فقال: "أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال: لترجمانه قل لهم أني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عليه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: "كيف نسبه فيكم" قلت: "هو فينا ذو نسب" قال: "فهل قال هذا القول أحد منكم قط قبله" قلت: "لا" قال: "فهل كان من آبائه من ملك" قلت: "لا" قال: "فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفائهم" فقلت: "بل
[ ٤٤ ]
ضعفاؤهم" قال: "أيزيدون أم ينقصون" قلت: "بل يزيدون" قال: "فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه" قلت: "لا" قال: "فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال" قلت: "لا" قال: "فهل يغدر" قلت: "لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة" قال: "فهل قاتلتموه" قلت: "نعم" قال: "فكيف كان قتالكم إياه" قلت: "الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه" قال: "بماذا يأمركم" قلت: "يقول أعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة" فقال: "للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذالك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله قط؟ فذكرت أن لا، قلت فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان في آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا قلت فلو كان من آبائه من ملك
[ ٤٥ ]
لقلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، قلت لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم إتباع الرسل وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون
وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بماذا يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه.
ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ
[ ٤٦ ]
الذي بعث به إليه مع دحية بن خليفة الكلبي – فقرأه قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات فأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله على الإسلام..
ففي هذه القضية آيات بينان ودلالات واضحات على نبوته ﷺ وأنه ﷺ صادق فيما جاء به ومحل الشاهد من القصة شهادة أبي سفيان بن حرب وهو من أشد أعدائه في ذلك الوقت على – اتصاف الرسول ﷺ قبل أن يبعثه الله بالصدق وأنهم لا يتهمونه بالكذب وبالوفاء وأنه لا يغدر.
٦- شهادة السائب المخزومي له ﷺ بحسن المعاملة والرفق قبل النبوة:
روى أبو داود وغيره أن السائب المخزومي كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة فجاء يوم الفتح
[ ٤٧ ]
فقال: "مرحبا بأخي وشريكي لا تداري ولا تماري، وفي لفظ أنه قال للنبي ﷺ كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك لا تداريني ولا تماريني، وفي لفظ شريكي ونعم الشريك كنت لا تداري ولا تماري".
٧- شهادة عبد الله بن سلام ﵁ بصدقه ﷺ:
روى أحمد وأصحاب السنن عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة كنت ممن أنجفل فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب فسمعته يقول: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ".
٨- شهادة مكرز بن حفص بن الأحنف له ﷺ بالوفاء في جميع مراحل حياته:
كان رسول الله ﷺ عام الحديبية قد أبرم
[ ٤٨ ]
صلحا بينه وبين قريش على أن يرجع ويعتمر من العام المقبل، ومن الشروط التي اشترطتها قريش على رسول الله ﷺ أن يدخل مكة بسلاح الراكب فقط (السيوف مغمدة) فلما قدم ﷺ في عمرة القضاء استعد بالخيل والسلاح لا ليدخل بها الحرم وإنما لتكون في متناول يده لو نكثت قريش، وعندما قرب ﷺ من الحرم بعث بها إلى يأجح. وكان خبر ذلك السلاح قد بلغ قريشا فبعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إلى رسول الله ﷺ فقالوا: "يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر". فقال ﷺ: "وقد بعثنا به إلى يأجح" فقال مكرز: "بهذا عرفناك بالبر والوفاء".
[ ٤٩ ]