وهذه الأخلاق التي أشرنا على بعض آحادها يحتاج تفصيلها وبسط القول فيها إلى عدة محاضرات. أما المحاضرة الواحدة فلا تكفي إلا للإشارة على بعض تلك الأخلاق والمزايا الحميدة التي أوتيها ﷺ، فأجدني مضطرا إلى الاقتضاب والإيجاز حسب الإمكان..
١-جوده وكرمه ﷺ:
وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه في خلق الجود والكرم مبلغا لم يبلغه غيره، ووصل فيه إلى الغاية التي ينتهي عندها الكمال الإنساني. ومن توفيق الله له ﷺ أن جعل جوده يتضاعف في الأزمنة الفاضلة يقول ابن عباس ﵁ في الحديث الصحيح: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه
[ ٥٨ ]
في كل ليلة فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة". جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه وسال الدم منه صلوات الله وسلامه عليه. والجود بالنفس أقصى غاية الجود؛ وجاد بجاهه ومن أمثلة ذلك شفاعته ﷺ لمغيث زوج بريرة ﵄ لما عتقت واختارت فراقه أشار عليها أن تبقى في عصمته رحمة منه ﷺ بزوجها مغيث. وأخص الأمثلة في ذلك ما أخبر به ﷺ من شفاعته في أهل الموقف التي يتخلى عنها أولو العزم من الرسل فتنتهي إليه فيقول أنا لها ﷺ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة قد دعا بها فاستجيب له، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" وجاد ﷺ بما أعطاه الله من
[ ٥٩ ]
المال فما سئل ﷺ شيئا من الدنيا قط فقال لا ولقد جاءت إليه ﷺ امرأة ببردة منسوجة فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها فأخذها ﷺ محتاجا إليها ولبسها فقل رجل من الصحابة: "أكسينها يا رسول الله". فقال ﷺ: "نعم"
فدخل منزله فطواها وبعث بها إليه فقال له بعض الصحابة: "ما أحسنت، لبسها رسول الله عليه وسلم محتاجا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد سائلا". فقال: "إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفني" قال سهل بن سعد ﵁: "فكانت كفنه"، هذا مثل من أمثال اتصافه ﷺ بهذا الخلق الكريم فهل بعد هذا كرم يصدر من مخلوق؟ وهل وراء هذا الإيثار إيثار؟. ولقد وصف الله الأنصار في كتابه العزيز بصفة الإيثار
[ ٦٠ ]
في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ . وهذه الصفة الكريمة التي اتصفوا بها أسوتهم فيها وفي غيرها من مكارم الأخلاق سيد ولد آدم ﵊ يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . ولما رجع من حنين التف حوله الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف النبي ﷺ وقال: "أعطوني ردائي فلو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا..".
وجوده ﷺ في العطاء لبعض الناس إنما هو لتأليفهم على الإسلام، فكثيرا ما كان يخص حديثي العهد بالإسلام بوافر العطاء دون من تمكن الإيمان في نفوسهم. ففي غزوة حنين أعطى أكابر قريش المئات من الإبل ومنهم صفوان بن أمية فقد روى مسلم في صحيحة أنه قال: "لقد أعطاني
[ ٦١ ]
رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه من أحب الناس إلي"، وروى أيضا عن أنس ﵁ قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر". وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها، أعطى رسول الله ﷺ ذلك الرجل تلك الغنم الكثيرة التي لكثرتها ملأت ما بين جبلين وماذا كانت نتيجة هذا الإعطاء من رسول الله ﷺ؟ لقد كانت حصول الغرض الذي من أجله أعطاه وهي أنه أصبح داعية لرسول الله صلى الله عليه
[ ٦٢ ]
وسلم. لقد كان بدافع من نفسه رسولا لرسول الله إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم كرم رسول الله ﷺ وأنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وهكذا كان رسول الله ﷺ يبذل المال في سبيل نصرة الإسلام والدعوة إليه والترغيب فيه، ينفق مال الله الذي آتاه في سبيل الله حتى توفاه الله ودرعه مرهونة في دين عليه صلوات الله وسلامه عليه.
٢ـ تواضعه ﷺ وقربه من الناس:
ولم يحصل لأحد من البشر ما حصل لرسول الله ﷺ من توفر صفات الكمال وبلوغ الحد الأعلى والغاية القصوى التي يمكن أن يبلغها إنسان فكان ﵊ مضرب المثل في الكمال الإنساني والسمو الخلقي قبل البعثة وبعدها وقد خصه الله بخصائص وميزه بميزات امتاز بها على البشر في الدنيا والآخرة فجعله أفضل المرسلين
[ ٦٣ ]
الذين هم خير البشر وجعله خاتمهم وسيدهم وإمامهم وأولهم خروجا من القبر وأولهم تقدما للشفاعة وأولهم مشفعا وقال ﷺ متحدثا بنعمة الله عليه ومبينا للأمة منزلته عند الله ليعتقدوا ذلك ولينزلوه المنزلة اللائقة به ﷺ من الإجلال والتعظيم والمحبة والمتابعة قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع". رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة ﵁.
ومع هذه الخصائص والميزات التي سما بها إلى منزلة لا يساويه فيها غيره من أولى العزم من الرسل فضلا عمن سواهم كان ﷺ أشد الناس تواضعا وأقربهم إلى الضعيف والمسكين وأبعدهم من الكبر والترفع.
ولما بين ﷺ لأمته بعض
[ ٦٤ ]
ما خصه الله به بقوله: "أنا سيد ولد آدم.." أضاف إلى ذلك ما يبريء ساحته من الفخر- وحاشاه من كل نقص- فقال: "ولا فخر" أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد من حديث أبي سعيد ﵁. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وإنما أخبر صلى الله عليه مسلم بمنزلته عند الله لأنه لا سبيل للأمة إلى معرفة ذلك إلا بواسطته والتلقي عنه -ﷺ- إذ لا نبي بعده يخبر عن عظم منزلته عند الله كما أخبر هو أمته بفضائل الأنبياء قبله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين.
ولما خير صلى الله وسلم بين أن يكون عبدا رسولا أو نبيا ملكا اختار مقام العبودية والرسالة على مقام النبوة والملك، أخرجه الإمام أحمد في المسند، وروى البيهقي عن انس قال: "دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح
[ ٦٥ ]
وذقنه إلى راحلته متخشعا"، وروى ابن إسحاق في السيرة " أن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل". قال ابن كثير: (وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله ﷺ مكة في مثل هذا الجيش العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود - أي ركع - يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة) . وروى البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال:"كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت"، وروى مسلم في صحيحه عن أنس "أن امرأة كان
[ ٦٦ ]
في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان أنظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها"، وفي صحيح البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: "كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:"لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأحبت ولو أهدي على ذراع أو كراع لقبلت"، وكان صلى الله علنه وسلم إذا مر بالصبين سلم عليهم. روى مسلم في صحيحه عن شعبة عن سيار قال:"كنت أمشى مع ثابت البناني فمر بصبيان فسلم عليهم"
[ ٦٧ ]
وحدث ثابت أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ، فمر بصبيان سلم عليهم" وكان ﷺ يخالط أصحابه ويداعب الصبي الصغير يقول أنس ﵁ فيما رواه عنه البخاري في الصحيح: "إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ "، وفي رواية عنه قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبوعمير، قال: أحسبه فطيما. وكان إذا جاء قال:"يا أبا عمير ما فعل النغير، نغير كان يلعب به".
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ ".
وكان ﷺ يركب الدواب
[ ٦٨ ]
ويردف بعض أصحابه وراءه عليها، وكان صلى الله علنه وسلم يرشد أمته إلى التحلي بصفة التواضع ويرغبهم في التخلق بها، ومما قاله صلى الله علنه وسلم في ذلك:"وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". رواه مسلم، وهو ﷺ سيد المتواضعين وأسوتهم وقد رفعه الله إلى أعلى الدرجات رفع قدره وأعلى منزلته وخلد ذكره.
ومع هذا التواضع والخلق العظيم الذي تفضل الله به على عبده ورسوله وخليله محمد ﷺ كان أصحابه ﵃ لا يملئون أعينهم بالنظر إليه ﷺ إجلالا واحتراما له ﷺ.
يقول عمرو بن العاص ﵁ في حديث له أخرجه مسلم في صحيحه: "وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني
[ ٦٩ ]
منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه"
٣ـ رحمته ﷺ بأمته ورفقه بها وشفقته عليها:
وبفضل الله ورحمته عليه ﷺ كان رحيما رفيقا كما قال الله تعالى مخاطبا إياه: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ فلم يحصل لأحدمن البشر ما حصل لرسول الله ﷺ من الاتصاف بالرحمة والرفق لا يقاربه في ذلك أحد ولا يدانيه.
فعن أبي هريرة ﵁ أن أعربيا بال في طائفة المسجد فثار إليه الناس ليقعوا فيه فقال لهم رسول الله ﷺ: "دعوه واهر يقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
[ ٧٠ ]
أخرجه البخاري وغيره.
وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت النبي ﷺ قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ. قال: فقال: "يا أيها الناس إن فيكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة."
وعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء".
وعن أبي قتادة ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه".
[ ٧١ ]
وعن أنس ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه". وعن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها"، وقال ﷺ:"لولا أن أشق الى أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري، ولما قام ﷺ بأصحابه ليلا يصلي بهم في رمضان خشي أن يفرض عليهم فترك الصلاة بهم، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته الناس ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم
[ ٧٢ ]
رسول الله فلما أصبح قال: "رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم وذلك في رمضان".
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم"، ولما واصل ﷺ في صيامه وعلم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك واصلو معه فنهاهم عن الوصال إشفاقا عليهم قالوا فإنك تواصل، قال: "اني لست كهيئتكم"، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم
[ ٧٣ ]
يوما ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا". فإنه ﷺ نهاهم عن الوصال رحمة بهم وشفقة عليهم فلما راجعوه في ذلك رغبة منهم في موافقته واصل بهم وكان ذلك آخر الشهر يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال وقال: "لو تأخر لزدتكم"، كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا وهذا منه ﷺ إرشاد عملي وتأديب نبوي للصحابة الكرام ﵃ ليوقفهم على ضعفهم وأن الوصال يشق عليهم فيبتعدوا عنه من تلقاء أنفسهم وهذا التأديب النبوي يشبهه ما لو رأى والد ولده يحاول العبث بالنار فيعمل على تجنيبه ضررها بأن يأخذ بيده ويضع أصبعه برفق على طرف جمرة منها ليدرك مدى ضررها فيكون حذرا منها ويبتعد عن الوقوع فيها لأن والده قد أوقفه على مدى ضررها.
وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم
[ ٧٤ ]
السلمي ﵁ لما شمت وهو في الصلاة رجلا عطس ووجد من الصحابة إنكار عليه قال: فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قال ﷺ. وكان ﷺ إذا بلغه عن أحد من أصحابه ما يحتاج إلى تنبيهه عليه قال في خطبة: "ما بال قوم يفعلون كذا ما بال رجال من أمتي يقولون كذا"، وما أشبه ذلك، وذلك ليعدل عنه من صدر منه وليحذر الوقوع فيه من لم يباشره.
٤ـ عفوه وحلمه ﷺ:
وكما كان ﷺ غاية في الرحمة والشفقة فهو غاية في العفو والحلم والصفح والصبر والتحمل.
[ ٧٥ ]
وسيرته العطرة حافلة بالوقائع الدالة على ذلك. ففي الصحيحين عن جابر ﵁، قال: "غزونا مع الرسول الله ﷺ غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: فقال رسول الله ﷺ: "إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني، قال: قلت الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني، قال: قلت الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ". وهذا لفظ مسلم. وعند البخاري: "ولم يعاقبه وجلس". وفي الصحيحين عن عائشة ﵂
[ ٧٦ ]
قالت: "دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسول الله ﷺ: "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ قد قلت: وعليكم.."
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت:"ماخير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"، وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس ﵁ قال:"كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة،
[ ٧٧ ]
قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء."
٥– نصحه ﷺ في الدعوة إلى دين الله
لما بعث الله رسوله محمدًا ﷺ بالدين القويم قام بأعباء هذه المهمة على الوجه الأكمل وصبر على ما اعترضه في هذا السبيل من أذى. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ: "يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب
[ ٧٨ ]
فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".
إنّ هذا لهو الخلق العظيم يناله ﷺ مثل هذا الأذى وتحف به المصائب فينطلق على وجهه مهموما ثم تعرض عليه ملائكة الله القضاء على أعدائه بأن يطبقوا عليهم الاخشبين – وهما جبلا مكة – فلا يستجيب لهذا العرض ويجيب بالإجابة التي تبرهن على تمام نصحه ومحبته لأن يعبد الله
[ ٧٩ ]
وحده فيقول: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا".
وقد ترك ﷺ الناس على محجة بيضاء واضحة كفيلة لمن سلكها بعز الدنيا وسعادة الآخرة جاء ذلك نتيجة لاتصاف الرسول ﷺ بكمال النصح وقوة البيان ونهاية الأمانة فما من شيء يقرب إلى الله إلا دل عليه أمته ورغبها فيه كما حذرها مما يخالف ذلك فلم يقصر في ﷺ في إبلاغه شرع الله ولم يقصر في بيانه عند الإبلاغ. أخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم".
وقد أعلن ﷺ قيامه بواجب
[ ٨٠ ]
التبليغ في أعظم جمع لقيه وذلك في حجة الوداع واستشهد الناس على أنفسهم فشهدوا الشهادة الحق بإبلاغه رسالة ربه وتأديته ما أمر به على أكمل وجه ونصحه في ذلك في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه وفيه قوله ﷺ وهو يخطب الناس يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات".
ولم يدع ﷺ وسيلة فيها إيضاح وإفهام للناس وحفز للهمم إلى القيام بطاعة الله والبعد عن معصيته إلا سلكها في سبيل دعوته إلى الله وتحذيرًا منه من النكوب عن الشرع القويم الذي جاء به ﷺ فكان يضرب الأمثلة
[ ٨١ ]
التي تجعل الشيء المبين في صورة المحسوس المشاهد، ففي مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق"، وفي صحيحه أيضا عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي"، واتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث
[ ٨٢ ]
عن أبي هريرة ﵁.
وكان ﷺ إذا سئل عن شيء وكانت الأهمية لغير المسؤول عنه لفت نظر السائل برفقه وحكمته ﷺ إلى ذلك الأهم. ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: "متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال ﷺ: أنت مع من أحببت ". إلى غير ذلك من الوسائل التي اتبعها ﷺ في هدايته وإرشاده.
٦ – قوته وشجاعته ﷺ
المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير كما قال ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه. وقد جمع الله أنواع القوة في عبده ورسوله محمد
[ ٨٣ ]
ﷺ، جمع له إلى القوة الإيمانية الكاملة القوة البدنية فاستعمل هذه القوة في عبادة الله وطاعته والسعي الحثيث إلى كل ما يقربه إليه وهو الأسوة والقدوة لأمته في كل خير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا؟ ".
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة".
وفي الصحيحين أيضا عن أنس ﵁
[ ٨٤ ]
قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: لم ترعوا لم ترعوا وهو على فرس لأبي طلحة عرى ما عليه سرج في عنقه سيف فقال: لقد وجدته بحرا أو أنه لبحر".
وكان رسول الله ﷺ يتقدم أصحابه في الجهاد في سبيل الله وقد شج وجهه وكسرت رباعيته ﷺ يوم أحد. وفي غزوة حنين ثبت رسول الله ﷺ حين انهزم الكثير ممن معه ففي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ أن رجلا قال له: "يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس على
[ ٨٥ ]
الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا سفيان بن الحارث آخذ في لجام بغلته البيضاء وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب".
قال ابن كثير ﵀ في تفسيره بعد سياق هذا الحديث: " قلت وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوعي وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا كر ولا هرب وهو مع هذا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان".
[ ٨٦ ]