ولعل أن أختم هذه المحاضرة المشتملة على نماذج من أخلاقه ﷺ بالإشارة إلى مجمل حقه على أمته وحق أمته عليه ﷺ فأقول:
من حقه على أمته – وقيامهم بهذا الحق عنوان سعادتهم – أن يشهدوا بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس وأن شريعته باقية إلى قيام الساعة وأنها عامة لكل أحد فلا يسع أحد الخروج عنها. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار.."
[ ٨٧ ]
وأن شريعته صالحة لكل زمان ومكان وأنه لا سعادة في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا لمن سلك سبيله وسار على نهجه وأنه هو الأسوة والقدوة لأمته وأنه الصادق المصدوق في أخباره غائبها وماضيها ومستقبلها وأن تكون القلوب عامرة بحبه محبة أعظم من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن محبته ﷺ محبة شريعته وتعظيمها وتحكيمها والتحاكم إليها كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وأن تكون العبادة لله خالصة وعلى وفق الخطة التي رسمها رسوله ﷺ فلا يعبد الله إلا بما شرع كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وما أحسن قول أبي عثمان النيسابوري إذ يقول: "من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة".
[ ٨٨ ]
وقد جمع هذه الأمور في عبارة وجيزة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث قال في بيان المراد بشهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ قال: "طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع".
ومن حقه على أمته ﷺ أن تكون الألسنة رطبة بالثناء عليه بكل ما يليق به مع الحذر من الغلو الذي لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ، وبالثناء على سنته وإيضاح محاسنها وبيان ضرورة الناس إلى التمسك بها وأن تكون الألسنة رطبة بالصلاة والسلام عليه ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان، والبخيل حق البخيل من ذكر عنده النبي ﷺ فلم يصل عليه، وأرغم الله أنف من ذكر عنده النبي ﷺ فلم يصل عليه، وأبخل ممن يبخل بالدرهم والدينار من يبخل بالصلاة على النبي ﷺ عند ذكره صلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان عليه وعلى آله
[ ٨٩ ]
وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما حق الأمة عليه فهو إبلاغهم رسالة ربهم وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ .
روى البخاري في صحيحه عن ابن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم". انتهى. وقد من الله على المؤمنين بإرسال رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وقام رسول الله ﷺ بإبلاغ الرسالة على أكمل الأحوال وأتمها وأنزل الله تعالى عليه في أواخر حياته في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
[ ٩٠ ]
وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات" رواه مسلم، فالذي من الله وهو الرسالة والذي على الرسول ﷺ وهو البلاغ كل منهما قد حصل على التمام والكمال أما الذي على الأمة وهو التسليم فالسعيد من وفق للقيام بذلك قولا وفعلا واعتقادا والشقي الطريد المخذول من كان بخلاف ذلك.
وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا جميعا للتأدب بآداب هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأن يمن علينا بالتوفيق لاقتفاء
[ ٩١ ]