غير أن هذه الكلمات النبوية كان وقعها على نفس أبي طالب أشد من وقع كلمات الإنذار الذي سمعه من وفد قريش، فلم يكد يسمع هذه الكلمات العظيمة من ابن أخيه النبي حتى عاد إليه صوابه، فقد نسى قريشًا وتناسى قوتها أمام تلك الكلمات النبوية الرائعة، ونادى ابن أخيه محمدًا - ﷺ - وكان قد ولَّى خارجًا؛ - فقال له .. أقبل يا ابن أَخي، فلما أَقبل عليه رسول الله - ﷺ - قال له:
"اذهب يا ابن أخي، فقال ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشئ أبدًا" وقد كان أبو طالب يعرف ماذا سيكون رد الفعل من جانب قريش إزاءَ تصريحه بحماية ابن أَخيه وعدم التخلى عنه، ولذلك فقد استدعى زعماءَ بني هـہاشم وبني المطلب، وأَبلغهم خطورة الموقف (بعد التصريح الذي أَدلي به وتحدثت به مكة كلها) وطلب منهم أن يكونوا بجانبه لحماية محمد من قريش، فاستجاب له جميع بني المطلب وبني هاشم
[ ١ / ٣٣ ]
(مسلمهم وكافرهم) إلا أبا لهب (عم النبي - ﷺ -) فإنه صارحهم العداوة ورفض الانضمام إليهم وانضم إلى خصومهم.
وبهذا التصريح الذي أدلى به أبو طالب وأَبلغه زعماءَ مكة رسميًا، دخل النزاع بين الوثانية والإسلام في طور جديد، وازدادات مخاوف قريش أَكثر من ذي قبل، لا سيما بعد موقف التحدي الذي وقفته لهما وزنهما الكبير بين القبائل المكية، سواءٌ كان ذلك في ميدان الحرب أو السياسة.
ولا شكَّ أن قريشًا قد فكرت في شن حرب دموية على قبيلتي بني الإسلام، ولكن عقلاءَ قريش خافوا مغبة هذه الحرب الأَهلية التي خوفهم منها دائمًا هو الذي كان يحول بينهم وبين الإقدام على قتل النبي الأَعظم.
ولذلك عدلوا هذه المرة (أيضًا) عن اتباع خطة الحرب الدموية لمقاومة دعوة الإسلام (ولو مؤقتًا) ولجأُوا (بدلا عنها) إلى حرب المقاطعة، وهي لا شك حرب قاسية لا تقل ضررًا عن الحرب الدامية، ففرضوا الحصار الاقتصادي على قبيلتي بني هاشم وبني المطلب، كما اتبعوا خطة عزل هاتين القبيلتين عن المجتمع القرشي عزلا تامًّا.