ولم يخب ظن سراقة، فقد أدرك النبي - ﷺ - وصاحبه حوالي المنطقة التي أَشار إليها الرجل الذي أخبر خبرهما، وعندما أَبصر سراقة النبي - ﷺ - وصاحبه، سال لعابه للمكافأَة الضخمة التي تعهَّدت قريش بإعطائها لمن أعاد إليها محمدًا - ﷺ - حيًّا أو ميتًا، وهنا استعد سراقة للحظة الحاسمة، فإذا وجد النبي - ﷺ - منه قيد البصر دفع جواده نحوه ليعتقله أو يقتله، ولكن الجواد (وعلى مقربة من الرسول وصاحبه) كبا براكبه كبوة عنيفة تدحرج لها الفارس من على ظهره، وهنا أدخل
_________________
(١) هو سراقة بن مالك بن جعشم الكناني أسلم عام الفتح، وهو من سادات كنانة، مات ﵁ في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين هـ.
[ ١ / ٨٦ ]
في روع سراقة أَنه لن يقدر على النبي - ﷺ - بأَى حال من الأَحوال، فعدل عن خطته.
ولنترك هذا الفارس القرشي المطارد يحكى لنا قصته العجيبة، فقد روى عنه ابن إسحاق أن فرسه قد كبابه (قبل الكبوة العنيفة الأخيرة) مرتين ولكنه واصل المطاردة ولم يتوقف عنها إلا بعد الكبوة الثالثة العنيفة التي تدحرج لها من على ظهر فرسه.
قال سراقة (يصف تلك اللحظة الحاسمة): فركبت في أثره (أي النبي - ﷺ -) فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعها دخان كالإعصار، قال فعرفت حيث رأيت ذلك أنه قد منع مني، وأنه ظاهر (أي منتصر)، قال: فناديت القوم، فقلت .. أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فوالله لا أَريبكم، ولا يأْتيكم مني شيء تكرهونه، قال .. فقال .. رسول الله - ﷺ - لأبي بكر .. قل له .. وما يبتغى منا؟ قال .. فقال ذلك أبو بكر، قال سراقة قلت تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك قال .. اُكتب له يا أبا بكر.
قال سراقة: فكتب لي كتابًا في عظم، أو في رقعة، أو في خزفة، ثم أَلقاه إليّ، فجعلته في كنانتي، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئًا مما كان".