وكان النبي - ﷺ - طيلة اختفائه وصاحبه في الغار لا يعلم بهما أحد سوى عبد الله بن أبي بكر (١) وعامر بن فهيرة مولى (٢) أَبى بكر ﵁.
وكان النبي (ضمن الخطة المرسومة للهجرة) قد كلّف عبد الله بن أبي بكر أَن يقوم بأعمال الاستخبارات، فيكون عينًا على قريش،
_________________
(١) هاجر عبد الله هذا بعد أبيه بعيال أبي بكر جميعًا، في صحبة طلحة بن عبيد الله، وكان عند الهجرة شابًّا صغيرًا، ولم يذكر المؤرخون أنه شهد شيئًا من المعارك مع رسول الله ﷺ سوى فتح مكة وحنين وحصار الطائف، وقد أصيب بسهم فمات منه بعد مدة طويلة في خلافة أبيه، وبعد موت رسول الله ﷺ بأربعين يومًا.
(٢) كان عامر بن فهيرة من السابقين الأولين في الإسلام، وكان ممن نالهم التعذيب الشديد على أيدي زبانية قريش، وكان عامر مول للأزد فاشتراه أبو بكر من الطفيل بن عبد الله بن سخبرة ثم أعتقه، لم أطلع على تاريخ وفاته.
[ ١ / ٨٢ ]
فيسمع ما يقولون، ويراقب ما يفعلون طيلة الأَيام الثلاث، ثم ينقل كل ذلك إِلى النبي وصاحبه في الغار.
فكان يقضي سحابة نهاره مع المشركين في مكة يراقب ما يقولون ويفعلون، فإِذا حلّ المساءُ ذهب إلى الغار ليبلغ الرسول وصاحبه كل ما سمع ورأى بشأنهما.
أما عامر بن فهيرة (مولى الصدّيق) فقد أَوكلت إليه مهمة تموين النبي وصاحبه (طيلة اختفائهما في الغار) بالإِضافة إلى القيام بأعمال تضييع معالم آثار أقدام عبد الله بن أبي بكر الذي يذهب إلى الغار ويعود منه يوميًا.
فقد كان عامر بن فهيرة (حسب الخطة المرسومة) يقضى سحابة نهاره يرعي الغنم مع رعيان مكة، فإذا أمسى راح على رسول الله - ﷺ - وصاحبه في الغار، فيحلبان ويذبحان، وفي الوقت نفسه يتبع أثر عبد الله بن أبي بكر عند ذهابه إلى الغار فيُعفِّي عليه بآثار الغنم، وكذلك يفعل عند ما يعود عبد الله من الغار إلى مكة، وذلك لئلا تكتشف قريش أثر عبد الله فتستدل به علي وجود النبي وصاحبه في الغار، أَما آثار الغنم وراعيها فلا يلفت النظر في تلك المنطقة، لأَنه أمر عادي.